موقع الشيخ دبيان الدبيان

هل تشترط نية الإمامة والائتمام؟[جديد]

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

الشروطُ توقيفيةٌ، لا تَثْبُتُ إلا بـدليلٍ، والأصلُ عدمُ الاشتراطِ.
قام النبيُّ ﷺ يصلي من الليلِ، فقام ابنُ عباسٍ، فتوضأَ، ودخلَ معهُ، فلو كانتْ نيةُ الإمامةِ شرطًا في صحةِ الائتمامِ لَمَا صَحَّ البناءُ على أولِ الصلاةِ.
ما كان شرطًا في الصلاةِ كان شرطًا في جميعِها؛ لأن الصلاةَ يُبْنَى بعضُها على بعضٍ.
كلُّ صلاةٍ تكونُ الجماعةُ شرطًا في صحتِها كالجمعةِ؛ فإن نيةَ الإمامةِ فيها شرطٌ، والعكسُ بالعكسِ.
ثوابُ الجماعةِ متوقفٌ على النيةِ، فإذا لم يَنْوِ الإمامُ الجماعةَ، فليس له ثوابُها؛ لأن الأعمالَ بالنياتِ، فلم تُعْقَدِ الجماعةُ في حقِّهِ حتى يكونَ له ثوابُها.
لو أمكنَ انعقادُ الجماعةِ في حقِّ الإمامِ، ولو لم يَنْوِ، لـانعقدتِ الجمعةُ أيضًا بلا نيةِ الإمامةِ، اكتفاءً بصورةِ الجماعةِ، ولم يَقُلْ به أحدٌ.

اتفقَ العلماءُ على:

أنه لا بدَّ أن ينويَ المأمومُ الائتمامَ[1].

واتفقَ الأئمةُ الأربعةُ على:

أن إمامَ الجمعةِ يلزمُهُ نيةُ الإمامةِ؛ لأن الجماعةَ فيها شرطٌ[2].

واختلفوا في غيرِ الجمعةِ: هل يلزمُ الإمامَ أن ينويَ الإمامةَ؟

فقال الحنفيةُ:
إن صلَّى بالرجالِ لم تُشْتَرَطْ نيةُ الإمامةِ، وتُشْتَرَطُ إن صلَّى بالنساءِ.

وهو قولٌ في مذهبِ الحنابلةِ[3].

وقِيلَ: لا تُشْتَرَطُ نيةُ الإمامةِ في الإمامِ.

وهو مذهبُ المالكيةِ، والأصحُّ عند الشافعيةِ، وروايةٌ عن أحمدَ، وبه قال زُفَرُ[4].

واستثنى المالكيةُ أربعَ صلواتٍ يُشْتَرَطُ فيها نيةُ الإمامةِ:

  • صلاةُ الجمعةِ.
  • وصلاةُ الخوفِ إذا صلَّى الإمامُ بالطائفتينِ. 
  • وإذا كان مأمومًا فاسْتُخْلِفَ. 
  • وأضاف المتأخرونَ منهم: الجمعَ للمطرِ. 
  • واختلفوا في: صلاةِ الجنازةِ[5].

واستثنى الشافعيةُ:
صلاةَ الجمعةِ، والصلاةَ المعادةَ؛ لكونِهما لا تَصِحَّانِ فُرَادَى، فلا بدَّ من نيةِ الإمامةِ فيهما.

وقِيلَ: تُشْتَرَطُ للإمامِ نيةُ الإمامةِ فرضًا ونفلًا.

وهو الصحيحُ من مذهبِ الحنابلةِ،

قال في «الإنصافِ»:
وهو من المفرداتِ[6].

وبه قال الأوزاعيُّ والثوريُّ في أحدِ قوليهِ، وإسحاقُ، وبعضُ الشافعيةِ[7].

وقِيلَ: يَصِحُّ في النفلِ دونَ الفرضِ.

وهو روايةٌ عن أحمدَ[8].

