📌 المَدْخَلُ إلى المسألةِ:
اختلفَ العلماءُ في تقديرِ مقدارِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ على النحوِ التالي:
اختلفتِ الرواياتُ عندَ الحنفيةِ في عددِ الآياتِ المستحبِّ قراءتُهَا في الحضرِ لاختلافِ الآثارِ:
والمنقولُ في «الجامعِ الصغيرِ»:
أنَّهُ يَقْرَأُ في الفجرِ في الركعتينِ سوى الفاتحةِ أربعينَ، أو خمسينَ، أو ستينَ، واقْتَصَرَ محمدُ بنُ الحسنِ في «الأصلِ»: على الأربعينَ.
وروى الحسنُ في «المجردِ» عن أبي حنيفةَ:
ما بينَ الستينَ إلى مائةٍ، وبكلِّ هذا جاءتِ الآثارُ، وأنْ تكونَ هذهِ الآياتُ من طوالِ المفصلِ، وهل هذهِ سنةٌ أخرى، أو استحسانٌ قولانِ لهم [1].
قالَ في «ملتقى الأبحرِ»:
«وسنتُهَا… في الحضرِ أربعونَ آيةً، أو خمسونَ، واسْتَحْسَنُوا طوالَ المفصلِ فيها» [2].
وهذا التفصيلُ في مقدارِ عددِ الآياتِ التي يُسَنُّ قراءتُهَا في الفجرِ مقيدٌ بقيدينِ:
1- أنْ يكونَ ذلكَ في الحضرِ.
2- ألا يُثْقِلَ ذلكَ على المقتدينَ بقراءتِهِ [3].
وأما في السفرِ مطلقاً -أيْ: سواءٌ أكانَ في حالِ عجلةٍ أم في حالِ القرارِ-:
فالسنةُ أنْ يَقْرَأَ فيهِ الفاتحةَ وأيَّ سورةٍ شاءَ [4].
واختارَ بعضُ الحنفيةِ:
أنَّ المسافرَ إنْ كانَ في أَمَنَةٍ وقرارٍ فَيُسْتَحَبُّ لهُ أنْ يَقْرَأَ في الفجرِ نحوُ البروجِ وانشقتْ؛ لأنَّهُ يُمْكِنُهُ مراعاةُ السنةِ مع التخفيفِ [5].
وتَعَقَّبَهُ ابنُ نجيمٍ فقالَ:
«وما في «الهدايةِ» وغيرِهَا من أنَّهُ محمولٌ على حالةِ العجلةِ في السيرِ، وأما إنْ كانَ في أمنٍ وقرارٍ فإنَّهُ يَقْرَأُ نحوُ سورةِ البروجِ وانشقتْ…. فليسَ لهُ أصلٌ يُعْتَمَدُ عليهِ من جهةِ الروايةِ، ولا من جهةِ الدرايةِ [6].
وقالَ أيضاً:
«والسفرُ وإنْ كانَ مؤثراً في التخفيفِ لكنْ التحديدُ بقدرِ سورةِ البروجِ في الفجرِ والظهرِ لا بدَّ لهُ من دليلٍ، ولم يَنْقُلُوهُ، وكونُهُ ﷺ قَرَأَ في السفرِ شيئاً لا يَدُلُّ على سنيتِهِ إلا لو واظبَ عليهِ، ولم يُوجَدْ، فالظاهرُ الإطلاقُ» [7].
وجاءَ في «الاختيارِ لتعليلِ المختارِ»:
«الإمامُ يَقْرَأُ على وجهٍ لا يُؤَدِّي إلى تقليلِ الجماعةِ» [8].
هذا تفصيلُ قراءةِ الصبحِ في مذهبِ الحنفيةِ.
اسْتَحَبَّ المالكيةُ للفذِّ في الحضرِ:
أنْ يَقْرَأَ في صلاةِ الصبحِ بطوالِ المفصلِ فما زادَ بقدرِ ما يحتملُهُ التغليسُ، فإنْ خَشِيَ الإسفارَ خَفَّفَ.
ومثلُ الفذِّ: الجماعةُ المحصورةُ إذا طَلَبَتْ من الإمامِ التطويلَ، وعَلِمَ أو ظَنَّ إطاقتَهُمْ لهُ، ولم يَكُنْ أحدُهُمْ من أهلِ الأعذارِ، وإلا فالمطلوبُ منهُ التقصيرُ؛ لاحتمالِ الضعيفِ والسقيمِ وذي الحاجةِ [9].
ومثلُ طلبِ الجماعةِ التطويلَ أنْ يَفْهَمَ الإمامُ رغبتَهُمْ بهِ، ولو لم يُصَرِّحُوا بذلكَ، وعليهِ يُخَرَّجُ تطويلُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ والخلفاءِ بعدَهُ [10].
ومذهبُ الشافعيةِ على نحوِ مذهبِ المالكيةِ، فقالُوا:
يُسْتَحَبُّ القراءةُ في الصبحِ في الحضرِ:
بطوالِ المفصلِ إذا انْفَرَدَ المصلي، أو كانَ إماماً وكانَ المأمومونَ محصورينَ وآثَرُوا التطويلَ، فإنْ لم يكونُوا محصورينَ، أو كانُوا ولكنْ لم يُؤْثِرُوا التطويلَ، فلا يُسْتَحَبُّ ذلكَ، جَزَمَ بهِ النوويُّ في «شرحِ المهذبِ» و«شرحِ مسلمٍ»، وجَزَمَ بهِ أيضاً في «التحقيقِ».
وأما في السفرِ:
فَيُسْتَحَبُّ لهُ القراءةُ في الأُولَى (قلْ يا أيُّهَا الكافرونَ)، وفي الثانيةِ: الإخلاصُ [11].
قالَ النوويُّ:
«وهذا الذي ذكرناهُ من استحبابِ طوالِ المفصلِ وأوساطِهِ هوَ فيما آثَرَ المأمومونَ التطويلَ، وكانُوا محصورينَ لا يزيدونَ، وإلا فلْيُخَفِّفْ» [12].
وقالَ الرمليُّ في «نهايةِ المحتاجِ»:
«ويُسْتَثْنَى -كما قالَهُ الشيخُ أبو محمدٍ في «مختصرِهِ»، والغزاليُّ في «عقودِ المختصرِ» و«إحيائِهِ»– صلاةُ الصبحِ للمسافرِ، فإنَّ المستحبَّ أنْ يَقْرَأَ في الأُولَى منها: قلْ يا أيُّهَا الكافرونَ والثانيةِ: الإخلاصُ» [13].
وقولُ الحنابلةِ في المسألةِ كقولِ الشافعيةِ.
وقالَ أحمدُ كما في روايةِ حنبلِ بنِ إسحاقَ:
«قالَ أبو عبدِ اللهِ -يعني أحمدَ– إذا كانَ المسجدُ على قارعةِ الطريقِ، أو طريقٍ يُسْلَكُ فالتخفيفُ أعجبُ إليَّ، فإنْ كانَ مسجداً يَعْتَزِلُ أهلُهُ ويرضونَ بذلكَ، فلا بأسَ، وأرجو إنْ شاءَ اللهُ» [14].
وجاءَ في «الروضِ المربعِ»:
«ويُسَنُّ للإمامِ التخفيفُ مع الإتمامِ؛ لقولِهِ ﷺ: «إذا صَلَّى أحدُكُمْ بالناسِ فلْيُخَفِّفْ»، قالَ في «المبدعِ»: ومعناهُ أنْ يَقْتَصِرَ على أدنى الكمالِ من التسبيحِ وسائرِ أجزاءِ الصلاةِ إلا أنْ يُؤْثِرَ المأمومُ التطويلَ، وعددُهُمْ يَنْحَصِرُ» [15].
ورَجَّحَهُ ابنُ عبدِ البرِّ حتى لو عَلِمَ قوةَ من خلفَهُ، وقالَ: فإنَّهُ لا يَدْرِي ما يَحْدُثُ بهم من آفاتِ بني آدمَ، وذَكَرَ أنَّ تطويلَ الإمامِ غيرُ جائزٍ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ التخفيفُ.
وبهِ قالَ ابنُ القيمِ وابنُ رجبٍ من الحنابلةِ [17].
هذا تفصيلُ مذاهبِ الفقهاءِ، وملخصُهُ كالتالي:
فجَعَلُوا تقديرَ الآياتِ بالعددِ من السنةِ، وكونُهَا من حزبِ المفصلِ من قبيلِ الاستحسانِ.
وهذا مذهبُ الحنفيةِ.
وهذا مذهبُ المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ.
قالَ المالكيةُ: فما زادَ.
وقَيَّدَ المالكيةُ والشافعيةُ والحنابلةُ الاستحبابَ للمنفردِ، أو لجماعةٍ محصورةٍ رَغِبَتْ في إطالةِ الصلاةِ، وكانتْ تُطِيقُ ذلكَ.
وبهِ قالَ إمامُ الحرمينِ وابنُ القيمِ.
وهوَ اختيارُ ابنِ حزمٍ.
فإذا وَقَفْتَ على الأقوالِ، فلْنَنْتَقِلْ إلى بيانِ الأدلةِ عليها.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ شريكٍ وابنِ عيينةَ، عن زيادِ بنِ علاقةَ، عن قطبةَ بنِ مالكٍ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ في الفجرِ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾.
ورواهُ مسلمٌ من طريقِ أبي عوانةَ، عن زيادِ بنِ علاقةَ بهِ [19].
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ زائدةَ، حدثنَا سماكُ بنُ حربٍ، عن جابرِ بنِ سمرةَ قالَ: إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفجرِ بـ ﴿ق والقرآنِ المجيدِ﴾ وكانَ صلاتُهُ بعدُ تخفيفاً [20].
[اخْتُلِفَ فيهِ على سماكٍ، في تعيينِ السورِ] [21]
وقولُهُ: «وكانتْ صلاتُهُ بعدُ تخفيفاً»:
قالَ ابنُ رجبٍ: والظاهرُ أنَّهُ أرادَ أنَّ صلاتَهُ بعدَ الفجرِ كانتْ أخفَّ من صلاةِ الفجرِ.
بأنَّ قراءةَ النبيِّ ﷺ لسورةِ ﴿ق﴾ ليسَ دليلاً على تفضيلِ قراءةِ هذهِ السورةِ بذاتِهَا لصلاةِ الصبحِ، فليستْ قراءتُهَا في الصبحِ كقراءةِ سورةِ السجدةِ والإنسانِ في فجرِ الجمعةِ؛ وإذا لم يَدُلَّ على تفضيلِ سورةِ ﴿ق﴾ في صلاةِ الصبحِ لم يَدُلَّ على استحبابِ طوالِ المفصلِ من بابِ أولى، كما أنَّ قراءةَ النبيِّ ﷺ في صلاةِ الصبحِ من الطوالِ، أو من المئينَ، أو من المثاني لا يَدُلُّ على استحبابِ هذهِ السورِ بذاتِهَا، فضلاً أنْ يَدُلَّ على استحبابِ القراءةِ من هذهِ الأحزابِ بذاتِهَا.
بل يُؤْخَذُ من الحديثِ دليلٌ على:
استحبابِ القراءةِ بمثلِ هذا المقدارِ من الآياتِ في صلاةِ الصبحِ من أيِّ سورةٍ شاءَ، ولَإِنْ صَحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأَ في الصبحِ بطوالِ المفصلِ، مثلَ: ﴿ق﴾ والطورِ، والإنسانِ، فقد صَحَّ عنهُ القراءةُ من خارجِ المفصلِ، كالسجدةِ، والصافاتِ، والمؤمنونَ، وبعضُهُنَّ أطولُ من طوالِ المفصلِ، بل وقَرَأَ فيها بأقصرَ من ذلكَ كالتكويرِ، وسوفَ يأتي تخريجُهَا إنْ شاءَ اللهُ تعالى، واللهُ أعلمُ.
ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ مالكٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ نوفلٍ، عن عروةَ، عن زينبَ بنتِ أبي سلمةَ، عن أمِّ سلمةَ، قالتْ: شكوتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ أني أشتكي، فقالَ: «طُوفِي من وراءِ الناسِ وأنتِ راكبةٌ»، فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ ﷺ يصلي إلى جنبِ البيتِ، يَقْرَأُ: ب﴿الطورِ وكتابٍ مسطورٍ﴾ [22].
ورواهُ البخاريُّ، قالَ: حدثني محمدُ بنِ حربٍ، حدثنَا أبو مروانَ يحيى بنُ أبي زكرياءَ الغسانيُّ، عن هشامٍ، عن عروةَ، عن أمِّ سلمةَ -زوجِ النبيِّ رضيَ اللهُ عنها- أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ، وهوَ بمكةَ، وأرادَ الخروجَ، ولم تَكُنْ أمُّ سلمةَ طَافَتْ بالبيتِ وأرادتِ الخروجَ، فقالَ لها رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا أُقِيمَتْ صلاةُ الصبحِ، فَطُوفِي على بعيرِكِ، والناسُ يصلونَ». فَفَعَلَتْ ذلكَ، فلم تُصَلِّ حتى خَرَجَتْ [23].
[قولُهُ: (صلاةُ الصبحِ) رواهُ الغسانيُّ، عن هشامٍ، والغسانيُّ متكلمٌ فيهِ، وتابَعَهُ أبو قبيصةَ الفزاريُّ، وهوَ ضعيفٌ، والراوي عنهُ مجروحٌ] [24].
ما رواهُ أحمدُ، قالَ: حدثنَا الحكمُ بنُ موسى – قالَ: عبدُ اللهِ وسمعتُهُ أنا من الحكمِ – قالَ: حدثنَا عبدُ الرحمنِ بنِ أبي الرجالِ، قالَ: ذكرَهُ يحيى ابنُ سعيدٍ، عن عمرةَ، عن أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ بنِ النعمانِ، قالتْ: ما أخذتُ ﴿ق والقرآنِ المجيدِ﴾ إلا من وراءِ رسولِ اللهِ ﷺ كانَ يصلي بها في الصبحِ [25].
[المحفوظُ أنَّهَا أخذتْهَا من قراءةِ الرسولِ ﷺ لها على المنبرِ يومَ الجمعةِ] [26].
ما رواهُ أحمدُ، قالَ: حدثنَا محمدُ بنِ إسماعيلَ بنِ أبي فديكٍ، حدثنَا الضحاكُ بنُ عثمانَ، عن بكيرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ أنَّهُ قالَ: ما صليتُ وراءَ أحدٍ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ أشبهَ صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ من فلانٍ -قالَ سليمانُ– كانَ يُطِيلُ الركعتينِ الأوليينِ من الظهرِ، ويُخَفِّفُ الأخريينِ، ويُخَفِّفُ العصرَ، ويَقْرَأُ في المغربِ بقصارِ المفصلِ، ويَقْرَأُ في العشاءِ بوسطِ المفصلِ، ويَقْرَأُ في الصبحِ بطوالِ المفصلِ [27].
[حسنٌ] [28].
زَادَ أبو بكرٍ الحنفيُّ في روايةِ أحمدَ، والبيهقيِّ:
قالَ الضحاكُ: وحدثني من سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ، يقولُ: ما رأيتُ أحداً أشبهَ صلاةً بصلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ من هذا الفتى، يعني: عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قالَ الضحاكُ: فصليتُ خلفَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وكانَ يَصْنَعُ مثلَ ما قالَ سليمانُ بنِ يسارٍ [29].
بأنَّ المرفوعَ منهُ التشبيهُ، وشِبْهُ الشيءِ لا يَسْتَلْزِمُ المساواةَ من كلِّ وجهٍ، فقد يكونُ الشبهُ الذي لَحَظَهُ أبو هريرةَ إنما هوَ في مقدارِ قيامِهِ في الصلاةِ، وأما تعيينُ السورِ فمقطوعٌ.
قالَ ابنُ حجرٍ:
«هذا حديثٌ صحيحٌ من حديثِ أبي هريرةَ، والمرفوعُ منهُ تشبيهُ أبي هريرةَ صلاةَ الأميرِ المذكورِ بصلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وما عدا ذلكَ موقوفٌ إنْ كانَ الأميرُ المذكورُ صحابياً، أو مقطوعٌ إنْ لم يَكُنْ» [30].
وقالَ عن حديثِ أنسٍ:
«وأما حديثُ أنسٍ ففي سندِهِ مبهمٌ يَمْنَعُ من الحكمِ بصحتِهِ، والمرفوعُ منهُ أيضاً التشبيهُ، وما عداهُ مقطوعٌ» [31].
ما رواهُ عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جدعانَ، عن الحسنِ وغيرِهِ، قالَ: كَتَبَ عمرُ إلى أبي موسى أنِ اقرأْ في المغربِ بقصارِ المفصلِ، وفي العشاءِ بوسطِ المفصلِ، وفي الصبحِ بطوالِ المفصلِ [32].
[ضعيفٌ، وقدِ اخْتُلِفَ فيهِ على ابنِ جدعانَ] [33].
وقد روى مالكٌ، عن عمِّهِ أبي سهيلٍ، عن أبيهِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كَتَبَ إلى أبي موسى أنْ صَلِّ الظهرَ إذا زاغَتِ الشمسُ، والعصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ قبلَ أنْ يَدْخُلَهَا صفرةٌ، والمغربَ إذا غَرَبَتِ الشمسُ، وأَخِّرِ العشاءَ ما لم تَنَمْ، وصَلِّ الصبحَ، والنجومُ باديةٌ مشتبكةٌ، واقرأْ فيها بسورتينِ طويلتينِ من المفصلِ [34].
