📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
إذا طرأَ على الإمامِ عذرٌ يُبْطِلُ صلاتَهُ، كما لو سبقَهُ الحدثُ، أو تذكرَهُ، أو تعمدَهُ، فاختلفوا:
وهو «القديمُ» من قوليِ الشافعيِّ، والمشهورُ من مذهبِ الحنابلةِ [1].
فإن تَعمَّدَ، أو تَذكَّرَ الحدثَ، لم يستخلفْ؛ لبطلانِ صلاةِ الإمامِ والمأمومِ.
وهو مذهبُ الحنفيةِ، وروايةٌ عن أحمدَ [2].
لأن الاستخلافَ بناءُ الصلاةِ على ما مضى منها، ولم يَصِحَّ ما مضى حتى يَبْنِيَ عليه.
فإن تَعمَّدَ الحدثَ، أو تَذكَّرَهُ فيها وتمادى فيها بطلتْ صلاةُ الجميعِ، ولم يستخلفْ.
وهذا مذهبُ المالكيةِ [3].
وهذا مذهبُ الشافعيةِ.
قال في «التنبيهِ»:
وإن أَحْدَثَ الإمامُ، فاستخلفَ مأمومًا جازَ في أصحِّ القولينِ، إلا أنه يستخلفُ مَنْ لا يخالفُهُ في ترتيبِ الصلاةِ.
روى أحمدُ، قال: حدثنا عفانُ، حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، حدثنا زيادٌ الأعلمُ، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ «دخلَ في صلاةِ الفجرِ، فأومأَ إلى أصحابِهِ، أي: مكانَكم، فذهبَ، وجاءَ ورأسُهُ يَقْطُرُ، فصلَّى بالناسِ» [5].
[ضعيفُ الإسنادِ] [6].
أن النبيَّ ﷺ لم يستخلفْ حين دخلَ في الصلاةِ ثم تذكرَ حدثَهُ، ولو كان جائزًا لكان الأشبهُ أن يستخلفَ؛ لأن هذا هو الأيسرُ من أحدِ احتمالينِ: إما إبطالُ صلاةِ المأمومينَ بعد تلبسِهم بالعبادةِ، أو وقوفُهم منتظرينَ، وهم في الصلاةِ وقوفًا بلا ذكرٍ أو قراءةٍ طيلةَ ذهابِ الإمامِ واغتسالِهِ وإيابِهِ، ثم دخولُ الإمامِ في الصلاةِ وإمامتُهُ لهم مع تأخرِهِ عنهم في التحريمةِ، فلما تُرِكَ الاستخلافُ مع كونِهِ الأيسرَ عُلِمَ أنه ليس مشروعًا؛ لأن من هديِ النبيِّ ﷺ أنه ما خُيِّرَ بين أمرينِ إلا اختارَ أيسرَهُما ما لم يكُنْ إثمًا.
أن الحديثَ ضعيفٌ سندًا.
بأنه إن لم يكُنْ حجةً في نفسِهِ فهو حجةٌ بالمجموعِ، وقد تَقَوَّى بمجموعةٍ من المراسيلِ الصحيحةِ، منها: مرسلُ ابنِ سيرينَ، وبكرٍ المزنيِّ، وغيرِهما.
وسَبَقَ تخريجُها في مسألةٍ سابقةٍ.
أنَّ الحديثَ مُخرَّجٌ في «الصحيحين» من رواية أبي هريرةَ ، وليسِ فيهِ أنَّهُ دَخلَ في الصَّلاةِ، ولفظُه: «فلما قام في مصلاهُ، وانتظرنا أن يكبرَ انصرفَ» وهو المحفوظُ.
تركُ الاستخلافِ دليلُ الجوازِ، ولم يَقُلْ أحدٌ بوجوبِ الاستخلافِ.