وعلى القولِ بأن نيةَ الإمامةِ ليستْ شرطًا، فهل له ثوابُ الجماعةِ إذا لم يَنْوِ؟

في ذلك خلافٌ:

فقِيلَ: لا ثوابَ له إذا لم يَنْوِ.

وهو مذهبُ الحنفيةِ، والمالكيةِ، والأصحُّ في مذهبِ الشافعيةِ[9].

وقِيلَ: يحصلُ له ثوابُ الجماعةِ، ولو لم يَنْوِ؛ لأنها حاصلةٌ لمتابعيهِ، فوجبَ أن تحصلَ له، ولأنه أحدُ ركنيِ الجماعةِ.

وهو وجهٌ في مذهبِ الشافعيةِ[10].

وقِيلَ: إن عَلِمَهُم، ولم يَنْوِ الإمامةَ لم تَحْصُلْ، وإن كان منفردًا، ثم اقتدَوْا به، ولم يعلمْ، حصلَ له ثوابُ الجماعةِ.

وبه قال القاضي حسينٌ من الشافعيةِ[11].

وجهُ قولِ القاضي حسينٍ:
أنهم نالوا أجرَ الجماعةِ بسببِهِ، فالثوابُ أوسعُ، فقد يُؤْجَرُ الإنسانُ على غيرِ عملِهِ، إذا كان سببًا فيه، كحديثِ: «مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سنةً حسنةً، فله أجرُها، وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ»، ولم يتوقفِ الأجرُ على النيةِ، إلا أنه إذا عَلِمَ بالاقتداءِ، ولم يَنْوِ الإمامةَ، فكأنه نوى عدمَ الثوابِ، فكان له ما نوى، واللهُ أعلمُ.

إذا وقفتَ يا صاحبي على أقوالِ السادةِ الفقهاءِ في المسألةِ،
فدعني أنتقلُ بك إلى فضاءِ الأدلةِ والمناقشةِ:

وجهُ تفريقِ الحنفيةِ بين الرجالِ والنساءِ:
أن المرأةَ إذا وقفتْ بجانبِ الإمامِ فَسَدَتْ صلاتُها، ولا تَفْسُدُ صلاةُ الإمامِ إلا إذا نوى إمامتَها؛ لأنه ملتزمٌ لهذا الضررِ، لهذا لا يَصِحُّ اقتداءُ النساءِ إذا لم يَنْوِ إمامتَهُنَّ؛ لأن في تصحيحِهِ بلا نيةٍ إلزامًا عليه بفسادِ صلاتِهِ إذا حاذَتْهُ من غيرِ التزامٍ منه.
وفي ذلك نظرٌ:
فإنه لو نوى الإمامةَ ثم تعَدَّتِ المرأةُ في موقفِها، فوقفتْ محاذيةً للإمامِ، لم تَبْطُلْ صلاةُ الإمامِ، إلا أن يكونَ هو المعتديَ على القولِ بالبطلانِ، وسوف تأتينا إن شاءَ اللهُ هذه المسألةُ في مبحثٍ مستقلٍّ.
دليلُ مَنْ قال: لا تُشْتَرَطُ نيةُ الإمامةِ:
الدليلُ الأولُ:

ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ سفيانَ، عن سلمةَ، عن كريبٍ، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما-، قال: «بِتُّ عند ميمونةَ، فقام النبيُّ ﷺ فأتى حاجتَهُ، فغسلَ وجهَهُ ويديهِ، ثم نامَ، ثم قامَ، فأتى القربةَ فأطلقَ شِنَاقَها، ثم توضأَ وضوءًا بين وضوءينِ لم يُكْثِرْ، وقد أبْلَغَ، فصلَّى، فقمتُ فتمطَّيْتُ، كراهيةَ أن يرى أني كنتُ أتَّقِيهِ، فتوضأتُ، فقام يصلي، فقمتُ عن يسارِهِ، فأخذَ بأُذُنِي، فأدارني عن يمينِهِ …. الحديث»[12].