[صحيحٌ] [35].
بأنَّ عمرَ ربما أرادَ بذكرِ المفصلِ ضربَ المثالِ على مقدارِ القراءةِ، لا أنَّهُ أرادَ تفضيلَ المفصلِ نفسِهِ على غيرِهِ من السورِ، بدليلِ أنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- نُقِلَتْ عنهُ القراءةُ في صلاةِ الصبحِ، فلم تَكُنْ أكثرُ قراءتِهِ من المفصلِ، بل ثَبَتَ عنهُ القراءةُ من الطوالِ، ومن المئينَ ومن المثاني، وبلفظٍ يَدُلُّ على تَكَرُّرِهِ منهُ بلفظِ: (كانَ) الدالةِ على الاستمرارِ، وحتى أَخَذَ عنهُ بعضُ من يصلي خلفَهُ سورةَ يوسفَ من كثرةِ ما كانَ يُرَدِّدُهَا في صلاةِ الصبحِ.
وسوفَ أُخَرِّجُ عنهُ هذهِ الآثارَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى في أدلةِ القولِ الآخرِ، فانْظُرْهَا تكرماً.
ما رواهُ البخاريُّ، قالَ: حدثنَا آدمُ، قالَ: حدثنَا شعبةُ، قالَ: حدثنَا سيارُ بنُ سلامةَ، قالَ:
دخلتُ أنا وأبي على أبي برزةَ الأسلميِّ، فسألنَاهُ عن وقتِ الصلواتِ، فقالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يصلي الظهرَ حينَ تزولُ الشمسُ، والعصرَ، ويَرْجِعُ الرجلُ إلى أقصى المدينةِ، والشمسُ حيةٌ -ونسيتُ ما قالَ في المغربِ- ولا يُبَالِي بتأخيرِ العشاءِ إلى ثلثِ الليلِ، ولا يُحِبُّ النومَ قبلَهَا، ولا الحديثَ بعدَهَا، ويصلي الصبحَ، فَيَنْصَرِفُ الرجلُ، فَيَعْرِفُ جليسَهُ، وكانَ يَقْرَأُ في الركعتينِ -أو إحداهُمَا- ما بينَ الستينَ إلى المائةِ [36].
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ مسلمٍ البطينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صلاةِ الفجرِ، يومَ الجمعةِ: ﴿الم﴾ السجدةَ، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، … الحديثَ [37].
وسورةُ السجدةِ ليستْ من المفصلِ، وقولُهُ: «كانَ يَقْرَأُ» إنْ لم يَدُلَّ على الدوامِ فهوَ يَدُلُّ على أنَّهُ هوَ الغالبُ من فعلِهِ ﷺ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ ابنِ جريجٍ، قالَ: سمعتُ محمدَ بنَ عبادِ ابنِ جعفرٍ، يقولُ: أخبرني أبو سلمةَ بنُ سفيانَ، وعبدُ اللهِ بنُ عمروِ بنِ العاصِ، وعبدُ اللهِ بنُ المسيبِ العابديُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ السائبِ قالَ:
صلى بنَا النبيُّ ﷺ: الصبحَ بمكةَ فاسْتَفْتَحَ سورةَ المؤمنينَ حتى جاءَ ذكرُ موسى، وهارونَ أو ذكرُ عيسى – محمدُ بنُ عبادٍ يَشُكُّ – أو اختلفُوا عليهِ أَخَذَتِ النبيَّ ﷺ سعلةٌ فَرَكَعَ وعبدُ اللهِ بنِ السائبِ، حاضرٌ ذلكَ [38].
ما رواهُ أحمدُ، قالَ: حدثنَا وكيعٌ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن خالِهِ الحارثِ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يأمرُنَا بالتخفيفِ، وإنْ كانَ لَيَؤُمُّنَا بالصافاتِ [39].
ورواهُ أبو خيثمةَ، كما في «مسندِ أبي يعلى» وعمروُ بنُ محمدٍ الناقدُ كما في «مسندِ أبي يعلى»، وأحمدُ بنُ منيعٍ، كما في «مسندِ السراجِ»، ثلاثتُهُمْ عن يزيدَ بنِ هارونَ، وعمروُ بنُ محمدٍ الناقدُ كما في «مسندِ أبي يعلى»، عن شبابةَ بنِ سوارٍ.
وحجاجُ بنُ محمدٍ كما في «السننِ المأثورةِ» للشافعيِّ، ثلاثتُهُمْ (أبوخيثمةَ، وابنُ هارونَ، وشبابةُ) عن ابنِ أبي ذئبٍ بهِ، وقالُوا: في صلاةِ الفجرِ.
[حسنٌ] [40].
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ مسعرٍ، قالَ: حدثني الوليدُ بنُ سريعٍ، عن عمروِ بنِ حريثٍ: أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ في الفجرِ والليلِ إذا عسعسَ [41].
والحديثُ يَدُلُّ على جوازِ قراءةِ سورةِ ﴿إذا الشمسُ كورتْ﴾ في صلاةِ الصبحِ، وهيَ ليستْ من طوالِ المفصلِ.
أيَصِحُّ أنْ يُقَالَ: باستحبابِ القراءةِ من أواسطِ المفصلِ في صلاةِ الصبحِ؛ لقراءةِ النبيِّ ﷺ فيها بالصبحِ؟
أم يُقَالُ: إنَّ المنظورَ هوَ القيامُ بسنةِ القراءةِ، من أيِّ سورةٍ شاءَ، والسنةُ أنْ تكونَ القراءةُ فيها طويلةً، كما قالَ في حديثِ أبي قتادةَ المتفقِ عليهِ: «وكانَ يُطَوِّلُ في الركعةِ الأُولَى من صلاةِ الصبحِ»، وليسَ المقصودُ السورةَ بذاتِهَا، فضلاً أنْ يُعَمَّمَ ذلكَ على طوالِ المفصلِ؟
ما رواهُ أحمدُ من طريقِ سفيانَ -يعني الثوريَّ– عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن شبيبِ بنِ أبي روحٍ، عن رجلٍ، من أصحابِ النبيِّ ﷺ قالَ: صلى رسولُ اللهِ ﷺ الفجرَ فَقَرَأَ فيهما بالرومِ فالْتَبَسَ عليهِ في القراءةِ، فلما صلى قالَ: «ما بالُ رجالٍ يحضرونَ معنَا الصلاةَ بغيرِ طهورٍ أولئكَ الذينَ يُلْبِسُونَ علينَا صلاتَنَا، من شَهِدَ معنَا الصلاةَ فلْيُحْسِنِ الطهورَ» [42].
[لم يَرْوِهِ إلا شبيبٌ أبو روحٍ، انْفَرَدَ بهِ عنهُ عبدُ الملكِ بنِ عميرٍ على غرابةٍ في متنِهِ، وقدِ اضْطَرَبَ فيهِ ابنُ عميرٍ] [43].
وفي متنِهِ غرابةٌ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ في حديثِ أبي هريرةَ: عن الإمامِ: «يُصَلُّونَ لكُمْ فإنْ أصابُوا فلكُمْ ولهُمْ وإنْ أخطؤُوا فلكُمْ وعليهِمْ» [44].
وإذا كانَ هذا في حالِ الإمامِ، وأنَّ إساءتَهُ لا تَتَعَدَّى إلى المأمومِ، مع كونِ المأمومِ مرتبطةً صلاتُهُ بصلاةِ إمامِهِ في الجملةِ، ويَتَحَمَّلُ عن المأمومِ القراءةَ والسهوَ ونحوَهُمَا، فمن بابِ أولى أنْ تكونَ إساءةُ المأمومِ لا تَتَعَدَّى إلى إمامِهِ؛ والذي لا تَرْتَبِطُ صلاتُهُ بصلاةِ من يصلي خلفَهُ، ولا تُشْتَرَطُ نيةُ الإمامةِ لصحةِ الائتمامِ كما سَبَقَ بحثُهُ.
ما رواهُ أبو داودَ، قالَ: حدثنَا أحمدُ بنُ صالحٍ: حدثنَا ابنُ وهبٍ: أخبرني عمروٌ، عن ابنِ أبي هلالٍ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ الجهنيِّ؛ أنَّ رجلاً من جهينةَ أخبرَهُ؛ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ في الصبحِ:﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ في الركعتينِ كلتيهِمَا، فلا أَدْرِي أَنَسِيَ رسولُ اللهِ ﷺ، أم قَرَأَ ذلكَ عَمْدًا؟ [45].
[انْفَرَدَ بهِ معاذُ بنِ عبدِ اللهِ، واخْتُلِفَ عليهِ في وصلِهِ وإرسالِهِ] [46].
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، قالَ: حدثنَا ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، أنَّ أبا بكرٍ، قَرَأَ في صلاةِ الصبحِ بالبقرةِ، فقالَ لهُ عمرُ حينَ فَرَغَ: كَرُبَتِ الشمسُ أنْ تَطْلُعَ، قالَ: لو طَلَعَتْ لم تَجِدْنَا غافلينَ [47].
[صحيحٌ] [48].
وروى الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيادٍ، قالَ: حدثنَا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قالَ: صلى بنَا أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- صلاةَ الصبحِ، فَقَرَأَ بسورةِ آلِ عمرانَ، فقالُوا: قد كادتِ الشمسُ تَطْلُعُ، فقالَ: لو طَلَعَتْ لم تَجِدْنَا غافلينَ [49].
[حسنٌ] [50].
روى الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ»، قالَ: حدثنَا يزيدُ بنُ سنانٍ، قالَ: حدثنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جريجٍ، قالَ: حدثنَا محمدُ بنُ يوسفَ، قالَ: سمعتُ السائبَ بنَ يزيدَ، قالَ: صليتُ خلفَ عمرَ الصبحَ، فَقَرَأَ فيهما بالبقرةِ، فلما انْصَرَفُوا اسْتَشْرَفُوا الشمسَ، فقالُوا: طَلَعَتْ. فقالَ: لو طَلَعَتْ لم تَجِدْنَا غافلينَ [51].
[صحيحٌ].
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قالَ: حدثنَا عبدُ الأعلى، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاءِ، عن أبي رافعٍ، قالَ:
كانَ عمرُ، يَقْرَأُ في صلاةِ الصبحِ بمائةٍ من البقرةِ، ويُتْبِعُهَا بسورةٍ من المثاني، أو من صدورِ المفصلِ، ويَقْرَأُ بمائةٍ من آلِ عمرانَ، ويُتْبِعُهَا بسورةٍ من المثاني، أو من صدورِ المفصلِ [52].
[حسنٌ].
وقولُهُ: «كانَ عمرُ يَقْرَأُ» يَدُلُّ على الكثرةِ، ولم يُفَرِّقْ عمرُ بينَ الطوالِ والمثاني والمفصلِ حيثُ كانَ يَجْمَعُ بينَ هذهِ السورِ في قراءةِ الصبحِ.
ما رواهُ الطحاويُّ قالَ: حدثنَا ابنُ مرزوقٍ، قالَ: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قالَ: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، قالَ: صلى بنَا عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- صلاةَ الصبحِ، فَقَرَأَ (بني إسرائيلَ والكهفَ) حتى جعلتُ أنظرُ إلى جدرِ المسجدِ، هل طَلَعَتِ الشمسُ؟ [53].
[صحيحٌ] [54].
روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، حدثنَا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن حصينِ بنِ سبرةَ، قالَ: صليتُ خلفَ عمرَ فَقَرَأَ في الركعةِ الأُولَى بسورةِ يوسفَ، ثمَّ قَرَأَ في الثانيةِ بالنجمِ، فَسَجَدَ، ثمَّ قَامَ، فَقَرَأَ:﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [55].
[صحيحٌ] [56].
روى مالكٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، أنَّهُ سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ عامرِ بنِ ربيعةَ يقولُ: صلينَا وراءَ عمرَ بنِ الخطابِ الصبحَ، فَقَرَأَ فيها بسورةِ يوسفَ، وسورةِ الحجِّ قراءةً بطيئةً، فقلتُ: واللهِ إذَنْ لقد كانَ يَقُومُ حينَ يَطْلُعُ الفجرُ، قالَ: أَجَلْ [57].
ورواهُ عبدُ الرزاقِ عن معمرٍ، عن هشامٍ بلفظِ:
ما حفظتُ سورةَ يوسفَ، وسورةَ الحجِّ إلا من عمرَ من كثرةِ ما كانَ يَقْرَؤُهُمَا في صلاةِ الفجرِ، فقالَ: كانَ يَقْرَؤُهُمَا قراءةً بطيئةً.
[صحيحٌ إلا أنَّ ذكرَ عروةَ وهمٌ، والصحيحُ أنَّ هشاماً سَمِعَهُ من عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ] [58].
فأشارَ إلى كثرةِ قراءةِ عمرَ لسورةِ يوسفَ وسورةِ الحجِّ، وهما ليستا من المفصلِ.
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قالَ: حدثنَا معتمرُ بنِ سليمانَ، عن الزبيرِ بنِ خريتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، عن الأحنفِ قالَ: صليتُ خلفَ عمرَ، الغداةَ، فَقَرَأَ يونسَ وهودَ ونحوَهُمَا [59].
[صحيحٌ].
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، قالَ: حدثنَا غندرٌ، عن شعبةَ، عن سعيدِ بنِ إبراهيمَ، عن ثعلبةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صعيرٍ، أنَّهُ صلى مع عمرَ بنِ الخطابِ، فَقَرَأَ بالحجِّ، فَسَجَدَ فيها سجدتينِ [60].
[صحيحٌ] [61].
ولم أَتَعَمَّدْ جَمْعَ كلِّ الآثارِ الواردةِ في المسألةِ، وليسَ من شرطِ الكتابِ جَمْعُ كلِّ أحاديثِ البابِ.
فهذا أبو بكرٍ قَرَأَ البقرةَ وآلَ عمرانَ في صلاةِ الصبحِ.
وهذا عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- كانَ يَقْرَأُ من البقرةِ، والإسراءِ ويوسفَ والحجِّ والكهفِ ويونسَ وهودَ.
ما رواهُ الشيخانِ من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قالَ:
جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني واللهِ لأتأخرُ عن صلاةِ الغداةِ من أجلِ فلانٍ، مما يُطِيلُ بنَا فيها، قالَ: فما رأيتُ النبيَّ ﷺ قطُّ أشدَّ غضباً في موعظةٍ منهُ يومئذٍ، ثمَّ قالَ: «يا أيُّهَا الناسُ إنَّ منكُم مُنَفِّرِينَ، فأيكُم ما صلى بالناسِ فليوجزْ، فإنَّ فيهِمُ الكبيرَ، والضعيفَ، وذا الحاجةِ» [62].
تخفيفِ الصلاةِ مراعاةً لحالِ المأمومينَ.
وفيهِ وعيدٌ على من يسعى في تخلفِ الناسِ عن الجماعةِ بسببِ التطويلِ.
وقد غَضِبَ النبيُّ ﷺ قبلَ أنْ يَسْأَلَ المصليَ المتأخرَ، أكانتْ إطالةُ الإمامِ موافقةً للسنةِ أم مخالفةً لها؟
وإذا كانتِ الزيادةُ مخالفةً للسنةِ، أكانتْ كثيرةً شاقةً أم يسيرةً محتملةً؟
وقد قالَ أهلُ الأصولِ: «تركُ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يُنَزَّلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ»، فَدَلَّ الحديثُ على أنَّ مراعاةَ حالِ المأمومِ، وتأليفَهُ على صلاةِ الجماعةِ أولى من مصلحةِ التطويلِ مطلقاً.
والجماعةُ لم تُعْقَدْ إلا من أجلِ مصلحةِ الاجتماعِ، فإذا كانَ الإمامُ يُنَفِّرُ الناسَ عن الجماعةِ كانَ ذلكَ أدعى لتغييرِهِ، وتحبيبُ الناسِ لصلاةِ الجماعةِ الواجبةِ وتأليفُهُمْ وجَمْعُهُمْ عليها أولى بالمراعاةِ من زيادةِ مقدارِ القراءةِ، وهيَ سنةٌ لا يُؤَثِّرُ تركُهَا في صحةِ صلاتِهِمْ، وقد حَصَلَ أصلُ السنةِ بمطلقِ القراءةِ، حتى لو قَرَأَ معها آيةً واحدةً.
ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ مالكٍ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ:
«إذا صلى أحدُكُمْ للناسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنَّ فيهِمُ الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاءَ».
ورواهُ مسلمٌ من طريقِ المغيرةِ بنِ عبدِ الرحمنِ الحزاميِّ، عن أبي الزنادِ بهِ [63].
فَدَلَّ الحديثُ على:
أنَّ مراعاةَ أحوالِ المأمومينَ من السنةِ القوليةِ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ:
«لا توقيتَ في القراءةِ عندَ العلماءِ بعدَ فاتحةِ الكتابِ، وهذا إجماعٌ من علماءِ المسلمينَ، ويَشْهَدُ لذلكَ قولُهُ عليهِ السلامُ «من أَمَّ الناسَ فليخففْ» ولم يَحُدَّ شيئاً، وإنما اختلفُوا في أقلِّ ما يُجْزِئُ من القراءةِ، وفي أَمَّ القرآنِ: هل يُجْزِئُ عنها غيرُهَا من القرآنِ أم لا، وأجمعُوا أنْ لا صلاةَ إلا بقراءةٍ»… [64].