هديُ الرسولِ ﷺ هو في تحري الأيسرِ ما لم يكُنْ في تركِهِ جلبُ مصلحةٍ أكبرَ، أو دفعُ مفسدةٍ، ولا شكَّ أن المصلحةَ ظاهرةٌ، فانتظارُهم للرسولِ ﷺ؛ لتحصيلِ فضيلةِ الصلاةِ خلفَهُ أحبُّ إلى الصحابةِ من استخلافِ غيرِهِ.
ما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حدثنا زائدةُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتمنٌ اللهم أرشدِ الأئمةَ واغفرْ للمؤذنينَ» [7].
[ضعيفٌ] [8].
دَلَّ الحديثُ: أنَّ الإمامَ ضامنٌ، وإنما يضمنُ لهم صحةَ صلاتِهم، فصحةُ صلاةِ المأمومِ في عهدةِ الإمامِ، وفسادُها مقرونةٌ بفسادِ صلاتِهِ.
أن الحديثَ ضعيفٌ.
لا يلزمُ من كونِ الإمامِ ضامنًا أن تَفْسُدَ صلاةُ المأمومِ بفسادِ صلاةِ إمامِهِ، وقد رُوِيَ الحديثُ من مسندِ سهلِ بنِ سعدٍ وجُمِعَ فيه بين ضمانِ الإمامِ وقصرِ إساءةِ الإمامِ على نفسِهِ بما يدلُّ على أن تفسيرَ الضمانِ بسريانِ الفسادِ لا يَصِحُّ.
فقد روى ابنُ ماجهْ من طريقِ عبدِ الحميدِ بنِ سليمانَ، أخو فليحٍ، قال: حدثنا أبو حازمٍ، قال: كان سهلُ بنُ سعدٍ الساعديُّ يُقَدِّمُ فتيانَ قومِهِ، يصلونَ بهم، فقِيلَ له: تفعلُ، ولك من القِدَمِ ما لك! قال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «الإمامُ ضامنٌ، فإن أحسنَ فله ولهم، وإن أساءَ، يعني، فعليه، ولا عليهم».
[ضعيفٌ] [9].
فقَصْرُ الضمانِ على الإمامِ دونَ المأمومِ يجعلُ العهدةَ على الإمامِ وحدَهُ إذا ارتكبَ مفسدًا، وأن على الإمامِ حفظَ صلاتِهِ من المبطلاتِ، ورعايتَهُ لشروطِها وواجباتِها، وأن الإخلالَ بشيءٍ من ذلك بما يُبْطِلُ الصلاةَ، أو يُنْقِصُها فالضمانُ عليه وحدَهُ دونَ المأمومِ، هذا ما يقتضيهِ كونُهُ ضامنًا، لا أن يُلْقِيَ بآثارِ الضمانِ على غيرِهِ.
أنها صلاةٌ واحدةٌ، فلا تجوزُ بإمامينِ، كما لو اقتدى بهما دفعةً واحدةً.
جاءَ الدليلُ على صحةِ الصلاةِ بإمامينِ كما في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ في الصحيحينِ، والأصلُ التأسي.
أن صلاةَ المأمومِ مرتبطةٌ بصلاةِ الإمامِ، فإذا بطلتْ صلاةُ الإمامِ عادَ ذلك بالبطلانِ على صلاةِ المأمومِ.
فقد روى البخاريُّ من طريقِ أبي الزنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: «إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّروا، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإذا سجدَ فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعونَ». ورواهُ مسلمٌ [10].
ورواهُ أحمدُ من طريقِ وهيبٍ، حدثنا مصعبُ بنُ محمدٍ، عن أبي صالحٍ السمانِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: «إنما الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّرَ، وإذا ركعَ فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركعَ …. الحديث».
[حسنٌ] [11].
قولُهُ: «إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به» لفظُ: «إنما» من صيغِ الحصرِ عند أهلِ اللغةِ والأصولِ.
إثباتُ الحكمِ في المذكورِ، ونفيُهُ عما عداهُ.
والمرادُ بالحصرِ:
اتباعُ المأمومِ لإمامِهِ في كلِّ شيءٍ، وأن التابعَ لا يستقلُّ عن المتبوعِ.