ونُوقِشَ هذا:
بأن الحديثَ يدلُّ على أن نيةَ الإمامةِ تَصِحُّ، ولو كان ذلك في أثناءِ الصلاةِ؛ لأن النبيَّ ﷺ حين أدارَ ابنَ عباسٍ من يسارِهِ إلى يمينِهِ، فقد نوى الإمامةَ به، وليس فيه ما يدلُّ على صحةِ الصلاةِ مطلقًا، ولو لم يَنْوِ الإمامةَ.
ويُجَابُ:
بأن نيةَ الإمامةِ في أثناءِ الصلاةِ أفضلُ وأكملُ من أجلِ الثوابِ؛ لأن الأعمالَ بالنياتِ، ولو كانتْ شرطًا في صحةِ الائتمامِ لَمَا صَحَّ البناءُ على أولِ الصلاةِ، وهي خِلْوٌ من نيةِ الإمامةِ؛ لأن الصلاةَ يُبْنَى بعضُها على بعضٍ، فما كان شرطًا فيها كان شرطًا في جميعِها؛ لأن الشرطَ لا يَتَبَعَّضُ، ولو سُلِّمَ ما تقولونَهُ، ففيه أدلةٌ أخرى تدلُّ على صحةِ الصلاةِ، ولو لم يَنْوِ الإمامةَ مطلقًا.
الدليلُ الثاني:

ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ سالمٍ أبي النضرِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ«أن رسولَ اللهِ ﷺ اتخذَ حُجْرَةً -قال: حسبتُ أنه قال من حصيرٍ- في رمضانَ، فصلَّى فيها لياليَ، فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ من أصحابِهِ، فلما عَلِمَ بهم جعلَ يقعدُ، فخرجَ إليهم فقال: قد عرفتُ الذي رأيتُ من صنيعِكم، فصلُّوا أيها الناسُ في بيوتِكم، فإن أفضلَ الصلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتِهِ إلا المكتوبةَ»[13].

وجهُ الاستدلالِ:
قولُهُ: «فلما عَلِمَ بهم» دليلٌ على أن إمامتَهُ ﷺ كانتْ بلا عِلْمٍ منه، وأقَرَّهُم على الاقتداءِ به دونَ علمِهِ عليه الصلاةُ والسلامُ.
الدليلُ الثالثُ:

ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ سليمانَ [بنِ المغيرةِ]، عن ثابتٍ، عن أنسٍ -رضي الله عنه-، قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ، يصلي في رمضانَ، فجئتُ فقمتُ إلى جنبِهِ، وجاءَ رجلٌ آخرُ، فقام أيضًا حتى كُنَّا رهطًا، فلما حَسَّ النبيُّ ﷺ أَنَّا خلفَهُ، جعلَ يَتَجَوَّزُ في الصلاةِ، ثم دخلَ رَحْلَهُ، فصلَّى صلاةً لا يصليها عندَنا، قال: قلنا له: حين أصبحْنَا: أفطِنْتَ لنا الليلةَ؟ قال: فقال: نعم، ذاك الذي حملني على الذي صنعتُ»[14].

الدليلُ الرابعُ:

ما رواهُ أبو داودَ، قال: حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا وهيبٌ، عن سليمانَ الأسودِ، عن أبي المتوكلِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ«أن رسولَ اللهِ ﷺ أبصرَ رجلًا يصلي وحدَهُ، فقال: ألا رجلٌ يتصدَّقُ على هذا فيصليَ معهُ؟»[15].

[صحيحٌ] [16].

الدليلُ الخامسُ:

قال ابنُ بطالٍ:
«لو جازَ أن يحتاجَ الإمامُ إلى نيةِ الإمامةِ لجازَ أن يُقَالَ: يحتاجُ إلى أن يُعَيِّنَ في صلاتِهِ مَنْ يُصَلِّي خلفَهُ من الرجالِ والنساءِ حتى لو جاءَ أحدٌ مِمَّن لم يَنْوِهِ لم يَجُزْ أن يُصَلِّيَ خلفَهُ»[17].

وجهُ استثناءِ الجمعةِ والخوفِ والجمعِ في المطرِ، والاستخلافِ:

قال المالكيةُ:
كلُّ صلاةٍ تكونُ الجماعةُ شرطًا في صحتِها؛ فإن نيةَ الإمامةِ فيها شرطٌ، والعكسُ بالعكسِ.