قالَ ابنُ القيمِ:
التخفيفُ أمرٌ نسبيٌّ يَرْجِعُ إلى ما فعلَهُ النبيُّ ﷺ وواظبَ عليهِ لا إلى شهوةِ المأمومينَ، فإنَّهُ لم يَكُنْ يأمرُهُمْ بأمرٍ ثمَّ يخالفُهُ، وقد عَلِمَ أنَّ من ورائِهِ الكبيرَ، والضعيفَ، وذا الحاجةِ.
فالذي فعلَهُ هوَ التخفيفُ الذي أَمَرَ بهِ… وهديُهُ الذي واظبَ عليهِ هوَ الحاكمُ على كلِّ ما تَنَازَعَ فيهِ المتنازعونَ.
ويَدُلُّ عليهِ:
ما رواهُ النسائيُّ وغيرُهُ عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما- قالَ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يأمرُ بالتخفيفِ وَيَؤُمُّنَا بالصافاتِ. فالقراءةُ بالصافاتِ من التخفيفِ الذي كانَ يأمرُ بهِ، واللهُ أعلمُ [65].
وقالَ ابنُ رجبٍ:
«واعلمْ أنَّ التخفيفَ أمرٌ نسبيٌّ، فقد تكونُ الصلاةُ خفيفةً بالنسبةِ إلى ما هوَ أخفُّ منها، فالتخفيفُ المأمورُ بهِ الأئمةُ هوَ الذي كانَ النبيُّ ﷺ يفعلُهُ إذا أَمَّ، فالنقصُ منهُ ليسَ بتخفيفٍ مشروعٍ، والزيادةُ عليهِ إنْ كانَ مما فعلَهُ الخلفاءُ الراشدونَ كتطويلِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ على ما كانَ يفعلُهُ أحياناً أبو بكرٍ فليسَ بمكروهٍ، نَصَّ عليهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ» [66].
أنَّ الاعتبارَ في تطبيقِ السننِ إلى رغبةِ الناسِ وإلا كانَ هذا إلزاماً للناسِ بما لم يُوجِبْهُ الشرعُ عليهِمْ، فالسننُ لا إلزامَ فيها، وإنما يُحْمَلُ الناسُ على الفروضِ والواجباتِ، وإطالةُ القراءةِ ليستْ واجبةً بالإجماعِ.
على القولِ بأنَّ تطبيقَ السننِ لا يُرْجَعُ فيها إلى رغبةِ الناسِ، فقد نَصَّ النبيُّ ﷺ في هذهِ المسألةِ على المرجعِ، فقالَ النبيُّ ﷺ: «اقْتَدِ بأضعفِهِمْ»، وهوَ حديثٌ صحيحٌ كما سيأتي.
فَدَلَّ على أنَّ:
الحكمَ في إطالةِ الصلاةِ وتقصيرِهَا يختلفُ من جماعةٍ إلى أخرى، وأنَّ المحكَمَ هوَ حالُ المأمومِ في تلكَ الجماعةِ، لا إلى مطلقِ السنةِ، وسيأتي الاستدلالُ بهذا الحديثِ، وبيانُ وجهِ الاستدلالِ بهِ بشكلٍ أوضحَ.
وحملُ جماعاتِ المصلينَ في السننِ على اختلافِهِمْ على العهدِ الأولِ دونَ اعتبارٍ لحالِ الوقتِ ودونَ أخذٍ بالاعتبارِ حالَ تلكَ الجماعةِ قوةً وضعفاً، وفراغاً وشغلاً غيرُ ممكنٍ، فالسابقُ اليومَ إلى الخيراتِ إذا قِيسَ بالمقتصدِ في العهدِ الأولِ احْتُقِرَ عملُهُ.
وقد نَقَلَ النوويُّ عن العلماءِ قولَهُمْ:
«كانتْ صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ تختلفُ في الإطالةِ والتخفيفِ باختلافِ الأحوالِ، فإذا كانَ المأمومونَ يُؤْثِرُونَ التطويلَ، ولا شغلَ هناكَ لهُ، ولا لهم طَوَّلَ، وإذا لم يَكُنْ ذلكَ خَفَّفَ» [67].
وكونُ النبيِّ ﷺ الآمرِ بالتخفيفِ يُطِيلُ صلاتَهُ، فهذا محمولٌ على علمِهِ ﷺ بمن كانَ يصلي معهُ، ورغبتِهِمْ بإطالةِ الصلاةِ، وعليهِ يُحْمَلُ ما وَرَدَ عن أبي بكرٍ من الصلاةِ مرةً بسورةِ البقرةِ ومرةً بآلِ عمرانَ، وما وَرَدَ عن عمرَ من الصلاةِ بالبقرةِ ويوسفَ والحجِّ والإسراءِ ويونسَ وهودَ، فإنَّ هذا المقدارَ مخالفٌ للمقدارِ الذي كانَ يصلي بهِ النبيُّ ﷺ، بقدرِ الضِّعْفِ بل أكثرَ، إلا أنَّ مخالفةَ الشيخينِ لمقدارِ قراءةِ النبيِّ ﷺ مع علمِهِمْ بإنكارِ النبيِّ ﷺ على من طَوَّلَ تطويلاً زائداً محمولٌ على ما ذَكَرْتُ، بأنَّ الإمامَ إذا عَلِمَ من جماعتِهِ الرغبةَ بالتطويلِ، وكانتِ الجماعةُ محصورةً، وخَلَتِ الجماعةُ من وجودِ مريضٍ ومشغولٍ فلا حرجَ من إطالةِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ، حتى ولو امتدتِ القراءةُ إلى الإسفارِ، وإذا جَازَ للإمامِ زيادةُ القراءةِ عن المقدارِ الواردِ بالسنةِ تحقيقاً لرغبةِ الجماعةِ، جَازَ تخفيفُ القراءةِ عن المقدارِ الواردِ بالسنةِ إذا ما رَغِبُوا ذلكَ بجامعِ أنَّ كُلًّا منهما لم تَرِدْ بهِ السنةُ الفعليةُ، بلْ إنَّ الإطالةَ على مقدارِ ما فعلَهُ النبيُّ ﷺ وَقَعَ النهيُ عنهُ صريحاً والتحذيرُ منهُ، والتخفيفُ عن المقدارِ الذي كانَ يَقْرَأُ بهِ النبيُّ ﷺ إذا أَتَمَّ الأركانَ والواجباتِ لم يَرِدْ في النصوصِ الشرعيةِ ما ينهى عنهُ، فكيفَ يُسَوَّغُ ما وَقَعَ النهيُ عنهُ صريحاً، ووُصِفَ صاحبُهُ بالمُنفَِّرِ، ومرةً بالفتانِ، ولا يُسَوَّغُ ما جاءَ في النصوصِ ما يَدُلُّ على جوازِهِ من الأمرِ بالتخفيفِ؟ واللهُ أعلمُ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ مسعرٍ، قالَ: حدثني الوليدُ بنُ سريعٍ، عن عمروِ بنِ حريثٍ: أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ في الفجرِ والليلِ إذا عسعسَ [68].
فهذا النبيُّ ﷺ قد قَرَأَ في صلاةِ الصبحِ من أواسطِ المفصلِ، وهوَ يَفْعَلُ ذلكَ لِيُبَيِّنَ الجوازَ، وعدمَ الكراهةِ، فَدَلَّ على أنَّ التخفيفَ ليسَ مكروهاً.
ولم يَقُلْ بكراهةِ تخفيفِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ إلا الحنابلةُ، وهوَ قولٌ ضعيفٌ، ولا يَلْزَمُ من تركِ السنةِ الوقوعُ في المكروهِ، وإطالةُ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ ليسَ من السننِ المؤكدةِ، لأنَّ السنةَ لا تَتَأَكَّدُ إلا إذا واظبَ عليها النبيُّ ﷺ، ولم يتركْهَا حضراً، ولا سفراً، كالوترِ وركعتيِ الفجرِ.
وتخفيفُ القراءةِ في السفرِ مجمعٌ عليهِ، وهذا دليلُ تركِهَا في السفرِ.
وحديثُ عمروِ بنِ حريثٍ ظاهرُهُ في صلاةِ الحضرِ، إذ لو كانَ ذلكَ في السفرِ لَجَرَى تقييدُهُ، وقد صلى فيهِ بالتكويرِ فَدَلَّ على تركِ الإطالةِ أحياناً.
وكلُّ ذلكَ يَدُلُّ على أنَّ الإطالةَ ليستْ من السننِ المؤكدةِ، وأنَّ من قَرَأَ من قصارِ المفصلِ في صلاةِ الصبحِ فصلاتُهُ تامةٌ.
روى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، عن موسى الجهنيِّ، عن مصعبِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قالَ:
كانَ أبي يُطِيلُ الصلاةَ في بيتِهِ، ويُخَفِّفُ عندَ الناسِ، فقلتُ: يا أبتاهُ لم تَفْعَلُ هذا؟ قالَ: إنا أئمةٌ يُقْتَدَى بنَا [69].
[صحيحٌ] [70].
وعلى التسليمِ بأنَّ القراءةَ من قصارِ المفصلِ في صلاةِ الصبحِ مكروهةٌ، فإنَّ الكراهةَ ترفعُهَا الحاجةُ، والحاجةُ إلى تخفيفِ القراءةِ في هذا العصرِ قائمةٌ خاصةً في وقتِ الصيفِ، حيثُ الناسُ قدِ ابْتُلُوا بالسمرِ، وتأخيرِ النومِ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: التخفيفُ لكلِّ إمامٍ أمرٌ مجمعٌ عليهِ مندوبٌ عندَ العلماءِ إليهِ [71].
وقالَ الترمذيُّ في «جامعِهِ»: وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ اختارُوا أنْ لا يُطِيلَ الإمامُ الصلاةَ مخافةَ المشقةِ على الضعيفِ، والكبيرِ، والمريضِ [72]. اهـ
قالَ العراقيُّ في «طرحِ التثريبِ»: وهوَ يَقْتَضِي خلافاً بينَ أهلِ العلمِ، ولا أعلمُ فيهِ خلافاً، ثمَّ سَاقَ كلامَ ابنِ عبدِ البرِّ السابقَ [73].
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ أيضاً: «لا أعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خلافاً في استحبابِ التخفيفِ لكلِّ من أَمَّ قوماً على ما شَرَطْنَا من الإتيانِ بأقلِّ ما يُجْزِئُ، والفريضةُ والنافلةُ عندَ جميعِهِمْ سواءٌ في استحبابِ التخفيفِ فيما إذا صليتْ جماعةً بإمامٍ» [74].
وقالَ العينيُّ: «استحبابُ تخفيفِ الصلاةِ مراعاةً لحالِ المأمومينَ…وهذا لا خلافَ فيهِ لأحدٍ» [75].
وقد سَاقَ ابنُ عبدِ البرِّ بإسنادِهِ إلى عمرَ بنِ الخطابِ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّهُ قالَ:
أيُّهَا الناسُ لا تُبَغِّضُوا اللهَ إلى عبادِهِ. فقالَ قائلٌ منهم: وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ: يكونُ الرجلُ إماماً للناسِ يصلي بهم، فلا يزالُ يُطَوِّلُ عليهم حتى يُبَغِّضَ إليهِمْ ما هُمْ فيهِ أو يجلسُ قاصاً، فلا يزالُ يُطَوِّلُ عليهم حتى يُبَغِّضَ إليهِمْ ما هُمْ فيهِ [76].
ذَهَبَ الأئمةُ الأربعةُ إلى استحبابِ تخفيفِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ للمسافرِ؛ لكونِ السفرِ مظنةً لوجودِ المشقةِ، ولأنَّ للسفرِ أثراً في إسقاطِ شطرِ الصلاةِ فلأنْ يُؤَثِّرَ في تخفيفِ القراءةِ من بابِ أولى، وحكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على ذلكَ كما سيأتي نقلُ ذلكَ عنهُ [77].
جاءَ في «التهذيبِ في اختصارِ المدونةِ»: «ولا بأسَ أنْ يُخَفِّفَ قراءةَ الصبحِ في السفرِ بسبحْ ونحوِهَا» [78].
وقالَ ابنُ رجبٍ: «قالَ أصحابُنَا: لا يُكْرَهُ تخفيفُ القراءةِ في الصبحِ وغيرِهَا في السفرِ دونَ الحضرِ» [79].
وبَوَّبَ أبو داودَ في «السننِ»: (قصرَ القراءةِ في السفرِ).
وإنما خُفِّفَتِ القراءةُ في السفرِ لمظنةِ المشقةِ، فَيُؤْخَذُ منهُ:
أنَّهُ متى كانَ يَشُقُّ على الناسِ طولُ القراءةِ؛ لسهرٍ، أو عملٍ، أو قيامِ ليلٍ، كما في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ ونحوِهَا، كانَ مطلوباً من الإمامِ التخفيفُ قياساً على التخفيفِ في السفرِ بجامعِ المشقةِ.
والناسُ اليومَ ليسُوا كالناسِ بالأمسِ، فهناكَ عاداتٌ اجتماعيةٌ تغيرتْ، ولقد كانَ الناسُ حينَ كنَّا صغاراً ينامونَ بعدَ صلاةِ العشاءِ، ولا يسمرونَ، كحالِهِمْ في عهدِ النبوةِ، فيقومُ الناسُ إلى الصلاةِ وقد أَخَذَ البدنُ راحتَهُ، واسْتَرَدَّ عافيتَهُ ونشاطَهُ، فكانَ يُنَاسِبُ إطالةَ القراءةِ في صلاةِ أولِ النهارِ، وعكسُهُ المغربُ لما كانتْ تَقَعُ في آخرِ النهارِ وبعدَ نشاطِ الناسِ في أعمالِهِمْ وحرثِهِمْ نَاسَبَ أنْ تُخَفَّفَ القراءةُ فيها، والناسُ اليومَ على خلافِ السابقِ، فهُمْ ينامونَ في ساعةٍ متأخرةٍ، ابْتُلِيَ بذلكَ الكبارُ قبلَ الصغارِ خاصةً في الصيفِ، فإذا حَرَصَ هؤلاءِ على صلاةِ الجماعةِ في الفجرِ فينبغي إعانتُهُمْ على ذلكَ، وعلى الإمامِ أنْ يُرَاعِيَ هذهِ الحالةَ منهم، ويُفَرِّقَ بينَ ليالي الشتاءِ الطويلةِ والتي يُمْكِنُ للمصلي ولو سَهِرَ أنْ يأخذَ قسطاً من الراحةِ يَكْفِيهِ قبلَ قيامِهِ لصلاةِ الصبحِ وبينَ ليالي الصيفِ القصيرةِ، فمتى ما كانَ يَشُقُّ على الناسِ طولُ القراءةِ كانَ مطلوباً من الإمامِ التخفيفُ قياساً على التخفيفِ في السفرِ بجامعِ المشقةِ.
وكونُ السهرِ مكروهاً من غيرِ حاجةٍ لا يعني أبداً ألا يكونَ علةً في تخفيفِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ، كما أنَّ السفرَ، ولو كانَ مكروهاً أو محرماً علةٌ في الترخصِ على الصحيحِ، وقد بَحَثْتُ هذهِ المسألةَ في (أحكامِ الطهارةِ).
ولْيَنْظُرْ هذا الإمامُ إلى حالِهِ إذا عَرَضَ لهُ سهرٌ لأيِّ سببٍ من الأسبابِ أيَحْتَاجُ إلى تخفيفِ صلاتِهِ؟
أم يُطِيلُ صلاتَهُ، ولو كانَ في ذلكَ مشقةٌ عليهِ؟
وليسَ علاجُ السهرِ هوَ في إطالةِ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ وإنْ شَقَّ ذلكَ على الناسِ، بل يَحْتَاجُ أنْ يَتَوَجَّهَ الأمرُ إلى علاجِ هذهِ الظاهرةِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ تُطَبَّقُ السنةُ، على أنَّ القراءةَ من أوساطِ المفصلِ من السنةِ أيضاً، كما مَرَّ معنَا قراءةُ النبيِّ ﷺ لسورةِ التكويرِ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ محمدِ بنِ جعفرٍ، حدثنَا شعبةُ، عن عمروِ ابنِ مرةَ، قالَ: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيبِ، قالَ: حَدَّثَ عثمانُ بنُ أبي العاصِ، قالَ: آخرُ ما عَهِدَ إليَّ رسولُ اللهِ ﷺ «إذا أَمَمْتُ قوماً، فأخفَّ بهِمُ الصلاةَ» [80].
وروى أحمدُ من طريقِ حمادٍ، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاءِ، عن عثمانَ بنِ أبي العاصِ، قالَ: قلتُ يا رسولَ اللهِ اجعلْني إمامَ قومي، فقالَ: «أنتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأضعفِهِمْ، واتخذْ مؤذناً لا يأخذُ على أذانِهِ أجراً» [81].
[صحيحٌ] [82].