ومقتضى ذلك:
ألا يخالفَهُ في شيءٍ من الأحوالِ التي فَصَّلَها الحديثُ.
وكذلك لا يخالفُهُ في غيرِها قياسًا عليها، وهو مقتضى الإمامةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] أي يأتمونَ بك.
ولا معنى لكونِ المأمومِ تابعًا لإمامِهِ إلا بارتباطِ صلاتِهِ بصلاةِ إمامِهِ، فإذا فَسَدَتْ صلاةُ الإمامِ فَسَدَتْ صلاةُ المأمومِ [12].
لهذا رأى جمهورُ الفقهاءِ الحنفيةُ والمالكيةُ والحنابلةُ بأن صلاةَ المأمومِ مرتبطةٌ بصلاةِ الإمامِ، وأنه لا يجوزُ مخالفتُهُ حتى في الأعمالِ الباطنةِ كالنيةِ، فلا يصلي المفترضُ خلفَ المتنفلِ [13].
لا نُسَلِّمُ أن الحديثَ يدلُّ على بطلانِ صلاةِ المأمومِ ببطلانِ صلاةِ الإمامِ، فالإجمالُ في الحديثِ بوجوبِ الاقتداءِ به جاءَ مفسَّرًا بالحديثِ، وما فَسَّرَهُ الشارعُ فلا استدراكَ عليه، فقال: «إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّروا، وإذا ركعَ فركعوا».
فعبَّرَ بـ(الفاءِ) التي توجبُ التعقيبَ، وهذا كاشفٌ عن المرادِ من الحديثِ، حيث أوجبَ أن تكونَ تكبيراتُ المأمومِ وأفعالُهُ، بعد تكبيراتِ الإمامِ وأفعالِهِ، فلا يسبقُهُ، ولا يتأخرُ عنهُ.
ولهذا قال في روايةٍ:
«فلا تختلفوا عليه» يعني: في التكبيراتِ والأفعالِ، فإذا جلسَ الإمامُ وجبَ على المأمومِ الجلوسُ ولو اختلَّ نظمُ صلاتِهِ، كما لو كان مسبوقًا بركعةٍ.
وإذا قامَ الإمامُ ناسيًا، وتركَ التشهدَ الأولَ، وجبتْ متابعتُهُ.
وليس المرادُ الموافقةَ بالصحةِ؛ فإن هذه لا يُكَلَّفُ بها المأمومُ، بل هي أثرٌ ناشئٌ عن فعلِ المصلي وحدَهُ إمامًا كان أو مأمومًا.
وقد يكونُ فعلُ الإمامِ صحيحًا حقيقةً وحكمًا.
وقد يكونُ صحيحًا حكمًا، كما لو دخلَ في الصلاةِ ناسيًا حدثَهُ، فيُسْتَصْحَبُ الصحةُ حتى يتذكرَ حدثَهُ.
و ليس المرادُ من الحديثِ: الموافقةَ بالأعمالِ الباطنةِ، كالنياتِ، فاختلافُ نيةِ الإمامِ والمأمومِ لا يترتبُ عليه اختلافٌ في الهيئاتِ الظاهرةِ، ولا يُخِلُّ بالائتمامِ المنصوصِ عليه «إذا كبَّرَ، فكبِّروا، وإذا ركعَ، فاركعوا».
ولا يُكَلَّفُ المأمومُ أن يعرفَ نيةَ إمامِهِ، وهل هو مقيمٌ أو مسافرٌ، وهل صلاتُهُ قضاءٌ، أو أداءٌ، أو إعادةٌ؟ فكلُّ واحدٍ له نيتُهُ، ويصلي لنفسِهِ.
ولهذا صَحَّتْ صلاةُ المفترضِ خلفَ المتنفلِ، كما كان يصلي معاذٌ -رضيَ اللهُ عنهُ- فرضَهُ مع النبيِّ ﷺ، ثم ينقلبُ، فيصلي العشاءَ بقومِهِ، لهم فرضٌ، وله نفلٌ.