فيلزمُ الإمامَ نيةُ الإمامةِ إذا كان إمامًا في الجمعةِ، لأن الجماعةَ شرطٌ فيها.

وكذلك صلاةُ الخوفِ، فلا يمكنُ أن يقيمَ الإمامُ الصلاةَ بين الطائفتينِ إلا إذا نوى الإمامةَ؛ لأنه سوف ينتظرُ الطائفةَ الأخرى، وهذا لا يكونُ إلا مع العلمِ والقصدِ.

وكذلك في صلاةِ الإمامِ إذا أحْدَثَ، فاسْتَخْلَفَ، فإنه يفتقرُ إلى قبولِ المُسْتَخْلَفِ للاستخلافِ، فقبولُهُ لذلك يتضمنُ نيةَ الإمامةِ، وليُمَيِّزَ بالنيةِ بين صلاتِهِ مأمومًا، وصلاتِهِ إمامًا.

وكذلك جمعُ الصلاتينِ ليلةَ المطرِ؛ إذ لا يكونُ ذلك إلا في جماعةٍ، بخلافِ جمعِ عرفةَ ومزدلفةَ، فإن المنفردَ له أن يجمعَ، فلا تُشْتَرَطُ فيهما نيةُ الإمامةِ، واللهُ أعلمُ.

دليلُ مَنْ قال: تُشْتَرَطُ نيةُ الإمامةِ:
الدليلُ الأولُ:

ما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حدثنا زائدةُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتمنٌ، اللهم أرشدِ الأئمةَ واغفرْ للمؤذنينَ»[18].

[ضعيفٌ] [19].

وإنما يكونُ الضمانُ بعد العِلْمِ.

ونُوقِشَ من وجهينِ:

الأولُ: ضعفُ الحديثِ.

الثاني: لو صَحَّ لم يكُنِ الضمانُ متوقفًًا على العِلْمِ، فكونُهُ يتحمَّلُ القراءةَ والسهوَ لا يفتقرانِ إلى نيةٍ، ولو توقَّفَ ذلك على النيةِ لكانتْ نيةُ الائتمامِ هي السببَ، لا نيةُ الإمامةِ، فلو نوى الإمامُ الإمامةَ، ولم يَنْوِ المأمومُ الائتمامَ لم يتحمَّلِ الإمامُ عنهُ شيئًا.

الدليلُ الثاني:

القياسُ على الجمعةِ بجامعِ أن كُلًّا منهما جماعةٌ.

ويُنَاقَشُ:
بأن الجماعةَ في الجمعةِ شرطٌ لانعقادِها، بخلافِ غيرِها من الصلواتِ.
الدليلُ الثالثُ:

أن الجماعةَ يتعلقُ بها أحكامٌ من وجوبِ الاتباعِ، وسقوطِ نحوِ السهوِ، والقراءةِ عن المأمومِ، وفسادِ صلاتِهِ بصلاةِ إمامِهِ، وإنما يتميَّزُ الإمامُ عن المأمومِ بالنيةِ، فكانتْ شرطًا لانعقادِ الجماعةِ.

ويُنَاقَشُ:

بأن الإمامَ منفردٌ في حقِّ نفسِهِ، فلا يحتاجُ إلى نيةِ الإمامةِ.

وأما هذه الأحكامُ من (وجوبِ الاتباعِ على المأمومِ، وسقوطِ نحوِ السهوِ والقراءةِ عنهُ): 
فهذه أحكامٌ تَخُصُّ المأمومَ دونَ الإمامِ، ولهذا قال الفقهاءُ بالاتفاقِ: إذا أرادَ الاقتداءَ لزمَهُ نيةُ الائتمامِ، بخلافِ الإمامِ، فليس له أحكامٌ تتعلقُ بصلاةِ المأمومِ حتى يلزمَهُ نيةُ الإمامةِ، وإنما النيةُ من الإمامِ تُشْرَعُ لحصولِ الثوابِ على إمامتِهِ، لا غيرُ؛ في أحدِ أقوالِ أهلِ العلمِ.