وقولُهُ: «اقْتَدِ بأضعفِهِمْ» ظاهَرُهُ: بأضْعَفِهِم بِنْيَةً.
وإطلاقُهُ يَدْخُلُ فيهِ: أضعفُهُمْ إيماناً، تأليفاً لهُ على حُبِّ الجماعةِ، وإقامةِ الصلاةِ مع المسلمينَ، فمراعاةُ الواجباتِ أولى من مراعاةِ السننِ، ولا يُبْصِرُ هذا إلا من رُزِقَ فقهاً وبصيرةً، وتحملَ مسؤوليةِ سياسةِ الناسِ، وإحاطتِهِمْ بالنصحِ، والخوفِ عليهِمْ، ومراعاةِ اختلافِهِمْ وتفاوتِهِمْ، وعدمِ تحميلِهِمْ من السننِ ما يَشُقُّ عليهِمْ، والتدرجِ بهِمْ، فَيَقْرَأُ بهِمْ من أواسطِ المفصلِ ويَتَرَقَّى بهِمْ إلى بعضِ قصارِ طوالِ المفصلِ بينَ الحينِ والآخرِ بلا تنفيرٍ لهُ، ولا يُكَرِّه عبادةَ اللهِ لعبادِهِ.
مراعاةُ الجماعةِ وَرَدَتْ فيهِ أحاديثُ كثيرةٌ، من ذلكَ:
ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ غندرٍ (محمدِ بنِ جعفرٍ) حدثنَا شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ عمروِ بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ، قالَ:
قَدِمَ الحجاجُ فسألنَا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، فقالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يصلي الظهرَ بالهاجرةِ،…. والعشاءَ أحياناً وأحياناً، إذا رآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ… الحديثَ [83].
ومنها ما رواهُ البخاريُّ، قالَ: حدثنَا آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قالَ: حدثنَا شعبةُ، قالَ حدثنَا مهاجرٌ أبو الحسنِ مولى لبني تيمِ اللهِ، قالَ: سمعتُ زيدَ بنَ وهبٍ، عن أبي ذَرٍّ الغفاريِّ، قالَ: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ، فأرادَ المؤذنُ أنْ يُؤَذِّنَ للظهرِ، فقالَ النبيُّ ﷺ: «أَبْرِدْ»، ثمَّ أرادَ أنْ يُؤَذِّنَ، فقالَ لهُ: «أَبْرِدْ»، حتى رأينَا فيءَ التلولِ، فقالَ النبيُّ ﷺ: «إنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْحِ جهنمَ، فإذا اشْتَدَّ الحرُّ فأبرِدُوا بالصلاةِ» [84].
فكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يَدَعُ الوقتَ الفاضلَ من تأخيرِ العشاءِ إذا اجْتَمَعَ الناسُ حتى لا يَشُقَّ عليهِمْ، كما كانَ يَدَعُ أولَ الوقتِ في صلاةِ الظهرِ في الحرِّ مع فضيلتِهِ رفقاً بالناسِ، ولهذا كانَ يصليها في غيرِ أيامِ الحرِّ إذا زَالَتِ الشمسُ لإدراكِ فضيلةِ أولِ الوقتِ.
وقالَ الحنابلةُ:
إنَّ تقديمَ الصلاةِ في الفجرِ أفضلُ إلا إذا تأخَّرُوا، والتأخيرَ في العشاءِ أفضلُ إلا إذا تقدَّمُوا [85].
وكلُّ ذلكَ فيهِ تركُ الأفضلِ من السننِ مراعاةً لأحوالِ المأمومينَ.
ومنها ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ يزيدَ بنِ زريعٍ، قالَ: حدثنَا سعيدٌ، قالَ: حدثنَا قتادةُ، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ، حدثَهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ:
«إني لأَدْخُلُ في الصلاةِ، وأنا أريدُ إطالتَهَا، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ، فأتجوزُ في صلاتي مما أعلمُ من شدةِ وَجْدِ أمِّهِ من بكائِهِ» [86].
فهذا المثالُ من أبلغِ ما يكونُ في تركِ السننِ من أجلِ مراعاةِ أحوالِ المأمومِ، حتى ولو كانَ هذا المأمومُ ممن لا تَجِبُ عليهِ الجماعةُ، ولم يَدْعُ النبيُّ ﷺ هذهِ الأمَّ إلى تركِ رضيعِهَا في البيتِ، أو تصلي في بيتِهَا أفضلَ لها، بل تَرَكَ إطالةَ القراءةِ مراعاةً لها مع أنَّ حضورَهَا مفضولٌ، ولم يَنْظُرْ لمصلحةِ الجماعةِ على حسابِ هذهِ المرأةِ، فَدَلَّ على أنَّ مراعاةَ المأمومِ مقدمٌ على مراعاةِ سنةِ القراءةِ، واللهُ أعلمُ.
حكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على تقصيرِ القراءةِ في السفرِ [87].
وقالَ إبراهيمُ النخعيُّ: كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يقرؤونَ في السفرِ بالسورِ القصارِ [88].
ما رواهُ أحمدُ، حدثنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن معاويةَ يعني ابنَ صالحٍ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن القاسمِ، مولى معاويةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: كنتُ أقودُ برسولِ اللهِ ﷺ راحلتَهُ في السفرِ، فقالَ: «يا عقبةُ ألا أُعَلِّمُكَ خيرَ سورتينِ قُرِئَتَا»؟ قلتُ: بلى. قالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فلما نَزَلَ صلى بهما صلاةَ الغداةِ، قالَ: «كيفَ ترى يا عقبةُ؟» [89].
[حسنٌ في الجملةِ] [90].
وروى أبو يعلى من طريقِ محمدِ بنِ عثمانَ، عن مُغَلِسٍ الخراسانيِّ، عن أيوبَ ابنِ يزيدَ، عن أبي رَزِينٍ، عن عمروِ بنِ عَبْسَةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قالَ: إنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأَ في الصبحِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «الفلقُ: جهنمُ».
[ضعيفٌ] [91].
ما رواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، عن الثوريِّ، عن مالكِ بنِ مغولٍ، عن الحكمِ، عن عمروِ بنِ ميمونٍ قالَ:
صَحِبْتُ عمرَ بنَ الخطابِ في سفرٍ فَقَرَأَ بـ ﴿قلْ يأيُّهَا الكافرونَ﴾، و﴿قلْ هوَ اللهُ أحدٌ﴾ [92].
[صحيحٌ].
ورواهُ عبدُ الرزاقِ عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن شعبةَ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ قالَ: سمعتُ عمروَ بنَ ميمونٍ يقولُ: فذكرَ نحوَهُ، وقالَ: صلاةُ الفجرِ… الأثرَ [93].
[وسندُهُ صحيحٌ].
وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن المعرورِ بنِ سويدٍ قالَ: كنتُ مع عمرَ بينَ مكةَ والمدينةِ، فصلى بنَا الفجرَ، فَقَرَأَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾… الأثرَ.
[صحيحٌ، وروايةُ الأعمشِ عن المعرورِ في الصحِّيحينِ].
ما رواهُ أحمدُ، قالَ: حدثنَا وكيعٌ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن خالِهِ الحارثِ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يأمرُنَا بالتخفيفِ، وإنْ كانَ لَيَؤُمُّنَا بالصافاتِ [94].
[حسنٌ].
أنَّ هذا قولُ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وقولُ الصحابيِّ حجةٌ ما لم يُخَالِفِ النصَّ، أو يخالفْهُ صحابيٌّ آخرَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «اقْتَدِ بأضعفِهِمْ»، فالنبيُّ ﷺ أعلمُ بجماعتِهِ من غيرِهِمْ، فكانتْ قراءتُهُ بالصافاتِ؛ لأنَّ من معهُ كانُوا راغبينَ في الإطالةِ، فكانتْ قراءتُهُ ﷺ تخفيفاً في حقِّهِمْ، فالتخفيفُ في كلِّ قومٍ بحسبِ حالِهِمْ، وعليهِ يُحْمَلُ قراءةُ أبي بكرٍ وعمرَ بالبقرةِ كلِّهَا في صلاةِ الصبحِ مع علمِهِمْ بإنكارِ النبيِّ ﷺ على معاذٍ التطويلَ، وأنَّ هذا المقدارَ لم يُحْفَظْ أنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأَ بمثلِهِ في صلواتِهِ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ يحيى بنِ آدمَ، حدثنَا زهيرٌ، عن سماكٍ قالَ: سألتُ جابرَ بنَ سمرةَ، عن صلاةِ النبيِّ ﷺ فقالَ: كانَ يُخَفِّفُ الصلاةَ ولا يصلي صلاةَ هؤلاءِ. قالَ: وأنبأني: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفجرِ بـ ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوِهَا.
فكانَ التخفيفُ أمراً نسبياً، فما كانَ يُسْتَطَالُ في هذا العصرِ هوَ من التخفيفِ في عصرِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهِمْ، والمحكَمُ في ذلكَ سنتُهُ ﷺ، وما كانَ يقرؤُهُ.
قالَ سعيدٌ حوى:
«الذي عليهِ الفقهاءُ أنَّ الإمامَ يُرَاعِي حالَ المأمومينَ، واستعدادَهُمْ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأمكنةِ، والأزمنةِ، والبيئاتِ، وأحوالِ الناسِ، فالعاملُ في أثناءِ العملِ، والمسافرُ في أثناءِ السفرِ، والمبتدؤونَ بالصلاةِ، والمشغولونَ بحادثٍ يَطْرَأُ، والمعتادونَ على الصلاةِ القصيرةِ، كلٌّ من هؤلاءِ يُرَاعَى حالُهُ، وحكمةُ الإمامِ في هذهِ الأمورِ هيَ التي تُقَدَّرُ، ولقد رأيتُ أئمةً يُطِيلُونَ قليلاً عما أَلِفَهُ الناسُ -وهوَ قليلٌ- فَيُؤَدِّي ذلكَ إلى فتنةٍ، أو قطعِ الصلاةِ، وحتى إلى كلمةِ كفرٍ، فلا بدَّ للإمامِ أنْ يُرَاعِيَ هذا، وإذا اقْتَصَرَ في بعضِ المواطنِ على الفاتحةِ، وآياتٍ قصارٍ معدودةٍ فلا بأسَ» [95].
ولقد أعطى النبيُّ ﷺ الإمامَ حقَّ تقديرِ الموقفِ، بقولِهِ: «اقْتَدِ بأضعفِهِمْ» وتخفيفُ النبيِّ ﷺ صلاتَهُ لسماعِ بكاءِ الصبيِّ، كلُّ ذلكَ يَدُلُّ على أنَّ هذا يختلفُ من جماعةٍ إلى أخرى، وأنَّ العوارضَ الطارئةَ تُقَدَّرُ بقدرِهَا كالسهرِ، والسفرِ، وجماعاتِ الأسواقِ والطرقِ، وأيامِ الاختباراتِ، والعشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ونحوِهَا، واللهُ أعلمُ.
استدلُّوا بما رواهُ البخاريُّ من طريقِ مالكٍ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ:
«إذا صلى أحدُكُمْ للناسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنَّ فيهِمُ الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاءَ»، ورواهُ مسلمٌ [96].
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ:
«في هذا الحديثِ أوضحُ الدلائلِ على أنَّ أئمةَ الجماعةِ يلزمُهُمُ التخفيفُ؛ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ إياهُمْ بذلكَ، ولا يجوزُ لهُمُ التطويلُ؛ لأنَّ في الأمرِ لهم بالتخفيفِ نهياً عن التطويلِ، وقد بَانَ في هذا الحديثِ العلةُ الموجبةُ لالتخفيفِ، وهيَ عندي غيرُ مأمونةٍ على أحدٍ من أئمةِ الجماعةِ؛ لأنَّهُ، وإنْ عَلِمَ قوةَ من خلفَهُ، فإنَّهُ لا يَدْرِي ما يَحْدُثُ لهم من آفاتِ بني آدمَ، ولذلكَ قالَ: «فإذا صلى أحدُكُمْ لنفسِهِ فليطولْ ما شاءَ»؛ لأنَّهُ يَعْلَمُ من نفسِهِ ما لا يَعْلَمُ من غيرِهِ» [97].
وذَكَرَ اليعمريُّ نقلاً من «شرحِ الزرقانيِّ على الموطأِ»:
«أنَّ الأحكامَ إنما تُنَاطُ بالغالبِ، لا بالصورةِ النادرةِ، والغالبُ أنَّ الإطالةَ تَشُقُّ على بعضِ المأمومينَ فينبغي للأئمةِ التخفيفُ مطلقاً.
قالَ: وهذا كما شُرِعَ القصرُ في السفرِ، وعُلِّلَ بالمشقةِ، وهيَ مع ذلكَ تُشْرَعُ مطلقاً عملاً بالغالبِ؛ لأنَّهُ لا يَدْرِي ما يَطْرَأُ عليهِ، وهنا كذلكَ، «وإذا صلى أحدُكُمْ لنفسِهِ فليطولْ ما شاءَ» ولمسلمٍ: «فَلْيُصَلِّ كيفَ شاءَ»: أيْ مخففاً، أو مطولاً» [98].
وعلةُ القصرِ للمسافرِ السفرُ، وأما المشقةُ فهيَ حكمةُ التشريعِ، لا علتُهُ، والتعليلُ بالحكمةِ فيهِ خلافٌ بينَ أهلِ الأصولِ ليسَ هذا مَحَلَّ بحثِهَا.
قالَ القسطلانيُّ:
«وتُعُقِّبَ بأنَّ الاحتمالَ الذي لم يَقُمْ عليهِ دليلٌ، لا يَتَرَتَّبُ عليهِ حكمٌ، فإذا انْحَصَرَ المأمومونَ ورَضُوا بالتطويلِ، لا يُؤْمَرُ إمامُهُمْ بالتخفيفِ لعارضٍ لا دليلَ عليهِ» [99].
ما ذَهَبَ إليهِ الجمهورُ، وأنَّ الإمامَ مُحَكَّمٌ في تقديرِ ما تُطِيقُهُ الجماعةُ، وما لا يُطِيقُونَ، ولا ينبغي إلزامُهُمْ بالإطالةِ إذا كانَ بعضُهُمْ لا يَرْغَبُ، سواءٌ أَعَلِمَ هذا منهم صريحاً، أم ظَنَّهُ منهم، ومصلحةُ اجتماعِ الناسِ على الصلاةِ أهمُّ من مراعاةِ إطالةِ القراءةِ، ومراعاةُ الواجباتِ أولى من مراعاةِ السننِ، وإذا اختلفتِ الجماعةُ الواحدةُ فعليهِ أنْ يَقْرَأَ بمقدارِ أواسطِ المفصلِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لما قالَ لمعاذٍ: «اقرأْ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾» ونحوِهَا، لا أَفْهَمُ منهُ تخصيصَ ذلكَ في صلاةِ العشاءِ، وإنْ كانتْ صلاةِ العشاءِ تَدْخُلُ دخولاً أولياً؛ لأنَّ معاذاً يصلي بهم الصلواتِ كلَّهَا، وضَرَبَ لهُ النبيُّ ﷺ مقداراً لِمَا يقرؤُهُ في صلاتِهِ، فكانَ تخصيصُ هذا في صلاةٍ معينةٍ يَحْتَاجُ إلى دليلٍ.
والإمامُ ينبغي لهُ أنْ يكونَ مُلِمًّا بأحوالِ جماعتِهِ، فإذا كانتْ جماعتُهُ من المقتصدينَ، أو ممن دونَهُمْ لم يَحْمِلْهُمْ على حالِ المسارعينَ في الخيراتِ، كحالِ صحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ، خاصةً فيما هوَ من بابِ السننِ، فإذا رأى الإمامُ في جماعتِهِ من هوَ بحاجةٍ إلى التأليفِ وكانَ تخفيفُ القراءةِ داعياً لهم إلى المحافظةِ على صلاةِ الجماعةِ لم يُنَفِّرْهُمْ، ويَتَدَرَّجُ بهم شيئاً فشيئاً حتى يألفُوا القراءةَ الطويلةَ، وطوالُ المفصلِ فيهِ الطويلُ، وفيهِ الأطولُ، وفيهِ قصارُ الطوالِ على القولِ بأنَّ القراءةَ من طوالِ المفصلِ سنةٌ، وإذا طَبَّقَ السنةَ بينَ الحينِ والآخرِ احْتَمَلَ لهُ ذلكَ الجماعةُ، ولم يَكُنْ هاجراً للسنةِ، ولو أرادَ الشارعُ أنْ نَلْتَزِمَ السنةَ في جميعِ الأحوالِ لم يَجْعَلْ حكمَهَا سنةً، واللهُ أعلمُ.
وقد اشْتَمَلَ مذهبُ الحنفيةِ على مسألتينِ: كونُ القراءةِ من طوالِ المفصلِ، وكونُهَا في مقدارٍ معينٍ من الآياتِ: وقد اختلفُوا أهما سنتانِ، أم أنَّ السنةَ هوَ عددُ الآياتِ، وأما كونُهَا من طوالِ المفصلِ فاستحسانٌ، قولانِ، انظرْ: «حاشيةَ ابنِ عابدينَ» (1/541)، و«الجوهرةَ النيرةَ» (1/58).