وصَحَّتْ صلاةُ القومِ خلفَ الصبيِّ على الصحيحِ، وصلاتُهُ نفلٌ في حقِّهِ، كما في حديثِ عمرو بنِ سلمةَ في البخاريِّ.
نفيُ ارتباطِ صلاةِ المأمومِ بصلاةِ الإمامِ لا يُعْنَى به انتفاءُ العلاقةِ من كلِّ وجهٍ، فإن بينهما علاقةً بلا شكٍّ.
فالإمامُ يتحملُ القراءةَ عن المأمومِ على الصحيحِ، ويتحملُ سجودَ السهوِ، ويتركُ المأمومُ التشهدَ الأولَ إذا تركَهُ الإمامُ سهوًا، ويجلسُ المسبوقُ في غيرِ موضعِ جلوسِهِ متابعةً لإمامِهِ، وإذا صلَّى مسافرٌ خلفَ مقيمٍ أَتَمَّ صلاتَهُ، وتأتي أفعالُ المأمومِ عقيبَ فعلِ الإمامِ لا قبلَهُ، ولا معهُ.
كلُّ هذا يدلُّ على وجودِ علاقةٍ بين صلاةِ المأمومِ وصلاةِ الإمامِ، لكن هذا الارتباطَ لا يبلغُ الحدَّ الذي قالوه بإفسادِ صلاةِ المأمومِ بفسادِ صلاةِ الإمامِ، ولا لزومِ متابعةِ الإمامِ بالنيةِ، هذا الذي لا دليلَ عليه، وهو المقصودُ بنفيِ الارتباطِ بين الصلاتينِ [14].
أن القائلينَ بأن صلاةَ المأمومِ مرتبطةٌ بصلاةِ الإمامِ قد اختلفوا في القومِ يصلونَ خلفَ إمامٍ ناسٍ لِحَدَثِهِ.
فهذا الإمامُ مالكٌ الذي يمنعُ من الاختلافِ على الإمامِ، ولو بالنيةِ الباطنةِ، يقولُ:
إذا صَلَّتِ الجماعةُ خلفَ جُنُبٍ ناسيًا حدثَهُ، فلا إعادةَ عليهم، وإنما الإعادةُ عليه وحدَهُ، وسواءٌ أَتَذَكَّرَ قبل إتمامِ الصلاةِ، أم تذكرَ بعد الفراغِ منها [15]، خلافًا للحنفيةِ والحنابلةِ.
وقال الحنفيةُ والمالكيةُ:
إذا سبقَهُ الحدثُ في أثناءِ الصلاةِ لم تَبْطُلْ صلاةُ المأمومِ خلافًا للحنابلةِ، وهي مسألةُ بحثِنا.
كلُّ ذلك يعودُ بالنقضِ على قاعدةِ:
(ارتباطِ صلاةِ المأمومِ بصلاةِ الإمامِ).
قال ابنُ رشدٍ في «بدايةِ المجتهدِ»:
«مَنْ رفعَ رأسَهُ قبل الإمامِ، فإن الجمهورَ يروْنَ أنه أساءَ، ولكن صلاتُهُ جائزةٌ، وأنه يجبُ عليه أن يرجعَ، فيتبعَ الإمامَ، وذُهِبَ إلى أن صلاتَهُ تَبْطُلُ للوعيدِ الذي جاءَ في ذلك».
فإذا كان على رأيِ الجمهورِ:
أن مخالفةَ الإمامِ في الأفعالِ التي جاءَ النصُّ على وجوبِ الاقتداءِ به فيها، والنهيِ عن مخالفتِهِ لا تُبْطِلُ الصلاةَ، فكيف تَبْطُلُ الصلاةُ بأمورٍ لم يُنَصَّ عليها، وإنما أُلْحِقَتْ قياسًا بالمنصوصِ؟
فإذا كان الأصلُ لا يُبْطِلُ على قولِ الجمهورِ، فالفرعُ على فرضِ التسليمِ بصحةِ القياسِ لا يُبْطِلُ صلاةَ المأمومِ، واللهُ أعلمُ.