وأما القولُ بفسادِ صلاةِ المأمومِ لفسادِ صلاةِ إمامِهِ:

فهي مسألةٌ خلافيةٌ، والراجحُ فيها أنها لا تَفْسُدُ، كما لا تَفْسُدُ صلاةُ الإمامِ بفسادِ صلاةِ المأمومِ، واللهُ أعلمُ.

دليلُ مَنْ قال: تلزمُهُ نيةُ الإمامةِ في الفرضِ دونَ النفلِ:

اسْتُدِلَّ بحديثِ ابنِ عباسٍ المتقدِّمِ في أدلةِ القولِ الأولِ، حيث باتَ عند خالتِهِ ميمونةَ، فقام النبيُّ ﷺ فصلَّى، ثم قام ابنُ عباسٍ فتمطَّى، كأنه كان نائمًا، كراهيةَ أن يُرَى أن ابنَ عباسٍ كان يَرْقُبُ عملَ النبيِّ ﷺ، ثم توضأَ، فقام عن يسارِ النبيِّ ﷺ، فأخذَ بأُذُنِهِ، فأدارَهُ عن يمينِهِ [20].

وكذلك الأحاديثُ الأخرى، كحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ، وأنسٍ في صلاةِ الليلِ في رمضانَ، كلُّها في صلاةِ النفلِ، والنفلُ أوسعُ من الفرضِ، فما صَحَّ في الفرضِ صَحَّ في النفلِ، وليس العكسُ.

ويُنَاقَشُ:
بأن الأصحَّ أن ما صَحَّ في النفلِ صَحَّ في الفرضِ إلا ما استثناهُ دليلٌ صحيحٌ، ولم يَأْتِ نصٌّ في الشريعةِ لا صحيحٌ، ولا ضعيفٌ يدلُّ على أن نيةَ الإمامةِ لازمةٌ في الفرضِ دونَ النفلِ، حتى يُقَالَ بالتفريقِ.
الراجحُ:

أن نيةَ الإمامةِ ليستْ شرطًا إلا في الجمعةِ، ويُلْحَقُ بها كلُّ صلاةٍ تكونُ الجماعةُ شرطًا في صحتِها.

وأما في الثوابِ:

فالذي يظهرُ أن الإمامَ إذا لم يَنْوِ الجماعةَ، لم تنعقدِ الجماعةُ في حقِّهِ أصلًا حتى يكونَ له ثوابٌ، ولو أمكنَ انعقادُ الجماعةِ للإمامِ، ولو لم يَنْوِ لانعقدتِ الجمعةُ أيضًا بلا نيةِ الإمامةِ، اكتفاءً بصورةِ الجماعةِ، ولم يَقُلْ به أحدٌ.

ولحديثِ: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، وهذا لم يَنْوِ، واللهُ أعلمُ.