وقالَ ابنُ نجيمٍ في «البحرِ الرائقِ» (1/360):
«وأَفَادَ أنَّ القراءةَ في الصلاةِ من غيرِ المفصلِ خلافُ السنةِ، ولهذا قالَ في «المحيطِ»، وفي «الفتاوى»: قراءةُ القرآنِ على التأليفِ في الصلاةِ لا بأسَ بها؛ لأنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ كانُوا يقرؤونَ القرآنَ على التأليفِ في الصلاةِ، ومشايخُنَا اسْتَحْسَنُوا قراءةَ المفصلِ لِيَسْتَمِعَ القومُ ويتعلمُوا اهـ.»
فَنَصَّ على أنَّ كونَهَا من المفصلِ استحسانٌ من قِبَلِ المشايخِ، لا من جهةِ ظاهرِ الروايةِ.
وجاءَ في «أسنى المطالبِ» (1/212):
«فإنْ جَهِلَ حالَهُمْ، أو اختلفُوا لم يُطَوِّلْ، قالَ ابنُ الصلاحِ إلا إنْ قَلَّ مَنْ لم يَرْضَ، كواحدٍ واثنينِ، ونحوِهِمَا؛ لمرضٍ ونحوِهِ، فإنْ كانَ ذلكَ مرةً، أو نحوَهَا خَفَّفَ، وإنْ كَثُرَ حضورُهُ طَوَّلَ مراعاةً لحقِّ الراضينَ، ولا يُفَوِّتُ حقَّهُمْ؛ لهذا الفردِ الملازمِ. قالَ في «المجموعِ»: وهوَ حسنٌ متعينٌ.
قالَ الزركشيُّ: وفيهِ نظرٌ، بلِ الصوابُ أنَّهُ لا يُطَوِّلُ مطلقاً كما اقْتَضَاهُ إطلاقُ الأصحابِ لإنكارِهِ ﷺ على معاذٍ التطويلَ لما شكاهُ الرجلُ الواحدُ وسَبَقَهُ إلى نحوِ ذلكَ الأذرعيُّ وخَرَجَ بقولِ المصنفِ من زيادتِهِ: (وهم أحرارٌ غيرُ أجراءَ): الأرقاءُ، والأجراءُ. أيْ إجارةُ عينٍ، على عملٍ ناجزٍ، إذا أَذِنَ لهُمُ السادةُ، والمستأجرونَ في حضورِ الجماعةِ، فلا عبرةَ برضاهُمْ بالتطويلِ بغيرِ إذنٍ فيهِ من أربابِ الحقوقِ، نَبَّهَ على ذلكَ الأذرعيُّ.»
وقالَ التنوخيُّ الحنبليُّ في «شرحِ المقنعِ» (1/464):
«ومعنى إتمامِ الصلاةِ: أنْ يَفْعَلَ أدنى الكمالِ من التسبيحِ والقراءةِ وسائرِ أجزاءِ الصلاةِ. وهذا التخفيفُ مختصٌّ بمن لا تُؤْثِرُ جماعتُهُ التطويلَ، فإنْ آثرتْهُ اسْتُحِبَّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بالستينَ إلى المائةِ، و بـ(قافٍ)، وبـ(الرومِ) وبـ (المؤمنونَ)».
وانظرْ: «شرحَ منتهى الإراداتِ» (1/266، 267)، و«كشافَ القناعِ» (1/391).
فرواهُ زهيرٌ وزائدةُ، وإسرائيلُ في روايةٍ، وجعفرُ بنُ الحارثِ بسندٍ ضعيفٍ، رَوَوْهُ بذكرِ سورةِ (ق).
ورواهُ الثوريُّ وإسرائيلُ بذكرِ سورةِ (الواقعةِ).
ورواهُ أبو عوانةَ ويزيدُ بنُ عطاءٍ اليشكريُّ بذكرِ سورتيِ (ق ويس).
ورواهُ شعبةُ بذكرِ قراءةِ الظهرِ، وقالَ: والصبحُ أطولُ من ذلكَ، ولم يُحَدِّدْ سورةً.
ورواهُ حمادُ بنُ سلمةَ، فلم يَذْكُرْ قراءةَ الصبحِ.
قالَ النسائيُّ: سماكُ بنُ حربٍ ليسَ ممن يُعْتَمَدُ عليهِ إذا انْفَرَدَ بالحديثِ اخْتُلِفَ فيهِ على سماكٍ. هذا من حيثُ الإجمالِ، وإليكَ ما يُمْكِنُ تفصيلُهُ:
رواهُ زائدةُ بنُ قدامةَ، عن سماكٍ بهِ، كما في «صحيحِ مسلمٍ» (168-458) و (169-458)، و«مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (3543)، و«مسندِ أحمدَ» (5/ 105)، و«مسندِ أبي يعلى» (7459)، و«المعجمِ الكبيرِ» للطبرانيِّ (2/224) ح 1929، و«مستخرجِ أبي عوانةَ» (1790، 1791)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (526)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (1816)، و«مسندِ السراجِ» (143)، و«السننِ الكبرى» للبيهقيِّ (2/543)، و«مستخرجِ أبي نعيمٍ على مسلمٍ» (1015، 1016)، بلفظِ: (أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفجرِ بـ ق والقرآنِ المجيدِ، وكانتْ صلاتُهُ بعدُ تخفيفاً).
وتابَعَهُ على ذكرِ سورةِ (ق) كلٌّ من إسرائيلَ، وزهيرٍ، وأبي عوانةَ، وجعفرِ بنِ الحارثِ، عن سماكٍ.
فرواهَا مسلمٌ (169-458)، وابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (3543)، وأحمدُ (5/90، 91، 102، 103) من طريقِ يحيى بنِ آدمَ، حدثنَا زهيرٌ، عن سماكٍ بهِ، بلفظِ: (سألتُ جابرَ ابنَ سمرةَ، عن صلاةِ النبيِّ ﷺ فقالَ: كانَ يُخَفِّفُ الصلاةَ ولا يصلي صلاةَ هؤلاءِ. قالَ: وأنبأني: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفجرِ بـ ق والقرآنِ ونحوِهَا).
فقولُهُ: (ونحوِهَا) يَحْتَمِلُ ونحوِهَا من سورِ المفصلِ، ويَحْتَمِلُ بمقدارِهَا من القرآنِ.
ورواهُ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/227) ح 1938، وأبو العباسِ (144) من طريقِ عمروِ بنِ خالدٍ الحرانيِّ، ورواهُ أبو العباسِ السراجُ في مسندِهِ (141) من طريقِ شجاعِ بنِ الوليدِ، ومن طريقِ أبي الوليدِ، ثلاثتُهُمْ، عن زهيرٍ بهِ.
فرواهَا الإمامُ أحمدُ (4/34)، حدثنَا يونسُ، حدثنَا أبو عوانةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن رجلٍ من أهلِ المدينةِ أنَّهُ صلى خلفَ النبيِّ ﷺ، فسمعتُهُ يَقْرَأُ في صلاةِ الفجرِ (ق والقرآنِ المجيدِ ويس والقرآنِ الحكيمِ).
فلم يُسَمِّ الراويَ، وذَكَرَ مع سورةِ ق: (سورةَ يس) وذكرُ سورةِ يس في الحديثِ خطأٌ، لمخالفةِ روايةِ أبي عوانةَ لكلٍّ من زهيرٍ، وزائدةَ، وإسرائيلَ، وجعفرِ بنِ الحارثِ، والحملُ فيهِ على سماكِ بنِ حربٍ، ففي حفظِهِ شيءٌ.
تابَعَ أبا عوانةَ على ذكرِ سورةِ (يس) شعبةُ وأيوبُ بنُ جابرٍ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن جابرِ بنِ سمرةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الصبحِ بـ ﴿يس.﴾
رواهُ الطبرانيُّ في «الأوسطِ» (3903)، قالَ: حدثنَا عليُّ بنِ سعيدٍ الرازيُّ، قالَ: أخبرنَا عبدُ اللهِ ابنُ عمرانَ الأصبهانيُّ، قالَ: أخبرنَا أبو داودَ الطيالسيُّ، قالَ: أخبرنَا شعبةُ وأيوبُ بنُ جابرٍ بهِ.
قالَ الطبرانيُّ:
«لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن سماكٍ إلا شعبةُ وأيوبُ بنُ جابرٍ، ولا رواهُ عنهمَا إلا أبو داودَ، تَفَرَّدَ بهِ: عبدُ اللهِ بنُ عمرانَ.»
وهذهِ روايةٌ منكرةٌ، أيوبُ بنُ جابرٍ ضعيفٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرانَ الأصبهانيُّ: صدوقٌ يُغْرِبُ، وأما شيخُ الطبرانيِّ عليُّ بنِ سعيدٍ الرازيُّ فتكلَّمَ فيهِ الدارقطنيُّ، وأثنى على حفظِهِ ابنُ يونسَ فحديثُهُ لا يَنْزِلُ عن مرتبةِ الحسنِ، وهذهِ الروايةُ مخالفةٌ لروايةِ ابنِ مهديٍّ ومعاذِ بنِ معاذٍ عن شعبةَ، وهوَ المعروفُ من حديثِ شعبةَ، كما سيأتي تخريجُهَا إنْ شاءَ اللهُ.
قالَ الحافظُ في «نتائجِ الأفكارِ»:
«هكذا وَقَعَ -يعني ذكرَ سورةِ يس- في هذهِ الروايةِ، وقد أخرجَهُ مسلمٌ من وجهٍ آخرَ عن شعبةَ بهذا السندِ، بلفظِ: (كانَ يَقْرَأُ في الظهرِ بسبحْ وفي الصبحِ أطولَ من ذلكَ)، فلعلَّ بعضَ الرواةِ حَمَلَ حديثَ أيوبَ بنِ جابرٍ على حديثِ شعبةَ، وأيوبُ بنُ جابرٍ ضعيفٌ.»
فرواهَا الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/239) ح 2000، من طريقِ محمدِ بنِ حسانَ البرجنانيِّ، حدثنَا محمدُ بنِ يزيدَ، حدثنَا جعفرُ بنِ الحارثِ بهِ، بلفظِ: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في صلاةِ الفجرِ بـ(ق))
ومحمدُ بنِ حسانَ البرجنانيُّ، ليسَ لهُ روايةٌ إلا في «المعجمِ الكبيرِ» للطبرانيِّ بحسبِ البحثِ، ولم يَرْوِ عنهُ إلا أسلمُ بنُ سهلٍ الواسطيِّ (بحشلٌ)، وليسَ لهُ إلا ثلاثةُ أحاديثَ كلُّهَا عن شيخِهِ محمدِ بنِ يزيدَ الواسطيِّ، عن جعفرِ بنِ الحارثِ، وكلُّ هذهِ الرواياتِ الثلاثِ متابعٌ عليها، ليسَ فيها ما تُنْكِرُهُ، فلفظُهُ هذا صالحٌ في المتابعاتِ.
فرواهَا الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/251) ح 2025، من طريقِ سعيدِ ابنِ سليمانَ ويحيى الحمانيِّ، كلاهُمَا عن يزيدَ بنِ عطاءٍ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن جابرٍ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يصلي الصلواتِ كنحوٍ من صلاتِكُمْ، كانَ يصلي الظهرَ حينَ تزولُ الشمسُ وكانَ يَقْرَأُ في صلاةِ الفجرِ بـ ق والقرآنِ المجيدِ، ويس ونحوِ ذلكَ.
فالحمانيُّ حافظٌ إلا أنَّهُ مجروحٌ، قدِ اتُّهِمَ بسرقةِ الحديثِ، لكنْ قد تابَعَهُ ثقةٌ، وهوَ سعيدُ بنُ سليمانَ (سعدويه).
ويزيدُ بنِ عطاءٍ هوَ أبو خالدٍ اليشكريُّ ضعيفٌ، وقد زَادَ (سورةَ يس) وهيَ زيادةٌ منكرةٌ.
فأخرجَهَا الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/224) ح 1929، من طريقِ عبدِ الرزاقِ، عن إسرائيلَ بهِ، مقروناً بروايةِ زائدةَ، بلفظِ: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في صلاةِ الفجرِ بـ ق والقرآنِ المجيدِ، وكانتْ صلاتُهُ بعدُ تخفيفاً. وهذا لفظُ زائدةَ، فأخشى أنْ يكونَ الطبرانيُّ حَمَلَ لفظَ إسرائيلَ على لفظِ زائدةَ.
فقد رواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (2720)، وعنهُ أحمدُ (5/104)، والطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/222) ح 1914.
ورواهُ أحمدُ أيضاً (5/104) حدثنَا يحيى بنِ آدمَ، ورواهُ المستغفريُّ في «فضائلِ القرآنِ» (939)، وابنُ خزيمةَ في صحيحِهِ (531)، وابنُ حبانَ في صحيحِهِ (1823)، من طريقِ خلفِ بنِ الوليدِ، والحاكمُ في «المستدركِ» (875) من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ موسى، أربعتُهُمْ (عبدُ الرزاقِ، ويحيى، وخلفٌ، وعبيدُ اللهِ) رَوَوْهُ عن إسرائيلَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، أنَّهُ سَمِعَ جابرَ بنِ سمرةَ يقولُ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلي الصلواتِ كنحوٍ من صلاتِكُمُ التي تصلونَ اليومَ، ولكنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ، كانتْ صلاتُهُ أخفَّ من صلاتِكُمْ، وكانَ يَقْرَأُ في الفجرِ الواقعةَ، ونحوَهَا من السورِ.
فَذَكَرَ سورةَ (الواقعةِ) بدلاً من قافٍ.
قالَ الحاكمُ:
هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، ولم يخرجاهُ، وإنما خَرَّجَ مسلمٌ بإسنادِهِ: كانَ يَقْرَأُ في صلاةِ الفجرِ بالواقعةِ.
تَابَعَ الثوريُّ إسرائيلَ، على ذكرِ سورةِ الواقعةِ، فَخَرَجَ إسرائيلُ من عهدتِهِ.
فقد رواهُ المستغفريُّ في «فضائلِ القرآنِ» (940)، وأبو العباسِ السراجُ في مسندِهِ (140) من طريقِ محمدِ بنِ يوسفَ.
والبيهقيُّ في «السننِ» (3/169) من طريقِ عبدِ الصمدِ بنِ حسانَ، كلاهُمَا عن الثوريِّ، عن سماكِ بنِ حربٍ بهِ. فكانَ الحملُ بذكرِ (سورةِ الواقعةِ) على سماكٍ، فقدِ اضْطَرَبَ في تعيينِ السورةِ.
فرواهُ مسلمٌ (170-459) من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، عن شعبةَ، عن سماكٍ بهِ، بلفظِ: (كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظهرِ بالليلِ إذا يغشى، وفي العصرِ نحوُ ذلكَ. وفي الصبحِ أطولَ من ذلكَ). ولم يَذْكُرِ السورةَ التي يَقْرَأُ فيها بالصبحِ، وزَادَ قراءةَ الظهرِ بـ (الليلِ إذا يغشى).
ومن طريقِ ابنِ مهديٍّ أخرجَهُ أحمدُ (5/101، 108)، والنسائيُّ في «المجتبى» (980)، وفي الكبرى (1054)، والمستغفريُّ في «فضائلِ القرآنِ» (996).
وأخرجَهُ أبو داودَ (806)، والطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/218) ح 1894، من طريقِ معاذِ بنِ معاذٍ، عن شعبةَ بهِ.
ورواهُ الطيالسيُّ، عن شعبةَ، واضْطَرَبَ فيهِ في تعيينِ السورةِ، على أربعةِ ألفاظٍ:
اللفظُ الأولُ: جاءَ بلفظِ: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الظهرِ والعصرِ بـ ﴿الليلِ إذا يغشى،﴾ ونحوِهَا، ويَقْرَأُ في الصبحِ بأطولَ من ذلكَ) بمثلِ روايةِ ابنِ مهديٍّ ومعاذِ بنِ معاذٍ رواهُ عنهُ بهذا اللفظِ يونسُ بنِ حبيبٍ كما في «مسندِ الطيالسيِّ» (800)، ومن طريقِهِ أبو عوانةَ في مستخرجِهِ (1752)، وأبو نعيمٍ في مستخرجِهِ (1017)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/547).
اللفظُ الثاني: جاءَ بلفظِ: (أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظهرِ بـ ﴿سبحْ اسمَ ربِّكَ الأعلى،﴾ وفي الصبحِ بأطولَ من ذلكَ).
رواهُ أحمدُ (5/86، 88).
وابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (3569)، وعنهُ مسلمٌ (460)، ومن طريقِهِ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/220) ح 1905، وأبو نعيمٍ في مستخرجِهِ (1017)، كلاهُمَا (أحمدُ وابنُ أبي شيبةَ) عن أبي داودَ الطيالسيِّ بهِ.
اللفظُ الثالثُ: جاءَ بلفظِ: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الظهرِ والعصرِ بـ ﴿الليلِ إذا يغشى،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحوِهَا، ويَقْرَأُ في الصبحِ بأطولَ من ذلكَ.
أخرجَهُ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (2/218) ح 1893من طريقِ أبي الخطابِ زيادِ بنِ يحيى، وابنُ خزيمةَ في صحيحِهِ (510) أخبرنَا يحيى بنِ حكيمٍ، ويعقوبُ بنِ إبراهيمَ الدورقيُّ، ثلاثتُهُمْ عن أبي داودَ الطيالسيِّ بهِ.