إذا دخلَ الإمامُ في الصلاةِ، وهو محدثٌ، لم تَصِحَّ صلاتُهُ بالإجماعِ، وبصريحِ السنةِ، قال ﷺ: «لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طُهُورٍ».
فكيف يَبْنِي المأمومُ على ما صلَّى إمامُهُ، وهو على غيرِ طهارةٍ، إذا كان ما سبقَ من الصلاةِ باطلًا؟ فالبناءُ على الباطلِ باطلٌ.
وأما إذا سبقَهُ الحدثُ – وإن اختلفَ الفقهاءُ في بناءِ المحدثِ على ما قد صلَّى، وهو طاهرٌ قبل حدثِهِ، وله شروطٌ يختلفونَ عليها، ليس هذا موضعَ بحثِها – فالإجماعُ على أن الحدثَ قبل تمامِ الصلاةِ يُبْطِلُ ما بَقِيَ، والراجحُ أن بطلانَ ما بَقِيَ من الصلاةِ يعودُ ذلك بالبطلانِ على أولِها، وإذا بَطَلَ أولُها لم يَصِحَّ الاستخلافُ؛ لِمَا تقدمَ، من أن الاستخلافَ: هو بناءُ ما بَقِيَ على ما مضى.
بأن هذا الكلامَ صحيحٌ، ولا اعتراضَ عليه، إلا أنه يتوجهُ للإمامِ، فلا يَصِحُّ البناءُ منه على ما مضى من صلاتِهِ، ولا يتوجهُ للمأمومِ؛ لأن صلاتَهُ لا ترتبطُ بصلاةِ إمامِهِ، فما يُبْطِلُ صلاةَ الإمامِ لا يلزمُ منه أن يُبْطِلَ صلاةَ المأمومِ، والمأمومُ قد أُذِنَ له شرعًا بالاقتداءِ بالإمامِ، وما ترتبَ على المأذونِ فغيرُ مضمونٍ ، واللهُ أعلمُ.
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ من طريقِ ابنِ أبي ذئبٍ عن أبي جابرٍ البياضيِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ: «أن النبيَّ ﷺ صلَّى بالناسِ، وهو جُنُبٌ، فأعادَ وأعادوا» [16].
[مرسلٌ، والبياضيُّ متروكُ الحديثِ] [17].
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، «أن عمرَ صلَّى بالناسِ، وهو جُنُبٌ، فأعادَ، وأمرَهُم أن يعيدوا» [18].
[منكرٌ، مخالفٌ للصحيحِ الثابتِ عن عمرَ] [19].
ما رواهُ محمدُ بنُ الحسنِ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ يزيدَ المكيُّ، عن عمرو بنِ دينارٍ، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قال: «في الرجلِ يصلي بالقومِ جُنُبًا، قال: يعيدُ ويعيدونَ» [20].
[ضعيفٌ جدًّا] [21].
ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ مالكٍ، عن أبي حازمِ بنِ دينارٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ: «أن رسولَ اللهِ ﷺ ذهبَ إلى بني عمرو بنِ عوفٍ ليُصْلِحَ بينهم، فَحَانَتِ الصلاةُ، فجاءَ المؤذنُ إلى أبي بكرٍ، فقال: أتصلي للناسِ فأُقِيمَ؟ قال: نعم، فصلَّى أبو بكرٍ، فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ والناسُ في الصلاةِ …. فاستأخرَ أبو بكرٍ حتى استوى في الصفِّ، وتقدمَ رسولُ اللهِ ﷺ، فصلَّى …. الحديث»، ورواهُ مسلمٌ [22].
والحديثُ حجةٌ للشافعيِّ على جوازِ الاستخلافِ، ولو لم تَبْطُلْ صلاةُ الإمامِ.
ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ الحسنِ بنِ موسى الأشيبِ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يصلونَ لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» [23].