الحواشي والمراجع
[1] «اختلافُ الأئمةِ العلماءِ» (1/143).
[2] قال في «الفروعِ» (2/147):
«ويُشْتَرَطُ نيةُ المأمومِ لحالِهِ [و] وكذا نيةُ الإمامِ على الأصحِّ [خ] كالجمعةِ [و]».
فأشارَ ابنُ مفلحٍ إلى مواضعِ الاتفاقِ مع الأئمةِ والاختلافِ معهم بالرمزِ [و] للاتفاقِ، والرمزِ [خ] للاختلافِ.
فَنِيَّةُ المأمومِ أشارَ فيها إلى اتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ.
ونيةُ الائتمامِ أشارَ فيها إلى مخالفةِ الحنابلةِ للأئمةِ الثلاثةِ، فهي من المفرداتِ.
ونيةُ الإمامةِ في الجمعةِ أشارَ فيها إلى اتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ، وسوف يأتي النقلُ في الجمعةِ عن الأئمةِ في أثناءِ عرضِ الأقوالِ إن شاءَ اللهُ تعالى.
[3] جاءَ في «فتحِ القديرِ» (1/376):
«لو تحرَّمَ ناويًا أن لا يَؤُمَّ أحدًا، فائْتَمَّ به رجلٌ صَحَّ اقتداؤُهُ».
وقال في «البحرِ الرائقِ» (2/299):
«وأما في حقِّ النساءِ فإنه لا يَصِحُّ اقتداؤُهُنَّ إذا لم يَنْوِ إمامتَهُنَّ».
وانظرْ: «بدائعَ الصنائعِ» (1/128)، «الدرَّ المختارَ» مع «حاشيةِ ابنِ عابدينَ» (1/424، 425)، «حاشيةَ الطحطاويِّ» على «مراقي الفلاحِ» (ص: 222)، «المبسوطَ» (2/101)، «فتحَ القديرِ» (1/376)، «حاشيةَ الشلبيِّ» على «تبيينِ الحقائقِ» (1/100).
جاءَ في «الفروعِ» (2/147):
«وقِيلَ: إن كان المأمومُ امرأةً لم يَصِحَّ ائتمامُها به إلا بالنيةِ [وهـ]». يعني وفاقًا لـأبي حنيفةَ.
[4] سألَ سحنونُ ابنَ القاسمِ كما في «المدونةِ» (1/178):
«ما قولُ مالكٍ في الرجلِ يصلي الظهرَ لنفسِهِ، فيأتي رجلٌ فيصلي بصلاتِهِ، والرجلُ الأولُ لا ينوي أن يكونَ له إمامًا هل تُجْزِئُهُ صلاتُهُ؟ قال: بلغني عن مالكٍ أنه رأى صلاتَهُ تامةً إذا قامَ عن يمينِهِ يَأْتَمُّ به وإن كان الآخرُ لا يعلمُ به ….
قلتُ له: وإن لم يَنْوِ هذا أن يكونَ إمامًا لصاحبِهِ؟
قال: ذلك مجزئٌ عنهُ نوى أو لم يَنْوِ».
وانظرْ: «التلقينَ» (1/45)، «البيانَ والتحصيلَ» (2/123)، «الإشرافَ على نُكَتِ مسائلِ الخلافِ» (1/302)، «شرحَ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ (2/331)، «شرحَ التلقينِ» (1/580)، «حاشيةَ الدسوقيِّ» (1/338)، «شرحَ الخرشيِّ» (2/38)، «الشرحَ الصغيرَ» مع «حاشيةِ الصاويِّ» (1/450).
قال خليلٌ في «التوضيحِ» (1/472):
«ولم أرَ مَنْ أضافَ الجمعَ إلى الثلاثةِ الأُوَلِ إلا المتأخرينَ كالمصنفِ [يعني ابنَ الحاجبِ] والقرافيِّ، ولما ذَكَرَ ابنُ عطاءِ اللهِ الثلاثةَ الأُوَلِ، قال: وظهرَ لي أن يُلْحَقَ بها جمعُ الصلاتينِ ليلةَ المطرِ؛ إذ لا يكونُ إلا في الجماعةِ، فينبغي أن ينويَ الإمامُ الإمامةَ فيها كالجمعةِ …». اهـ ونقلَهُ صاحبُ «الدرِّ الثمينِ والموردِ المعينِ» (ص: 245).