اللفظُ الرابعُ: جاءَ بلفظِ: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الظهرِ والعصرِ بـ ﴿سبحْ اسمَ ربِّكَ الأعلى﴾، ﴿والليلِ إذا يغشى﴾، وفي الصبحِ بأطولَ من ذلكَ).
أخرجَهُ أبو العباسِ السراجُ في مسندِهِ (125) حدثنَا هارونُ بنُ عبدِ اللهِ (الحمالُ)، وعقبةُ بنُ مُكْرَمٍ، قالَا: حدثنَا أبو داودَ بهِ.
رواهُ يزيدُ بنُ هارونَ كما في «مسندِ أحمدَ» (5/103)، و«مستخرجِ الطوسيِّ» (288)، و«مسندِ أبي العباسِ السراجِ» (126)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (989).
وأبو داودَ الطيالسيُّ كما في مسندِهِ (811)، و«مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (3570، 3586)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (1827)، والطبرانيُّ في «الأوسطِ» (3904)، و«السننِ الكبرى» للبيهقيِّ (2/547).
وموسى بنُ إسماعيلَ كما في «سننِ أبي داودَ» (805)، وبهزٌ كما في «مسندِ أحمدَ» (5/106).
وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ كما في «مسندِ أحمدَ» (5/108)، و«المجتبى» من سننِ النسائيِّ (979)، وفي الكبرى لهُ (1053، 11598).
وعفانُ كما في «مسندِ أحمدَ» (5/108)، و«مستخرجِ الطوسيِّ» (288).
قالَ عفانُ في حديثِهِ كما في «مستخرجِ الطوسيِّ»:
لم يَذْكُرْ حديثَ جابرِ بنِ سمرةَ هذا عنهُ أحدٌ غيرُ حمادٍ وهوَ حديثٌ غريبٌ. اهـ
ويونسُ بنُ محمدٍ المؤدبُ، كما في «شرحِ معاني الآثارِ» (1/207)، وهدبةُ بنُ خالدٍ كما في «المعجمِ الكبيرِ» للطبرانيِّ (2/332) ح 1966.
وأبو الوليدِ الطيالسيُّ كما في «سننِ الدارميِّ» (1327).
وحجاجُ بنُ منهالٍ كما في «القراءةِ خلفَ الإمامِ» للبخاريِّ ط دارِ الصميعي (253)، عشرتُهُمْ رَوَوْهُ عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن جابرٍ مرفوعاً، كانَ يَقْرَأُ في الظهرِ والعصرِ بـ﴿السماءِ والطارقِ﴾، ﴿والسماءِ ذاتِ البروجِ﴾ وما شابهَهَا.
والمحفوظُ في تسميةِ السورةِ ما رواهُ ابنُ مهديٍّ ومعاذُ بنِ معاذٍ عن شعبةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، بذكرِ (والليلِ إذا يغشى)، وما وافقَهَا من روايةِ يونسَ بنِ حبيبٍ، عن أبي داودَ الطيالسيِّ، عن شعبةَ بهِ، واللهُ أعلمُ.
وأما روايةُ حمادِ بنِ سلمةَ، عن سماكٍ بهِ بلفظِ: كانَ يَقْرَأُ في الظهرِ والعصرِ بالسماءِ والطارقِ والسماءِ ذاتِ البروجِ، فهيَ روايةٌ شاذةٌ، وحمادٌ قد تَغَيَّرَ بآخرةٍ كما ذكرَهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ، وهوَ ثقةٌ إذا روى عن ثابتٍ وحميدٍ، صدوقٌ إذا روى عن غيرِهِمَا، ما لم يَتَفَرَّدْ أو يُخَالِفْ، واللهُ أعلمُ.
فشعبةُ ذَكَرَ ما يَقْرَأُ في صلاةِ الظهرِ، ثمَّ قالَ: والصبحُ أطولُ من ذلكَ، ولم يُحَدِّدْ سورةً.
والثوريُّ وإسرائيلُ ذَكَرَا سورةَ الواقعةِ.
وزائدةُ وزهيرٌ ذَكَرَا سورةَ ق، فهذا الاختلافُ من قِبَلِ سماكٍ، فإنَّ في حفظِهِ شيئاً، واللهُ أعلمُ.
فرواهُ أحمدُ (6/463)، وعبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في زوائدِهِ على المسندِ (6/463)، وأبو نعيمٍ في «معرفةِ الصحابةِ» (8066)، من طريقِ الحكمِ بنِ موسى.
ورواهُ النسائيُّ في «المجتبى» (949) وفي الكبرى (1023، 11456) من طريقِ عمرانَ بنِ يزيدَ، وابنُ أبي عاصمٍ في «الآحادِ والمثاني» (3363) من طريقِ إبراهيمَ بنِ محمدٍ، والمحامليُّ في أماليهِ (109) من طريقِ أبي المجاهرِ، كلُّهُمْ رَوَوْهُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الرجالِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمرةَ، عن أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ بنِ النعمانِ بهِ، بلفظِ: ما أخذتُ﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من النبيِّ ﷺ كانَ يصلي بها في الصبحِ.
وقد خَالَفَ ابنُ أبي الرجالِ من هوَ أوثقُ منهُ:
فرواهُ سليمانُ بنُ بلالٍ كما في «صحيحِ مسلمٍ» (50-872)، و«سننِ أبي داودَ» (1102)، و«مستخرجِ أبي نعيمٍ» (1958)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/298).
ويحيى بنُ أيوبَ الغافقيُّ كما في «صحيحِ مسلمٍ» (50-872)، و«سننِ أبي داودَ» (1103)، كلاهُمَا روياهُ عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمرةَ، عن أختٍ لعمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ بهِ.
ولفظُ سليمانَ بنِ بلالٍ في مسلمٍ: (أخذتُ ق والقرآنِ المجيدِ) مِنْ فِيِ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الجمعةِ، وهوَ يَقْرَأُ بها على المنبرِ في كلِّ جمعةٍ.
وأختُ عمرةَ من أمِّهَا: هيَ أمُّ هشامٍ بنتِ حارثةَ بنِ النعمانِ.
وقد رواهُ غيرُ عمرةَ عن أمِّ هشامٍ بذكرِ قراءتِهَا على المنبرِ يومَ الجمعةِ مما يُؤَكِّدُ خطأَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الرجالِ.
فرواهُ مسلمٌ (51-873) من طريقِ محمدِ بنِ جعفرٍ، حدثنَا شعبةُ، عن خبيبٍ، عن عبدِ اللهِ ابنِ محمدِ بنِ معنٍ، عن بنتٍ لحارثةَ بنِ النعمانِ، قالتْ: ما حفظتُ ق، إلا من فِي رسولِ اللهِ ﷺ، يَخْطُبُ بها كلَّ جمعةٍ»، قالتْ: وكانَ تنورُنَا وتنورُ رسولِ اللهِ ﷺ واحداً.
وأكتفي بصحيحِ مسلمٍ عن غيرِهِ اختصاراً.
كما رواهُ يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ سعدِ بنِ زرارةَ، عن أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ ابنِ النعمانِ، بلفظِ: لقد كانَ تنورُنَا وتنورُ رسولِ اللهِ ﷺ واحداً، سنتينِ أو سنةً وبعضَ سنةٍ، وما أخذتُ ق والقرآنِ المجيدِ إلا عن لسانِ رسولِ اللهِ ﷺ، يقرؤُهَا كلَّ يومِ جمعةٍ على المنبرِ، إذا خَطَبَ الناسَ.
أخرجَهُ مسلمٌ (52-873) من طريقِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قالَ: حدثني عبدُ اللهِ بنِ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمروِ بنِ حزمٍ الأنصاريُّ، عن يحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ سعدِ بنِ زرارةَ بهِ.
فَتَبَيَّنَ بهذا شذوذُ روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الرجالِ، واللهُ أعلمُ.
وفي هذا الإسنادِ مبهمٌ قد رواهُ الضحاكُ موصولاً عن يحيى بنِ سعيدٍ، أو عن شريكِ بنِ أبي نمرٍ، لا يَدْرِي أيهُمَا حدثَهُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قالَ: ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ من هذا الفتى يعني عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. قالَ الضحاكُ: فكنتُ أصلي وراءَهُ فَيُطِيلُ الأوليينِ من الظهرِ، ويُخَفِّفُ الآخرتينِ، ويُخَفِّفُ العصرَ، ويَقْرَأُ في المغربِ بقصارِ المفصلِ، ويَقْرَأُ في العشاءِ بوسطِ المفصلِ، ويَقْرَأُ في الصبحِ بطوالِ المفصلِ.
أخرجَهُ ابنُ سعدٍ في «الطبقاتِ الكبرى» (5/332)، وأبو طاهرٍ المخلصُ في السادسِ من המخلصياتِ (1264-245) أخبرنَا محمدُ بنِ إسماعيلَ بنِ أبي فديكٍ، عن الضحاكِ بنِ عثمانَ بهِ.
فإنْ كانَ الحديثُ عن يحيى بنِ سعيدٍ، فهوَ صحيحٌ، أو كانَ عن شريكِ بنِ أبي نمرٍ فهوَ حسنٌ، واللهُ أعلمُ.
ورواهُ ابنُ سعدٍ عن شيخِهِ الواقديِّ عن الضحاكِ عن شريكٍ من غيرِ شكٍّ، والواقديُّ أخباريٌّ متروكٌ.
وإسنادُهُ ضعيفٌ، فيهِ عليُّ بنُ زيدِ بنِ جدعانَ، وقدِ اخْتُلِفَ فيهِ:
فرواهُ الثوريُّ كما سَبَقَ.
ورواهُ شريكٌ، كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (3594)، و«شرحِ معاني الآثارِ» للطحاويِّ (1/215)، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن زرارةَ بنِ أوفي، قالَ: أقرأني أبو موسى كتابَ عمرَ: أنِ اقرأْ بالناسِ في المغربِ بآخرِ المفصلِ.
وشريكٌ سَيِّئُ الحفظِ، وقد جعلَهُ من روايةِ عليِّ بنِ زيدٍ، عن زرارةَ بنِ أبي أوفى.
والحارثُ، قالَ فيهِ أحمدُ: لا أرى بهِ بأساً.
وقالَ النسائيُّ: ليسَ بهِ بأسٌ.
وقالَ ابنُ سعدٍ وأبو أحمدَ الحاكمُ: لا نَعْلَمُ أحداً روى عنهُ غَيْرَ ابنِ أختِهِ، زَادَ ابنُ سعدٍ: وكانَ قليلَ الحديثِ. اهـ
وانْفَرَدَ ابنُ المدينيِّ بتجهيلِهِ، ولعلَّهُ بسببِ انفرادِ ابنِ أبي ذئبٍ بالروايةِ عنهُ.
وقد رواهُ عن ابنِ أبي ذئبٍ جماعةٌ، منهم:
وكيعٌ كما في «مسندِ أحمدَ» (2/26).
وحجاجُ بنُ محمدٍ كما في «السننِ المأثورةِ» للشافعيِّ (118، 119).
وحمادُ بنُ خالدٍ، كما في «مسندِ أحمدَ» (2/40، 157).
ويزيدُ بنُ هارونَ، كما في «مسندِ أحمدَ» (2/40)، و«مسندِ أبي يعلى» (5445، 5553)، و«مسندِ السراجِ» (135)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (1817).
وشبابةُ بنُ سوارٍ، كما في «مسندِ أبي يعلى» (5553)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (1817) وخالدُ بنُ الحارثِ كما في «المجتبى» من سننِ النسائيِّ (826)، وفي الكبرى (902، 11368)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (1606).
وأبو عاصمٍ الضحاكُ كما في «مسندِ البزارِ» (6059).
وعثمانُ بنُ عمرَ كما في «صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (1606)، و«السننِ الكبرى» للبيهقيِّ (3/169).
وعليُّ بنُ الجعدِ في مسندِهِ كما في البغوياتِ (2762)، ومن طريقِهِ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (12/306) ح 13194.
وابنُ أبي فديكٍ، كما في «الأوسطِ» لابنِ المنذرِ (4/198)، وفي «المعرفةِ» للبيهقيِّ (4/203)، عشرتُهُمْ رَوَوْهُ عن ابنِ أبي ذئبٍ بهِ.
فقِيلَ: عنهُ، عن شبيبِ بنِ أبي روحٍ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ.
رواهُ الثوريُّ، كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ» (2725)، و«مسندِ أحمدَ» (5/363)، و«المجتبى» من سننِ النسائيِّ (947)، وفي الكبرى لهُ (1021)، و«شعبِ الإيمانِ» للبيهقيِّ (2512)، و«معرفةِ الصحابةِ» لأبي نعيمٍ (7227)، وجزءٍ من حديثِ أبي العباسِ الأصمِّ (ص: 218)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (846).
وقِيلَ: عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، سمعتُ شبيباً أبا روحٍ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ.
رواهُ أحمدُ (3/471)، ومن طريقِهِ الضياءُ في «المختارةِ» (1498)، حدثنَا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدثنَا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ بهِ، بلفظِ: أنَّهُ صلى الصبحَ فَقَرَأَ فيها: بالرومِ فأوهمَ فيها، فقالَ: «وما يمنعُني»، قالَ شعبةُ: فَذَكَرَ الرُّفْغَ ومعنى قولِهِ،: إنكُمْ لستُمْ بمتنظفينَ.
والاختلافُ بينَ هذهِ الروايةِ وروايةِ الثوريِّ باسمِ شبيبٍ، أهوَ بنُ أبي روحٍ، أم هوَ شبيبٌ أبو روحٍ، والخطبُ سهلٌ، لهذا أعتبرُ روايةَ شعبةَ، من روايةِ محمدِ بنِ جعفرٍ عنهُ موافقةً لروايةِ الإمامِ سفيانَ الثوريِّ، واللهُ أعلمُ.
وقِيلَ: عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن شبيبِ بنِ أبي روحٍ، عن الأغرِّ من أصحابِ النبيِّ ﷺ.
رواهُ بكرُ بنُ خلفٍ عن مؤملِ بنِ إسماعيلَ واخْتُلِفَ على بكرٍ فيهِ:
فرواهُ ابنُ أبي عاصمٍ في «الآحادِ والمثاني» (2579)، عن بكرِ بنِ خلفٍ، قالَ: أخبرنَا مؤملٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن شبيبِ بنِ أبي روحٍ عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ كروايةِ الجماعةِ.
ورواهُ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (1/301) ح 881 حدثنَا عليُّ بنِ سعيدٍ الرازيُّ، حدثنَا بكرُ بنِ خلفٍ، حدثنَا مؤملُ بنِ إسماعيلَ، حدثنَا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن شبيبٍ أبي روحٍ، عن الأغرِّ من أصحابِ النبيِّ ﷺ.
وعليُّ بنُ سعيدٍ الرازيُّ، قالَ الدارقطنيُّ:
ليسَ في حديثِهِ كذاكَ… قد حَدَّثَ بأحاديثَ لم يُتَابَعْ عليها، وقد تكلَّمَ فيهِ أصحابُنَا بمصرَ، وأشارَ بيدِهِ، وقالَ: هوَ كذا وكذا، كأنَّهُ ليسَ هوَ بثقةٍ.
وقالَ ابنُ يونسَ: كانَ يَفْهَمُ، ويَحْفَظُ، وقالَ أيضاً: تكلَّمُوا فيهِ.
قالَ ابنُ حجرٍ في «اللسانِ»: لعلَّ كلامَهُمْ فيهِ من جهةِ دخولِهِ في أعمالِ السلطانِ.
وقالَ حمدُ بنُ نصرٍ: سألتُ عنهُ أبا عبدِ اللهِ بنَ أبي خيثمةَ، فقالَ: عشتُ إلى زمانٍ أُسْأَلُ عن مثلِهِ. اهـ فحديثُهُ لا يَنْزِلُ عن مرتبةِ الحسنِ لذاتِهِ.
وقد توبعَ عليُّ بنُ سعيدٍ الرازيُّ، تابَعَهُ زيادُ بنُ يحيى الحسانيُّ كما في «مسندِ البزارِ» (كشفُ الأستارِ- 477)، و«معجمِ الصحابةِ» للبغويِّ (96)، قالَ: حدثنَا مؤملٌ بهِ، وفي «البزارِ»: قالَ: عن الأغرِّ المزنيِّ، وفي «معجمِ الصحابةِ»: عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ من بني غفارٍ، يُقَالُ لهُ: الأغرُّ.
وعلتُهُ مؤملُ بنِ إسماعيلَ سيءُ الحفظِ، وقد تَفَرَّدَ مؤملٌ في تعيينِ صحابيِّ هذا الحديثِ، وقد رواهُ محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، فلم يَنْسُبْهُ، كما رواهُ الثوريُّ عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، ولم يَنْسُبْهُ، وهوَ المعروفُ، واللهُ أعلمُ.
وقِيلَ: عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن أبي روحٍ، أنَّهُ صلى مع النبيِّ ﷺ الصبحَ فَقَرَأَ سورةَ الرومِ… وذَكَرَ نحوَهُ.
رواهُ زائدةُ بنُ قدامةَ كما في «مسندِ أحمدَ» (3/472).