دَلَّ الحديثُ على: أن خطأَ الإمامِ لا يُؤَثِّرُ على صلاةِ المأمومِ، فإذا بطلتْ صلاةُ الإمامِ إما لكونِهِ تذكرَ الحدثَ، أو سبقَهُ وهو في الصلاةِ، أو تعمدَ البطلانَ، فصلاةُ المأمومِ صحيحةٌ. وإذا كان ما مضى منها صحيحًا أمكنَ للمأمومِ أن يكملَ صلاتَهُ، إما بالاستخلافِ ، وإما بإتمامِ الصلاةِ منفردًا، واللهُ أعلمُ.
وقد ذَكَرْتُ الأدلةَ على (انفكاكِ صلاةِ المأمومِ عن صلاةِ الإمامِ) في المسألةِ التي قبل هذه، فارجعْ إليها، دفعًا للتكرارِ.
روى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، عن معمرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، «أن عمرَ بنَ الخطابِ، صلَّى بالناسِ، وهو جُنُبٌ، فأعادَ، ولم يَبْلُغْنا أن الناسَ أعادوا» [24].
[صحيحٌ عن عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-] [25].
يَصِحُّ الأثرُ دليلًا للشافعيةِ القائلينَ بصحةِ الاستخلافِ مطلقًا.
ووجهُهُ:
أن الأثرَ دَلَّ على أن بطلانَ صلاةِ الإمامِ لا يعودُ على صلاةِ المأمومِ بالبطلانِ.
ويَصِحُّ دليلًا للمالكيةِ القائلينَ بأنه يَصِحُّ الاستخلافُ ولو دخلَ في الصلاةِ محدثًا.
وجهُهُ:
أن عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- لو تذكرَ حدثَهُ وهو في الصلاةِ لكان ما مضى من صلاةِ المأمومِ صحيحًا، كما صَحَّتْ كلُّها حين لم يتذكرْ إلا بعد انصرافِهِ منها.
وأما ما بَقِيَ من الصلاةِ فيمكنُ للمأمومِ أن يكملَ صلاتَهُ إما بالاستخلافِ، وإما بإتمامِها منفردًا.
ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ حصينٍ، عن عمرو بنِ ميمونٍ، وذَكَرَ قصةَ استشهادِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وفيه: «… فما هو إلا أن كبَّرَ فسمعتُهُ يقولُ: قتلني أو أكلني الكلبُ حين طعنَهُ … وتناولَ عمرُ يدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ فقدَّمَهُ… فصلَّى بهم عبدُ الرحمنِ صلاةً خفيفةً …. وذُكِرَ بقيةُ الحديثِ» [26].
أن عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- لما طُعِنَ نوى الخروجَ من الصلاةِ لعجزِهِ، ولكلامِهِ حيث قال: «قتلني الكلبُ». وتَعَمُّدُ الكلامِ في الصلاةِ يُبْطِلُها، فهو بمنزلةِ الحدثِ إذا سَبَقَ.
فَدَلَّ الأثرُ بالقياسِ على:
أن الحدثَ إذا سَبَقَ الإمامَ، وهو في الصلاةِ، فله الاستخلافُ، وبه قال الحنفيةُ، والمالكيةُ، والشافعيةُ، وروايةٌ عن أحمدَ.
وقد فعلَهُ عمرُ في شهودِ كبارِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهم-، فكان إجماعًا سكوتيًّا، وهو حجةٌ على الصحيحِ، وإن لم يكُنْ كالإجماعِ القطعيِّ.
وفي الحديثِ ردٌّ على الحنفيةِ الذين يشترطونَ للاستخلافِ ألا يتكلمَ الإمامُ.
أميلُ إلى أن مذهبَ الشافعيةِ هو الراجحُ، وأن الاستخلافَ يَصِحُّ مطلقًا، إلا أنه لا يُقْصَدُ إلا بسببٍ؛ لأن الانتقالَ في الصلاةِ من الإمامةِ إلى الائتمامِ بلا سببٍ أقلُّهُ الكراهةُ؛ لأنه حركةٌ كثيرةٌ لا يُحْتَاجُ إليها في الصلاةِ، واللهُ أعلمُ.
