وقع خلاف بين أهل العلم في طهارة المذي، وسيأتي تحرير الخلاف فيه - إن شاء الله تعالى - في أحكام النجاسات.
والكلام في هذا الباب يتناول اعتبار خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء، وهي مسألة أخرى.
وقد دل على اعتباره حدثًا ناقضًا للوضوء السنةُ والإجماع:
أما السنة:
فما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى - ويكنى أبا يعلى - عن ابن الحنفية، عن علي قال: كنت رجلاً مذَّاء، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ؛ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ))، ورواه البخاري بنحوه[1].
الدليل الثاني:
ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الاغتسال منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: ((إنما يجزئك منه الوضوء))، فقلت: كيف بما يصيب ثوبي؟ فقال: ((يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتمسح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصاب))[2].
[إسناده حسن][3].
الدليل الثالث:
ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبدالله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبدالله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ((ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة))[4].
[إسناده ضعيف][5].
الدليل الرابع:
ما رواه ابن ماجه، من طريق مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب بن يعلى ابن منية، عن ابن عباس أنه أتى أبي بن كعب ومعه عمر، فخرج عليهما، فقال: إني وجدت مذيًا، فغسلت ذكري، وتوضأت، فقال عمر: أوَيجزئ ذلك؟ قال: نعم، قال: أسمعتَه من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم[6].
[إسناده ضعيف][7].
الدليل الخامس:
روى عبدالرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال في المذي والودي والمني: من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ[8].
[إسناده صحيح][9].
الدليل السادس:
حُكي الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.
قال ابن عبدالبر:
وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزوبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث عليٍّ هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته[10].
وقال ابن المنذر:
لست أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافًا بين أهل العلم[11].
ونقل النووي الإجماع عن ابن المنذر في (المجموع)[12].
وقال ابن قدامة:
الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد؛ كالبول، والغائط، والمني، والمذي، والودي، والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا[13].
ثانيًا: خروج الودي:
لقد وقع خلاف بين أهل العلم في طهارة الودي، وسيأتي تحرير الخلاف فيه - إن شاء الله تعالى - في أحكام النجاسات، والكلام في هذا الباب يتناول اعتبار خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء، وهي مسألة أخرى.
فذهب الأئمة الأربعة إلى أن خروج الودي حدث ناقض للوضوء[14].
وقال ابن المنذر:
الودي شيء يخرج من الذكر على إثر البول، والوضوء يجب بخروج البول، وليس يُوجَب بخروجه شيء إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول[15].
دليل من قال: إن الودي ينقض الوضوء:
الدليل الأول:
ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري، عن علي قال: كنت رجلا مذاء، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلاً فسأله، فقال: ((إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فانضح الماء فاغتسل))[16].
[رجاله ثقات، إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ][17].
الدليل الثاني:
ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره[18].
[إسناده صحيح][19].
الدليل الثالث:
القياس على البول والمذي بجامع أن كلاًّ منهم خارج نجس من سبيل واحد.
وقد حكي الإجماع على نجاسة الودي:
قال النووي:
أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي[20]. اهـ
وحكى الحطاب من المالكية في مواهب الجليل[21]:
أن شاسًا نقل الإجماع على نجاسة الودي.
وأما قول من قال: إن الوضوء وجب بخروج البول لا بخروج الودي.
فإنه يقال له:
ما المانع أن يكون هناك أكثر من موجب؟
على أن بعضهم ذكر أن خروج الودي على إثر البول في الغالب، وليس دائمًا، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب[22].
وقال في (البحر الرائق):
إن قيل: ما فائدة إيجاب الوضوء بالودي، وقد وجب بالبول السابق عليه؟
قلنا: عن ذلك أجوبة:
أحدها:
فائدته فيمن به سلس البول، فإن الودي ينقض وضوءه دون البول.
ثانيها:
فيمن توضأ عقب البول، قبل خروج الودي، ثم خرج الودي، فيجب به الوضوء.
ثالثها:
الودي ماء يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول، وهو شيء لزج؛ كذا فسره في الخزانة والتبيين، فالإشكال إنما يرد على من اقتصر في تفسيره على ما يخرج بعد البول.
رابعها:
أن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي الوجوب بالودي بعده، ويقع الوضوء عنهما، حتى لو حلف لا يتوضأ من رعاف، فرعف، ثم بال أو عكسه، فتوضأ؛ فالوضوء منهما؛ فيحنث، وكذا لو حلفتْ لا تغتسل من جنابة أو حيض فجامعها زوجها، وحاضت فاغتسلت، فهو منهما وتحنث[23].
----------------------------
صحيح مسلم (303)، وصحيح البخاري (269).
المسند (3/485).
انظر تخريجه في أحكام النجاسات، الباب الثاني: الفصل الثاني، المبحث الثالث في المذي.
سنن أبي داود (211).
انظر تخريجه في أحكام النجاسات، الباب الثاني: الفصل الثاني، المبحث الثالث في المذي.
سنن ابن ماجه (507).
انظر تخريجه في أحكام النجاسات، الباب الثاني: الفصل الثاني، المبحث الثالث في المذي.
المصنف (608).
ورواه ابن أبي شيبة (1/89) رقم 984، حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان به. وانظر زيادة تخريج لهذا الأثر في رقم (392) من كتابي أحكام الطهارة (آداب الخلاء).
التمهيد (21/ 207).
الأوسط (1/1346).
المجموع (2/6).
المغني (1/111).
ظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (1/24)، العناية بشرح الهداية (1/68)، شرح فتح القدير (1/68)، الفتاوى الهندية (1/9)، البحر الرائق (1/65)، المبسوط (1/67).
الأوسط (1/135).
المصنف (1/89).
سبق تخريجه في آداب الخلاء، رقم (399).
مصنف ابن أبي شيبة (1/89) رقم 984.
سبق تخريجه في آداب الخلاء، رقم (400).
المجموع (2/571).
مواهب الجليل (1/104).
قال في حاشية ابن عابدين (1/165): الودي ماء ثخين أبيض كدر، يخرج عقب البول.
البحر الرائق (1/65).