وشريكٌ النخعيُّ كما في «مسندِ أحمدَ» (3/471).
وعبيدةُ بنُ حميدٍ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (34).
وأبو حمزةَ (هوَ محمدُ بنُ ميمونٍ السكريُّ) كما في «فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (845).
وجريرٌ (هوَ ابنُ عبدِ الحميدِ) كما في «أمالي المحامليِّ» (179).
وأبو الأشهبِ (هوَ جعفرُ بنُ حيانَ العطارديُّ) كما في «معجمِ الصحابةِ» لابنِ قانعٍ (3/132). ستتُهُمْ رَوَوْهُ عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن أبي روحٍ، قالَ: صلى بنَا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الصبحِ فَقَرَأَ بسورةِ الرومِ، وقالَ أبو أشهبَ، فَقَرَأَ سورةَ النورِ.
وأبو روحٍ قد ذكرَهُ ابنُ قانعٍ في الصحابةِ اعتماداً على هذهِ الروايةِ، والأصحُّ أنَّهُ ليسَ صحابياً، وروايتُهُ عن التابعينَ، وإذا كانَ كذلكَ كانَ قولُهُ: (أنَّهُ صلى مع النبيِّ ﷺ..). وهماً.
وقِيلَ: عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأَ في الفجرِ يومَ الجمعةِ بسورةِ الرومِ.
رواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (2730)، ومن طريقِهِ المستغفريُّ في «فضائلِ القرآنِ» (847).
هذهِ الطرقُ مختلفةٌ، فتارةً يرويهِ عبدُ الملكِ عن شبيبٍ عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ.
وتارةً يرويهِ عبدُ الملكِ عن شبيبٍ أنَّهُ صلى مع النبيِّ ﷺ.
وتارةً عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ.
فإنْ كانَ هناكَ ترجيحٌ فروايةُ الثوريِّ وروايةُ شعبةَ الموافقةُ لهُ من روايةِ محمدِ بنِ جعفرٍ عنهُ، هيَ أقوى طرقِ هذا الحديثِ.
وإلا فالأقربُ أنَّ الحديثَ قدِ اضْطَرَبَ فيهِ عبدُ الملكِ بنِ عميرٍ.
وشبيبٌ أبو روحٍ قد روى لهُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ، وقد روى عنهُ حريزُ بنُ عثمانَ، وقد قالَ أبو داودَ: شيوخُ حريزِ بنِ عثمانَ كلُّهُمْ ثقاتٌ، فإنْ كانَ يُمْكِنُ الاعتمادُ على مثلِ هذا التوثيقِ العامِّ كانَ ذلكَ توثيقاً لشبيبٍ، وإنْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ كلامُ أبي داودَ في الجملةِ، أو في شيوخِهِ قد أَكْثَرَ الروايةَ عنهُمْ، فليسَ لهُ كبيرُ حديثٍ عن شبيبٍ، ولم أَقِفْ لهُ إلا على حديثٍ واحدٍ، وهوَ حديثُ: (الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيةٌ).
وقد ذكرَهُ البخاريُّ في «التاريخِ الكبيرِ» (2621) ولم يَذْكُرْ فيهِ جرحاً ولا تعديلاً.
وذكرَهُ ابنُ خلفونَ في الثقاتِ، ووثَّقَهُ ابنُ حجرٍ في التقريبِ.
وقالَ أبو الحسنِ القطانُ عن شبيبٍ في كتابِهِ «الوهمِ والإيهامِ» (5/31):
«رجلٌ لا يُعْرَفُ لهُ حالٌ، وغايةُ ما رُفِعَ بهِ من قدرِهِ أنَّهُ روى عنهُ شعبةُ وعبدُ الملكِ بنِ عميرٍ.»
وللم أَقِفْ لهُ على روايةٍ يرويها عنهُ شعبةُ، ولم يَذْكُرْ أحدٌ شعبةَ من تلاميذِهِ، فلعلَّهُ قَصَدَ أنَّهُ روى شعبةُ عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ عنهُ، وعلى كلِّ حالٍ، فإنْ نَجَا الحديثُ من شبيبٍ، ولا إخالُهُ، فإنَّ الحملَ فيهِ على عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ فقدِ اضْطَرَبَ فيهِ كما رأيتَ، فالحديثُ ضعيفٌ.
والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/544)، وفي «المعرفةِ» (3/332)، من طريقِ الشافعيِّ، كلاهُمَا (ابنُ أبي شيبةَ والشافعيُّ) عن ابنِ عيينةَ.
ورواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (2711)، ومن طريقِهِ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (2/375)، عن معمرٍ، كلاهُمَا (ابنِ عيينةَ ومعمرٌ) عن الزهريِّ بهِ.
وسندُهُ في غايةِ الصحةِ.
ورواهُ الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» (1/182) من طريقِ ابنِ لهيعةَ، قالَ: حدثنَا عبيدُ اللهِ ابنُ المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ جزءٍ الزبيديِّ، قالَ: صلى بنَا أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- صلاةَ الصبحِ، فَقَرَأَ بسورةِ البقرةِ في الركعتينِ جميعاً، فلما انْصَرَفَ، قالَ لهُ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: كادتِ الشمسُ تَطْلُعُ. قالَ: لو طَلَعَتْ لم تَجِدْنَا غافلينَ. وهذا سندٌ صالحٌ في المتابعاتِ.
ورواهُ مالكٌ في «الموطأِ» (1/82)
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (3713)، حدثنَا عبدةُ ووكيعٌ، ثلاثتُهُمْ عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، أنَّ أبا بكرٍ الصديقَ صلى الصبحَ فَقَرَأَ فيها سورةَ البقرةِ، في الركعتينِ كلتيهِمَا.
وهوَ منقطعٌ، عروةُ لم يُدْرِكْ أبا بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ: صدوقٌ. «الجرحُ والتعديلُ» (5/235).
وذكرَهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ، وقالَ: ربما أخطأَ.
وقد رواهُ هشامٌ الدستوائيُّ، عن قتادةَ، عن أنسٍ.
رواهُ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (1/557) من طريقِ أبي سعيدٍ: عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ الرازيِّ، حدثنَا محمدُ بنِ أيوبَ، حدثنَا مسلمُ بنِ إبراهيمَ، حدثنَا هشامٌ، حدثنَا قتادةُ بهِ. وهذهِ متابعةٌ جيدةٌ.
أبو سعيدٍ الرازيُّ: قالَ عنهُ الذهبيُّ: رواياتُهُ مستقيمةٌ، ولم أرَ أحداً ضعفَهُ. «تاريخُ الإسلامِ» (8/535).
ومحمدُ بنُ أيوبَ، قالَ عنهُ ابنُ أبي حاتمٍ في «الجرحِ والتعديلِ» (7/198): كتبنَا عنهُ، وكانَ ثقةً صدوقاً.
قالُوا: حدثنَا شعبةُ بهِ.
ورواهُ مسلمٌ (265-814) من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسٍ بهِ، بلفظِ: (أنْزَلَ أو أُنْزِلَتْ عليَّ آياتٌ لم يُرَ مثلُهُ قطُّ المعوذتينِ).
فهذا الطريقُ هوَ أصحُّ طريقٍ رُوِيَ فيهِ حديثُ عقبةَ، إلا أنْ يُحْمَلَ حديثُ عقبةَ على أنَّهُ رواياتٌ متعددةٌ، وليستْ حديثاً واحداً، كما رَجَّحَهُ الحاكمُ في «المستدركِ»، واللهُ أعلمُ، وسوفَ أُخَرِّجُ لكَ بعضَ طرقِ هذا الحديثِ لِأُبَُيِّنَ لكَ الاختلافَ في أسانيدِهِ، ولفظِهِ.
فقِيلَ: عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ مولى معاويةَ، عن عقبةَ.
رواهُ معاويةُ بنِ صالحٍ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ،
فقِيلَ: عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
تَابَعَ عبدُ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، العلاءَ بنَ الحارثِ، فرواهُ عن القاسمِ، عن عقبةَ.
وقِيلَ: عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن مكحولٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، ومكحولٌ لم يَسْمَعْ من عقبةَ بنِ عامرٍ.
وقِيلَ: معاويةُ بنِ صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نفيرٍ، عن أبيهِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
وقد تَابَعَ خالدُ بنُ معدانَ عبدَ الرحمنِ بنِ جبيرٍ، فرواهُ عن جبيرِ بنِ نفيرٍ، عن عقبةَ.
هذا ملخصُ الاختلافِ على معاويةَ بنِ صالحٍ، وإليكَ تفصيلُ هذا الاختلافِ عليهِ:
فرواهُ ابنُ وهبٍ كما في «سننِ أبي داودَ» (1462)، و«المجتبى» من سننِ النسائيِّ (5436)، وفي الكبرى (7799)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/552).
وزيدُ بنُ الحبابِ كما في «مسندِ أحمدَ» (4/149)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (535)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/552)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (1107)، و«مسندِ عقبةَ بنِ عامرٍ» لابنِ قُطْلُوْبَغَا (86).
وبشرُ بنُ السَّرِيِّ كما في «تاريخِ المدينةِ» لابنِ شبةَ (3/ 1011).
وأسدُ بنُ موسى، كما في «المعجمِ الكبيرِ» للطبرانيِّ (17/335) ح 926.
وعبدُ اللهِ بنِ صالحٍ، كما في «المعجمِ الكبيرِ» للطبرانيِّ (17/335) ح 926، وفي «مسندِ الشاميينَ» للطبرانيِّ (1987)، وأبو زرعةَ الدمشقيُّ في «تاريخِ أبي زرعةَ» (ص: 500)، خمستُهُمْ رَوَوْهُ عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
ورواهُ عبدُ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:
فرواهُ أحمدُ في «المسندِ» (4/153)، ومن طريقِهِ الحاكمُ في «المستدركِ» (877)، وهوَ في «مسندِ عقبةَ بنِ عامرٍ» لابنِ قطلوبغا (87).
وعبدُ اللهِ بنِ هاشمٍ، كما في «صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (533)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (1106)، كلاهُمَا (أحمدُ وابنُ هاشمٍ) عن ابنِ مهديٍّ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، كروايةِ الجماعةِ.
خَالَفَهُمَا محمدُ بنُ بشارٍ، كما في «المجتبى» من سننِ النسائيِّ (5435)، وفي الكبرى (7800)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (1129)، فرواهُ عن ابنِ مهديٍّ، قالَ: حدثنَا معاويةُ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن مكحولٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ بهما في صلاةِ الصبحِ.
وتَابَعَ ابنُ بشارٍ على إسنادِهِ دونَ لفظِهِ عمروُ بنُ عليٍّ الفلاسُ، كما في سننِ النسائيِّ الكبرى (7801)، فرواهُ عن ابنِ مهديٍّ، قالَ: حدثنَا معاويةُ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن مكحولٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ في صلاةِ الصبحِ( بحم )السجدةِ.
فالخطأُ من معاويةَ بنِ صالحِ بنِ حديرٍ الحضرميِّ الحمصيِّ قاضي الأندلسِ، وثَّقَهُ أحمدُ وابنُ مهديٍّ والنسائيُّ، وأبو زرعةَ، وابنُ سعدٍ، وابنُ حبانَ.
واخْتُلِفَ قولُ يحيى بنِ معينٍ، فقالَ عنهُ مرةً: ثقةٌ، وقالَ في أخرى: ليسَ بمرضيٍّ، وقالَ أيضاً: صالحٌ.
وكانَ يحيى بنُ سعيدٍ يضعفُهُ ولا يرضاهُ. قالَ ابنُ حجرٍ في مقدمةِ «الفتحِ» (1/424): يحيى بنُ سعيدٍ شديدُ التعنتِ في الرجالِ، لا سيما من كانَ من أقرانِهِ. اهـ
وقالَ أبو حاتمٍ: صالحُ الحديثِ، حسنُ الحديثِ، يُكْتَبُ حديثُهُ، ولا يُحْتَجُّ بهِ.
وأخرجَ لهُ مسلمٌ إلا أنَّ أكثرَهَا في المتابعاتِ والشواهدِ.
وقالَ يعقوبُ بنُ شيبةَ: قد حَمَلَ الناسُ عنهُ.
ومنهم من يرى أنَّهُ وسطٌ، ليسَ بالثبتِ، ولا بالضعيفِ.
ومنهم من يضعفُهُ، وقالَ ابنُ خراشٍ: صدوقٌ. اهـ وهوَ الأقربُ إلا أنَّ لهُ غرائبَ وأوهاماً وتفرداتٍ، قالَ ابنُ عديٍّ: لهُ حديثٌ صالحٌ، وما أرى بحديثِهِ بأساً، وهوَ عندي صدوقٌ، إلا أنَّهُ يَقَعُ في حديثِهِ إفراداتٌ.
اهـ فالمحفوظُ ما رواهُ الجماعةُ، عنهُ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن القاسمِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
والقاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ وثَّقَهُ ابنُ معينٍ، وابنُ المدينيِّ ويعقوبُ بنُ سفيانَ، والترمذيُّ، وقالَ أبو حاتمٍ: حديثُ الثقاتِ عنهُ مستقيمٌ، لا بأسَ بهِ، وإنما يُنْكَرُ عنهُ الضعفاءُ.
وقالَ البخاريُّ كما في «تهذيبِ التهذيبِ» (8/323):
«…. روى عنهُ العلاءُ بنُ الحارثِ، وابنُ جابرٍ، وكثيرُ بنُ الحارثِ، ويحيى بنُ الحارثِ، وسليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ أحاديثَ مقاربةً، وأما من يَتَكَلَّمُ فيهِ، مثلَ: جعفرِ بنِ الزبيرِ، وبشرِ بنِ نميرٍ، وعليِّ بنِ زيدٍ، وغيرِهِمْ، ففي حديثِهِمْ عنهُ مناكيرُ واضطرابٌ.»
وقالَ الإمامُ أحمدُ كما في «الجرحِ والتعديلِ» (7/113):
«ما أرى هذا إلا من قِبَلِ القاسمِ.»
وقالَ ابنُ حبانَ كما في «المجروحينَ» (2/211):
«كانَ ممن يروي عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ المعضلاتِ، ويأتي عن الثقاتِ بالأشياءِ المقلوباتِ حتى يَسْبِقَ إلى القلبِ أنَّهُ كانَ المتعمدَ لها.» وقد توبعَ في هذا الحديثِ كما سيتبينُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وفي إسنادِهِ العلاءُ بنُ الحارثِ، ثقةٌ إلا أنَّهُ قدِ اخْتَلَطَ، ولم يَتَمَيَّزْ لي من سَمِعَ منهُ قبلَ الاختلاطِ ممن سَمِعَ منهُ بعدَهُ إلا أنَّهُ قد توبعَ.
تابَعَهُ عليهِ عبدُ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ (ثقةٌ)، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، أنَّهُ بينمَا أنا أقودُ برسولِ اللهِ ﷺ في نقبٍ من تينكَ النقابِ، إذ قالَ: «ألا تَرْكَبُ يا عقبُ؟» فأجللتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنْ أَرْكَبَ مركبَ رسولِ اللهِ ﷺ، ثمَّ قالَ: «ألا تَرْكَبُ يا عقبُ؟» فأشفقتُ أنْ تكونَ معصيةً، فَنَزَلَ، وركبتُ هنيهةً، ثمَّ نزلتُ ورَكِبَ رسولُ اللهِ ﷺ، ثمَّ قالَ: «ألا أُعَلِّمُكَ سورتينِ من خيرِ سورتينِ قَرَأَ بهما الناسُ؟» فأقرأني (قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ) و( قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ)، وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فَتَقَدَّمَ، فَقَرَأَ بهما، ثمَّ مَرَّ بي، فقالَ: «كيفَ رأيتَ يا عقبُ؟ اقرأْ بهما كلمَا نِمْتَ وقمتَ». اهـ أيْ كلمَا اضطجعتَ للنومِ وقمتَ منهُ.
رواهُ أحمدُ (4/144).
وأبو يعلى في مسندِهِ (1736) حدثنَا أبو خيثمةَ.
والنسائيُّ في «المجتبى» (5437) وفي الكبرى (7794)، أخبرني محمودُ بنُ خالدٍ، وابنُ خزيمةَ (534) أخبرنَا أبو عمارٍ، وعليُّ بنُ سهلٍ الرمليِّ.
والطحاويُّ في «مشكلِ الآثارِ» (124) من طريقِ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ الواسطيِّ، والطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (596) من طريقِ عمروِ بنِ عثمانَ، والمستغفريُّ في «فضائلِ القرآنِ» (1102) من طريقِ محمدِ بنِ ميمونٍ الخياطِ، كلُّهُمْ رَوَوْهُ عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، حدثنَا عبدُ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، حدثني القاسمُ بنِ عبدِ الرحمنِ بهِ.
تابَعَ الوليدَ بنَ مسلمٍ كلٌّ من:
صدقةَ بنِ خالدٍ كما في «عملِ اليومِ والليلةِ» لابنِ السنيِّ (ص: 684)، و«أمالي ابنِ سمعونَ الواعظِ» (233).
وعبدِ اللهِ بنِ المباركِ، كما في «السننِ الكبرى» للنسائيِّ (7795، 10659).