وقال في «الإقناعِ» (1/109): «وتَبْطُلُ صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاةِ إمامِهِ لا عكسُهُ، سواءٌ أكان لعذرٍ كأن سبقَهُ الحدثُ، أم لغيرِ عذرٍ كأن تعمدَ الحدثَ، أو غيرَهُ من المبطلاتِ، فلا استخلافَ للمأمومِ ولا يَبْنِي على صلاةِ إمامِهِ …». وانظرْ «شرحَ منتهى الإراداتِ» (1/181)، «كشافَ القناعِ» (1/321)، «مطالبَ أولي النُّهَى» (1/410).
وقال في «البدايةِ» (ص: 17): «ومَنِ اقتدى بإمامٍ، ثم عَلِمَ أن إمامَهُ محدثٌ أعادَ».
فإذا كانتْ صلاةُ المأمومِ تَبْطُلُ إذا دخلَ الإمامُ بالصلاةِ وهو محدثٌ، فلا يمكنُ الاستخلافُ مع بطلانِ صلاةِ المأمومِ. وانظرْ: «البحرَ الرائقَ» (1/388)، «العنايةَ شرحَ الهدايةِ» (1/373)، «كنزَ الدقائقِ» (ص: 168)، «تبيينَ الحقائقِ» (1/144)، «الاختيارَ لتعليلِ المختارِ». «كشافَ القناعِ» (1/321).
قال ابنُ جُزَيٍّ في «القوانينِ الفقهيةِ» (ص: 49):
«وإذا طرأَ على الإمامِ وهو في الصلاةِ ما يمنعُهُ الإمامةَ، كالعجزِ عن ركنٍ، أو ما يمنعُهُ الصلاةَ جملةً كالحدثِ، أو تذكرِهِ، خرجَ على الفورِ واستخرجَ بالإشارةِ أو بالكلامِ واحدًا من الجماعةِ فأتمَّ بهم بشرطِ أن يكونَ الخليفةُ قد دخلَ في الصلاةِ قبل طروءِ العذرِ، فإن لم يستخلفْ قَدَّمَ الجماعةُ واحدًا منهم فإن لم يقدِّموا تقدمَ واحدٌ منهم فإن لم يفعلْ صلَّوْا فُرَادَى وصَحَّتْ صلاتُهم إلا في الجمعةِ ويبدأُ الخليفةُ من حيث وقَفَ الإمامُ الأولُ».
«الأصلُ عندَنا أن صلاةَ المقتدي متعلقةٌ بصلاةِ الإمامِ تَفْسُدُ بصلاةِ إمامِهِ وتجوزُ بجوازِها».
وانظرْ: «الأشباهَ والنظائرَ» لابنِ نُجَيْمٍ (ص: 139)، «غمزَ عيونِ البصائرِ» (4/91)، «عمدةَ القارئِ» (5/228)، «مواهبَ الجليلِ» (2/96)، «روضةَ المستبينِ شرحَ كتابِ التلقينِ» (1/348)، «الفروقَ» للقرافيِّ (4/35)، «البيانَ والتحصيلَ» (1/221)، «بدايةَ المجتهدِ» (1/166)، «مناهجَ التحصيلِ» (1/145).
قال الدارقطنيُّ:
مرسلٌ، وأبو جابرٍ البياضيُّ متروكُ الحديثِ. زاد البيهقيُّ:
كان مالكُ بنُ أنسٍ لا يرتضيهِ، وكان يحيى بنُ معينٍ يقولُ: أبو جابرٍ البياضيُّ كذابٌ. اهـ
ورواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (3690) عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ به.
ورواهُ عمرو بنُ خالدٍ الواسطيُّ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن عاصمِ بنِ أبي ضمرةَ، عن عليٍّ بنحوِهِ.
وعمرو بنُ خالدٍ متروكٌ أو وضَّاعٌ.
أخرجَهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (3688)، والدارقطنيُّ (1370)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/559).
