إطالة الغرة والتحجيل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية
وقال ابن سيده:
وعندي: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض من الوجه، لا أنه البياض.
والغُرَّةُ: العبد والأمة، وفي الحديث: قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغُرّة.
وكأنه عبَّر عن الجسم كله بالغُرَّة.
ورجل غِرٌّ – بالكسر – وغَرِيرٌ؛ أي: غير مُجرِّب، وجارية غِرَّةٌ وغَرِيرَةٌ وغِرٌّ أيضًا بيِّنة الغَرَارَةِ بالفتح، وقد غَرَّ يغِر بالكسر غَرَارَةً بالفتح.
والاسم: الغِرَّةُ بالكسر، والغِرّة أيضًا الغفلة[1].
ومنه الحديث: «أمَّتي الغُرُّ المُحَجَّلُون»؛ أي: بيضُ مَواضع الوُضوء من الأيْدي والوجْه والأقْدام، اسْتَعار أثرَ الوضوء في الوجْه واليَدَين والرّجْلين للإنسان من البَياضِ الذي يكون في وجْه الفَرس ويَدَيْه ورجْلَيْه.
وفي حديث علي – رضي الله عنه – أنه قال له رجُل: إنّ اللُّصُوص أخَذُوا حِجْلَي امْرَأتي؛ أي:خَلْخَالَيْها[2].
قال العلماء:
سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلاً؛ تشبيهًا بغرة الفرس.
وهو مذهب الحنفية[3]، والشافعية[4]، والحنابلة[5].
وهو مذهب المالكية[6]، واختاره ابن القيم[7].
ما رواه مسلم من طريق نعيم بن عبدالله المجمر، قال:
رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء»، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله[9].
من ذهب إلى أن الغرة والتحجيل لا يشرعان في الوضوء، رأى أن لفظ: “فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله” مدرجة في الحديث، وأن هذا اللفظ من قول أبي هريرة.
قال الحافظ رحمه الله:
“لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه – يعني: نعيم بن عبدالله المجمر – عن أبي هريرة“[10]. اهـ
وقال ابن القيم:
“لم يثبت عنه – أي: عن النبي ﷺ – أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكنْ أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأول حديث إطالة الغرة، وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي – ﷺ – أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة” اهـ[11].
ما رواه مسلم، من طريق أبي حازم، قال:
كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم ها هنا؟! لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»[12].
وفي «البخاري» عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، “ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: أشيء سمعته من رسول الله – ﷺ -؟ قال: منتهى الحلية”[13].
قالوا: أولاً: أن إطالة الغرة جاء بلفظ قال فيه المحققون: بأنه مدرج من كلام أبي هريرة، لكن إطالة التحجيل جاء بلفظ مرفوع إلى النبي ﷺ:
ففي «مسلم» من طريق نعيم بن عبدالله المجمر، قال:
رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ… الحديث[14].
ولكن سبق جواب ابن القيم عليه، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة، والله أعلم.
ثانيًا: لا يمكن الإطالة إلا في اليد والساق، بخلاف الوجه؛ فإن الوجه يجب استيعابه[15].