وبشرِ بنِ بكرٍ (هوَ التنيسيُّ) كما في «شرحِ مشكلِ الآثارِ» للطحاويِّ (125)، ثلاثتُهُمْ رَوَوْهُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ بهِ.
خَالَفَ كلَّ هؤلاءِ سفيانُ الثوريُّ، فرواهُ عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ، عن أبيهِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
رواهُ أبو أسامةَ حمادُ بنِ أسامةَ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (30210)، و«مسندِ أبي يعلى» (1734)، وسننِ النسائيِّ (952، 5434)، والكبرى لهُ (1026، 7802)، وصحيحِ ابنِ خزيمةَ (536)، والحاكمِ في «المستدركِ» (876، 2083)، و«أمالي ابنِ بشرانَ» (286)، و«السننِ الكبرى» للبيهقيِّ (2/522)، والمستغفريِّ في «فضائلِ القرآنِ» (1109، 1130، 1131)، عن سفيانَ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ بهِ، أنَّهُ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن المعوذتينِ [زَادَ: المستغفريُّ وابنُ خزيمةَ والحاكمُ: أمن القرآنِ هما؟]، قالَ عقبةُ: فَأَمَّنَا رسولُ اللهِ ﷺ بهما في صلاةِ الفجرِ.
تابَعَ حماداً زيدُ بنُ أبي الزرقاءِ، كما في «فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (1108)، و«مسندِ الرويانيِّ» (244)، وصحيحِ ابنِ خزيمةَ (536)، وصحيحِ ابنِ حبانَ (1818)، فرواهُ عن الثوريِّ بهِ.
وقد توبعَ عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ، تابَعَهُ خالدُ بنُ معدانَ، عن جبيرِ بنِ نفيرٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: أهديتُ للنبيِّ ﷺ بغلةً شهباءَ، فركبَهَا، فأخذَ عقبةُ يقودُهَا، فقالَ رسولُ ﷺ لعقبةَ : «اقرأْ»، قالَ: وما أقرأُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «اقرأْ (قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ من شرِّ ما خلقَ)» فأعادَهَا عليَّ حتى قرأتُهَا، فَعَرَفَ أني لم أَفْرَحْ بها جِدًّا، فقالَ: «لعلَّكَ تهاونتَ بها، فما قمتَ تصلي بمثلِهَا».
رواهُ أحمدُ (4/149)، والطحاويُّ في «مشكلِ الآثارِ» (126)، والطبرانيُّ في «الكبيرِ» (17/337) ح 930، عن حيوةَ بنِ شريحٍ.
والنسائيُّ في «المجتبى» (5433)، وفي الكبرى (7793)، أخبرني عمروُ بنِ عثمانَ.
والطبرانيُّ في «الكبيرِ» (17/337) ح 930، من طريقِ عليِّ بنِ بحرٍ، وفي «مسندِ الشاميينَ» (1155) من طريقِ عيسى بنِ المنذرِ، أربعتُهُمْ، رَوَوْهُ عن بقيةَ، قالَ: حدثنَا بحيرُ بنُ سعدٍ، عن خالدِ بنِ معدانَ بهِ.
فهذا إسنادٌ حسنٌ، ومتابعةٌ في الجملةِ لروايةِ الثوريِّ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ، عن أبيهِ إلا أنَّهُ اقْتَصَرَ على سورةِ الفلقِ، ولم يَذْكُرْ أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى بها، وإنما حَرَّضَ على الصلاةِ بها، حيثُ قالَ: «ما قمتَ تصلي بمثلِهَا».
وفي روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نفيرٍ، عن أبيهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صلاةِ الغداةِ (قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ) و (قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ)، وليسَ فيهِ أنَّ ذلكَ في السفرِ.
وفي بعضِهَا أنَّ عقبةَ طَلَبَ من النبيِّ ﷺ أنْ يقرئَهُ سورةَ هودٍ أو يوسفَ، فأخبرَهُ النبيُّ ﷺ أنكَ لن تَقْرَأَ سورةً أحبَّ إلى اللهِ ولا أبلغَ عندَهُ من أنْ تَقْرَأَ سورةَ الفلقِ.
وفي بعضِ الرواياتِ سِيقَ الحديثُ بالتعوذِ بسورةِ الفلقِ والناسِ، وليسَ فيهِ الصلاةُ بهما، وفي بعضِ الرواياتِ قراءتُهُمَا في الصبحِ والمساءِ، وفي روايةٍ: إذا نمتَ وإذا قمتَ.
ولولا أنَّ أبا حاتمٍ وأبا زرعةَ الرازيَّ والدمشقيَّ وأحمدَ بنِ صالحٍ صححُوهُ من طريقِ معاويةَ بنِ صالحٍ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ، عن القاسمِ، عن عقبةَ لقلتُ: إنَّ المحفوظَ هوَ روايةُ مسلمٍ، وما عداهُ مضطربٌ، وهم أعلمُ، واللهُ تعالى الأعلمُ.
رواهُ معاذُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ (قالَ الدارقطنيُّ: ليسَ بذاكَ، ووثَّقَهُ أبو داودَ ويحيى بنُ معينٍ، وقالَ ابنُ حجرٍ: صدوقٌ ربما وهمَ)، عن أبيهِ (لهُ صحبةٌ)، عن عقبةَ، وقِيلَ: عن أبيهِ مرفوعاً بإسقاطِ عقبةَ بنِ عامرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
ورواهُ معاذُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:
فرواهُ عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ بنِ أبي سلمةَ الأسلميِّ (ثقةٌ)، عن معاذٍ، واخْتُلِفَ على الأسلميِّ في إسنادِهِ:
فرواهُ الدراورديُّ (صدوقٌ صحيحُ الكتابِ) كما في «المجتبى» من سننِ النسائيِّ (5430)، وفي الكبرى لهُ (7797)، و«المعجمِ الكبيرِ» للطبرانيِّ (17/346) ح 952، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ، عن أبيهِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجهنيِّ، قالَ: بينَا أنا أقودُ برسولِ اللهِ ﷺ راحلتَهُ في غزوةٍ إذ قالَ: «يا عقبةُ، قلْ». فاستمعتُ، ثمَّ قالَ: «يا عقبةُ، قلْ». فاستمعتُ، فقالَهَا الثالثةَ، فقلتُ: ما أقولُ؟، فقالَ: «قلْ هوَ اللهُ أحدٌ» فَقَرَأَ السورةَ حتى ختمَهَا، ثمَّ قَرَأَ: «قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ». وقرأتُ معهُ حتى ختمَهَا، ثمَّ قَرَأَ: «قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ»، فقرأتُ معهُ حتى ختمَهَا، ثمَّ قالَ: «ما تعوذَ بمثلِهِنَّ أحدٌ».
خَالَفَهُ: خالدُ بنُ مخلدٍ القطوانيُّ (صدوقٌ يتشيعُ ولهُ أفرادٌ)، كما في «المجتبى» من سننِ النسائيِّ (5431)، وفي الكبرى (7803) فرواهُ عن عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ الأسلميِّ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ خبيبٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ بهِ. وأَسْقَطَ من إسنادِهِ عبدَ اللهِ بنَ خبيبٍ.
ورواهُ زيدُ بنُ أسلمَ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ، عن أبيهِ، كنتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ في طريقِ مكةَ، فأصبتُ خلوةً من رسولِ اللهِ ﷺ، فدنوتُ منهُ، فقالَ: «قلْ»: فقلتُ: ما أقولُ؟ قالَ: «قلْ». قلتُ: ما أقولُ. قالَ: «قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ» حتى ختمَهَا. ثمَّ قالَ: «قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ» حتى ختمَهَا، ثمَّ قالَ: «ما تعوذَ الناسُ بأفضلَ منها».
فجعلَهُ من مسندِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ، لا من مسندِ عقبةَ بنِ عامرٍ -رضيَ اللهُ عنهما-.
رواهُ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أبي كثيرٍ كما في «فضائلِ القرآنِ» لابنِ سلامٍ (ص: 270)، و«معجمِ الصحابةِ» للبغويِّ (1677)، و«المكتفى في الوقفِ والابتداءِ» لأبي عمروٍ الداني (ص: 245).
وحفصُ بنُ ميسرةَ كما في «المجتبى» من سننِ النسائيِّ (5429)، و«السننِ الكبرى» (7809)، و«معرفةِ الصحابةِ» لأبي نعيمٍ (4096).
وروحُ بنُ القاسمِ كما في «المعجمِ الأوسطِ» للطبرانيِّ (2796)، و«معجمِ الصحابةِ» لابنِ قانعٍ (2/115)، وخارجةُ بنُ مصعبٍ (متروكٌ) كما في الأولِ من حديثِ أبي عليِّ بنِ شاذانَ (30)، كلُّهُمْ رَوَوْهُ عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ عن أبيهِ.
ورواهُ أسيدُ بنُ أبي أسيدٍ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيهِ، قالَ: أصابَنَا طَشٌّ وظلمةٌ، فانتظرنَا رسولَ اللهِ ﷺ ليصليَ لنَا، فَخَرَجَ فأخذَ بيدي، فقالَ: «قلْ». فَسَكَتُّ. قالَ: «قلْ»: قلتُ: ما أقولُ؟ قالَ: «قلْ هوَ اللهُ أحدٌ، والمعوذتينِ حينَ تُمْسِي وحينَ تُصْبِحُ ثلاثاً تَكْفِيكَ كلَّ يومٍ مرتينِ».
هذا لفظُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ في زوائدِ المسندِ.
وفي روايةٍ لأبي داودَ والترمذيِّ والنسائيِّ : «تَكْفِيكَ من كلِّ شيءٍ».
رواهُ الضحاكُ بنُ مخلدٍ كما في زوائدِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ في «المسندِ» (5/312)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (1110، 1111)، و«الطبقاتِ الكبرى» لابنِ سعدٍ (4/351)، و«معرفةِ الصحابةِ» لأبي نعيمٍ (3/1630).
وابنُ أبي فديكٍ كما في «سننِ أبي داودَ» (5082)، و«سننِ الترمذيِّ» (3575)، و«سننِ النسائيِّ» (5428)، و«السننِ الكبرى» لهُ (7811)، و«مسندِ عبدِ بنِ حميدٍ» كما في المنتخبِ (494)، وابنُ أبي عاصمٍ في «الآحادِ والمثاني» (2572)، و«عملِ اليومِ والليلةِ» لابنِ السنيِّ (81)، و«الدعواتِ الكبيرِ» للبيهقيِّ (45)، و«الطبقاتِ الكبرى» لابنِ سعدٍ (4/351)، و«معرفةِ الصحابةِ» لابنِ مندهْ (ص: 491)، و«معرفةِ الصحابةِ» لابي نعيمٍ (2/989).
وعبدُ اللهِ بنُ وهبٍ كما في «تلخيصِ المتشابهِ» للخطيبِ (1/198)، ثلاثتُهُمْ عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن أسيدِ بنِ أبي أسيدٍ بهِ.
وقد زَادَ أسيدٌ في الحديثِ التعوذَ بالسورِ الثلاثِ في الصباحِ والمساءِ، ولم يَذْكُرْ أحدٌ غيرُهُ ذكرَ الصباحِ والمساءِ.
فصَارَ حديثُ معاذِ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ خبيبٍ، عن أبيهِ، تارةً يرويهِ من مسندِ عقبةَ بنِ عامرٍ، وتارةً يرويهِ من مسندِ خبيبٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، هذا من جهةِ الاختلافِ في السندِ، وهوَ ليسَ مؤثراً؛ غايتُهُ أنْ يكونَ مسندُ خبيبٍ مرسلَ صحابيٍّ، وهوَ لا يَضُرُّ على الصحيحِ.
ومن جهةِ الاختلافِ في المتنِ، فليسَ فيهِ الصلاةُ في المعوذتينِ موضعُ الشاهدِ، وقد رُوِيَ بثلاثةِ ألفاظٍ:
اللفظُ الأولُ: جاءَ بالتعوذِ بسورةِ الإخلاصِ والمعوذتينِ من مسندِ عقبةَ بنِ عامرٍ.
اللفظُ الثاني: وجاءَ بالتعوذِ بالمعوذتينِ من مسندِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ.
اللفظُ الثالثُ: التعوذُ بالسورِ الثلاثِ حينَ تُصْبِحُ وحينَ تُمْسِي.
فإنِ اعتبرنَا هذا الحديثَ حديثاً آخرَ لعقبةَ بنِ عامرٍ غيرَ حديثِهِ في القراءةِ بالمعوذتينِ في صلاةِ السفرِ كانَ المحفوظُ فيهِ: أنَّهُ من مسندِ عقبةَ بنِ عامرٍ، وفي التعوذِ بالمعوذتينِ، أما ذكرُ سورةِ الإخلاصِ، والتعوذِ بها صباحاً ومساءً فغيرُ محفوظٍ.
وإنِ اعتبرنَاهُ حديثاً واحداً، كانَ هذا اللفظُ برواياتِهِ الثلاثِ شاذًّا، لمخالفتِهِ روايةَ القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ وجبيرِ بنِ نفيرٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، واللهُ أعلمُ.
رواهُ سعيدُ بنِ أبي سعيدٍ المقبريُّ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:
فقِيلَ: عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيهِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
رواهُ أبو داودَ في «السننِ» (1463)، والطحاويُّ في «المشكلِ» (127)، والطبرانيُّ في «الكبيرِ» (17/345) ح 950، والبيهقيُّ في «السننِ» (2/552) من طريقِ محمدِ بنِ سلمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيهِ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: بينَا أنا أسيرُ مع رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الجحفةِ والأبواءِ، إذا غشيتنَا ريحٌ وظلمةٌ شديدةٌ، فَجَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ يتعوذُ بـ (أعوذُ بربِّ الفلقِ) و(أعوذُ بربِّ الناسِ). وهوَ يقولُ: «يا عقبةُ، تعوذْ بهما»، فما تعوذَ بمثلِهِمَا، قالَ: وسمعتُهُ يَؤُمُّنَا بهما في الصلاةِ.
ومحمدُ بنِ سلمةَ ثقةٌ معروفٌ بالروايةِ عن ابنِ إسحاقَ.
وقِيلَ: عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبريِّ، عمن حدثَهُ عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
رواهُ الحميديُّ في مسندِهِ (874)، قالَ: حدثنَا سفيانُ (هوَ ابنُ عيينةَ)، قالَ: حدثنَا محمدُ بنِ عجلانَ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبريِّ، عمن حدثَهُ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: تهبَّطتُ مع النبيِّ ﷺ من ثنيةٍ، فقالَ لي: «قلْ يا عقبةُ»، فقلتُ: ما أقولُ يا رسولَ اللهِ؟، وتفرقنَا، فقلتُ: اللهمَّ رُدَّهَا عليَّ من نبيِّكَ، ثمَّ التَقَيْنَا، فقالَ لي: «قلْ يا عقبةُ»، فقلتُ: ما أقولُ يا رسولَ اللهِ؟ ثمَّ تفرقنَا، فقلتُ: اللهمَّ رُدَّهَا عليَّ من نبيِّكَ، ثمَّ التَقَيْنَا، فقالَ لي: «قلْ يا عقبةُ»، فقلتُ: ما أقولُ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: «(قلْ هوَ اللهُ أحدٌ)، و(قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ)، و(قلْ أعوذُ بربِّ الناسِ)، ما تعوذَ متعوذٌ ولا استعاذَ مستعيذٌ بمثلِهِنَّ قطُّ». ولم يَذْكُرْ ابنُ عيينةَ الصلاةَ بها موضعَ الشاهدِ، وزَادَ سورةَ الإخلاصِ، وزيادتُهَا شاذةٌ.
وقِيلَ: عن سعيدٍ المقبريِّ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، بإسقاطِ الواسطةِ.
رواهُ الليثُ بنِ سعدٍ كما في «المجتبى» من سننِ النسائيِّ (5438)، وفي الكبرى لهُ (7789، 8009)، و«سننِ الدارميِّ» (3483)، و«فضائلِ القرآنِ» للمستغفريِّ (1103)، والبيهقيِّ في الشعبِ (2329).
وسليمانُ بنُ حيانَ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (29604)، كلاهُمَا عن محمدِ بنِ عجلانَ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ.
فصَارَ ابنُ عجلانَ تارةً يرويهِ عن سعيدٍ المقبريِّ، عمن حدثَهُ عن عقبةَ، كروايةِ ابنِ عيينةَ عنهُ.
وتارةً يرويهِ عن سعيدٍ المقبريِّ، عن ابنِ عجلانَ.
وقد رواهُ ابنُ إسحاقَ عن سعيدٍ المقبريِّ بتعيينِ الواسطةِ، فقالَ: عنهُ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ ولعلَّ هذا هوَ المحفوظُ من حديثِ سعيدٍ المقبريِّ، وهيَ تُرَجِّحُ روايةَ ابنِ عيينةَ، عن ابنِ عجلانَ، غايتُهُ أنَّهُ أَبْهَمَ الواسطةَ، وابنُ إسحاقَ عينَهَا، واللهُ أعلمُ.
وقد قالَ يحيى بنُ سعيدٍ: سمعتُ محمدَ بنلا يمكنني مساعدتك في ذلك؛ لأنني نموذج لغوي وليست لديَّ المعلومات والقدرات اللازمة.