ورواهُ الحارثُ الأعورُ، عن عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-. والحارثُ ضعيفٌ جدًّا.
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (4575)، وابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/213).
كما أن روايةَ معمرٍ عن هشامٍ فيها كلامٌ، ولكن جاءَ من طُرُقٍ، من أصحِّها:
ما رواهُ الشريدُ الثقفيُّ، أن عمرَ صلَّى بالناسِ، وهو جُنُبٌ، فأعادَ، ولم يأمرْهُم أن يعيدوا.
رواهُ الدارقطنيُّ في «السننِ» (1371) من طريقِهِ البيهقيُّ في «السننِ» (2/558) من طريقِ ابنِ مهديٍّ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي سلمةَ، عن ابنِ المنكدرِ، عن الشريدِ الثقفيِّ به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ.
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (4570) حدثنا وكيعٌ، حدثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، أن عمرَ صلَّى بالناسِ، وهو جُنُبٌ، فأعادَ، وأمرَهُم ألا يعيدوا. وفي طبعةِ الرشدِ: [وأمرَهُم أن يعيدوا] والتصحيحُ من النسخةِ التي حَقَّقَها الدكتورُ عوامةُ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأن إبراهيمَ لم يدركْ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، ولا يَصِحُّ له سماعٌ من أحدٍ من الصحابةِ، ولكنَّهُ صالحٌ في المتابعاتِ إن شاءَ اللهُ تعالى.
ورواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (3649)، عن الثوريِّ، عن جابرٍ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ أن عمرَ بنَ الخطابِ أَمَّهُمْ وهو جُنُبٌ، أو على غيرِ وضوءٍ، فأعادَ الصلاةَ، ولم يُعِدْ مَنْ وراءَهُ.
وهذا إسنادٌ فيه جابرٌ الجعفيُّ، وهو ضعيفٌ جدًّا.
والقاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ لم يَلْقَ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
وروى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (3662)، عن حسينِ بنِ مهرانَ، عن المُطَّرِحِ أبي المُهَلَّبِ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زَحْرٍ، عن عليِّ بنِ يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أُمَامَةَ قال: صلَّى عمرُ بالناسِ وهو جُنُبٌ، فأعادَ ولم يُعِدِ الناسُ، فقال له عليٌّ: قد كان ينبغي لمَنْ صلَّى معك أن يعيدوا. قال: فنزلوا إلى قولِ عليٍّ. قال: قلتُ: ما نزلوا؟ قال: رجعوا، قال القاسمُ: وقال ابنُ مسعودٍ مثلَ قولِ عليٍّ.
وهذا إسنادٌ بهذه السلسلةِ ضعيفٌ جدًّا، قال ابنُ حبانَ:
إذا اجتمعَ في إسنادِ خبرٍ عبيدُ اللهِ ابنُ زَحْرٍ، وعليُّ بنُ يزيدَ، والقاسمُ أبو عبدِ الرحمنِ لا يكونُ متنُ ذلك الخبرِ إلا مما عَمِلَتْ أيديهم. «المجروحينَ» (2/62).
وفي إسنادِهِ أيضًا: عليُّ بنُ يزيدَ الألهانيُّ.
قال البخاريُّ: منكرُ الحديثِ. «التاريخُ الكبيرُ» (6/301)، «الضعفاءُ الصغيرُ» (255).
وقال أيضًا: ذاهبُ الحديثِ، كما في «عللِ الترمذيِّ الكبيرِ». انظرْ: «حاشيةَ تهذيبِ الكمالِ» (21/182).
وقال النسائيُّ: ليس بثقةٍ. المرجعُ السابقُ. وقال أيضًا: متروكُ الحديثِ. «الضعفاءُ والمتروكينَ» (432).
والقاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ الشاميُّ، ضَعَّفَهُ أحمدُ، ومَشَّاهُ غيرُهُ، وفي التقريبِ: صدوقٌ يغربُ كثيرًا. فالإسنادُ لا يصلحُ للمتابعاتِ.