وانظرْ في مذهبِ الشافعيةِ: «الأمَّ» (1/185)، «روضةَ الطالبينَ» (1/367)، «إحكامَ الأحكامِ» لـابنِ دقيقِ العيدِ (1/222)، «أسنى المطالبِ» (1/226)، «طرحَ التثريبِ» (2/348)، «فتحَ الباري» (2/192)، «التوضيحَ لشرحِ الجامعِ الصحيحِ» (6/618)، «الجمعَ والفرقَ» (1/421)، «مغنيَ المحتاجِ» (1/502).
وانظرْ روايةَ أحمدَ في: «الإنصافِ» (2/28).
وانظرْ قولَ زُفَرَ في: «مختصرِ اختلافِ العلماءِ» لـالطحاويِّ (1/266).
[5] اختلفَ أصحابُ الإمامِ مالكٍ في اشتراطِ نيةِ الإمامةِ في صلاةِ الجنازةِ؛ لاختلافِهم في اشتراطِ الجماعةِ لها.
فمَنْ قال: تجبُ الجماعةُ لصلاةِ الجنازةِ، فإن صُلِّيَ عليها فُرَادَى أُعِيدَتْ، اشترطَ فيها نيةَ الإمامةِ، وبه قال ابنُ رشدٍ.
ومَنْ قال: إن الجماعةَ مندوبةٌ، أو سنةٌ، لم يَشْتَرِطْ فيها نيةَ الإمامةِ. وهذا اختيارُ خليلٍ وجماعةٍ.
انظرْ: «مواهبَ الجليلِ» (2/123)، «المدخلَ» لـابنِ الحاجِّ (2/200)، «حاشيةَ الدسوقيِّ» (1/338).
[6] جاءَ في «الإنصافِ»:
«ومن شرطِ الجماعةِ أن ينويَ الإمامُ والمأمومُ حالَهُما، أما المأمومُ فيُشْتَرَطُ أن ينويَ بلا نزاعٍ، وكذا الإمامُ على الصحيحِ من المذهبِ مطلقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم … وهو من المفرداتِ».
وانظرْ: «شرحَ منتهى الإراداتِ» (1/178)، «الإقناعَ» (1/107)، «كشافَ القناعِ» (1/318)، «مطالبَ أولي النُّهَى» (1/404).
[7] «الإشرافُ على نُكَتِ مسائلِ الخلافِ» (1/302)، «شرحُ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ (2/330)، «فتحُ الباري» لـابنِ رجبٍ (6/207)، «فتحُ العزيزِ» (4/368)، «النجمُ الوهاجُ في شرحِ المنهاجِ» (2/388).
[8] «الكافي» لـابنِ قدامةَ (1/289)، «المغني» (2/170).
[9] «حاشيةُ ابنِ عابدينَ» (1/424)، «المدخلُ» لـابنِ الحاجِّ (2/274)، «شرحُ الزرقانيِّ» على خليلٍ (2/38)، «المجموعُ» (4/203).
قال الغزاليُّ في «الوسيطِ» (2/234):
«ولا يجبُ على الإمامِ نيةُ الإمامةِ، ولكن لا ينالُ الثوابَ إذا لم يَنْوِ».
[10] «المجموعُ» (4/203)، «روضةُ الطالبينَ» (1/367).
[11] «المجموعُ» (4/203)، «روضةُ الطالبينَ» (1/367).
[12] صحيحُ البخاريِّ (6316)، ورواهُ مسلمٌ (763).
[13] صحيحُ البخاريِّ (731).
[14] صحيحُ مسلمٍ (1104).
[15] «المصنفُ» (7097).
[16] الحديثُ مدارُهُ على سليمانَ الناجي، عن أبي المتوكلِ، عن أبي سعيدٍ،
وسليمانُ الناجي، قال إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن يحيى بنِ معينٍ:
ثقةٌ. «الجرحُ والتعديلُ» (4/153)، «تهذيبُ الكمالِ» (12/109).
ونقلَ ابنُ خلفونَ توثيقَهُ عن ابنِ المدينيِّ وأحمدَ بنِ صالحٍ، وغيرِهما. «تهذيبُ التهذيبِ» (2/113).
وفي «التقريبِ»: صدوقٌ.
وأبو المتوكلِ ثقةٌ، وثَّقَهُ يحيى بنُ معينٍ كما في «الجرحِ والتعديلِ» (6/184).
وقال النسائيُّ وأبو زرعةَ، وابنُ المدينيِّ:
ثقةٌ. «تهذيبُ التهذيبِ» (3/160).
وقد رواهُ جماعةٌ عن سليمانَ، منهم:

الأولُ: سعيدُ بنُ أبي عروبةَ:
رواهُ أحمدُ (3/5) حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ.
ورواهُ أحمدُ أيضًا (3/45) وأبو يعلى (1057)، وابنُ حبانَ (2399)، عن ابنِ أبي عديٍّ.
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ (7097) و(36179) والترمذيُّ (220)، وابنُ خزيمةَ (1632) عن عبدةَ بنِ سليمانَ.
ورواهُ عبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ» (936) والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/99)، عن محمدِ بنِ بشرٍ العبديِّ، كلُّهم [ابنُ جعفرٍ، وابنُ أبي عديٍّ، وعبدةُ، وابنُ بشرٍ] عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ.
وعبدةُ بنُ سليمانَ مِمَّن روى عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ قبلَ الاختلاطِ.

الثاني: عليُّ بنُ عاصمٍ، عن سليمانَ الناجي به بنحوِهِ.
أخرجَهُ أحمدُ (3/85).

الثالثُ: رواهُ وهيبُ بنُ خالدٍ، واخْتُلِفَ عليه في إسنادِهِ:
فرواهُ موسى بنُ إسماعيلَ أبو سلمةَ التبوذكيُّ، كما في سننِ أبي داودَ (574)، ومستدركِ الحاكمِ (758)، والسننِ الكبرى لـالبيهقيِّ (3/97).
وعفانُ بنُ مسلمٍ كما في مسندِ أحمدَ (3/64)، وسننِ الدارميِّ (1409)، و«الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (4/215)، والسننِ الكبرى لـالبيهقيِّ (3/98).
وسليمانُ بنُ حربٍ، كما في سننِ الدارميِّ (1408)، و«المنتقى» لـابنِ الجارودِ (330)، والسننِ الكبرى لـالبيهقيِّ (3/97).
وعبدُ اللهِ بنُ معاويةَ الجمحيُّ، كما في صحيحِ ابنِ حبانَ (2397، 2398)، والطبرانيُّ في «الصغيرِ» (606، 665)، كلُّ هؤلاءِ الثقاتِ [التبوذكيُّ، وعفانُ، وابنُ حربٍ، والجمحيُّ] روَوْهُ عن وهيبِ بنِ خالدٍ، عن سليمانَ الأسودِ، عن أبي المتوكلِ به.
وخالفَهُم أحمدُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ [ثقةٌ] كما في «الأوسطِ» لـالطبرانيِّ (2174) فرواهُ عن وهيبٍ، عن خالدٍ الحذاءِ، عن سليمانَ الأسودِ، عن أبي المتوكلِ به.
قال الطبرانيُّ:
لم يُدْخِلْ بين وهيبٍ وسليمانَ الأسودِ خَالِدًا الحذاءَ أحدٌ مِمَّن روى هذا الحديثَ عن وهيبٍ إلا أحمدُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ.
قال فضيلةُ الشيخِ صاحبِ «فضلِ الرحيمِ الودودِ»:
لعلَّهُ وَهْمٌ من غيرِهِ مِمَّن هو دونَهُ، حيث جعلَ الراويَ [وهيبَ بنَ خالدٍ]، [وهيبٌ، عن خالدٍ]، فجعلَ الرجلَ رجلينِ، ثم ألحقَ بالثاني لقبَهُ تعريفاً له.
قال الترمذيُّ في «الجامعِ»:
وحديثُ أبي سعيدٍ: حديثٌ حسنٌ.
وقال الحافظُ ابنُ رجبٍ (6/9):
«وقد ‌قوَّاهُ ‌الإمامُ ‌أحمدُ ‌وأخذَ به، وهو مشكلٌ على أصلِهِ؛ فإنه يكرهُ إعادةَ الجماعةِ في مسجدِ المدينةِ …».
وصحَّحَهُ النوويُّ في «المجموعِ» (4/233)، وابنُ حجرٍ في «الفتحِ» (2/142).

[17] «شرحُ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ (2/331).
[18] مسندُ أبي داودَ الطيالسيِّ ط ـ هجر (2526).
[19] سَبَقَ تخريجُهُ، انظرْ: المجلدَ الأولَ.
[20] صحيحُ البخاريِّ (6316)، ورواهُ مسلمٌ (763).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*