📌 المَدْخَلُ إلى المسألةِ:
لدينا في المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ تؤولُ إلى أربعةٍ:
وهوَ قولُ الجمهورِ من الحنفيةِ والمالكيةِ والشافعيةِ.
وهذا القولُ في حقيقتِهِ يرجعُ إلى قولينِ:
وهذا مذهبُ الحنفيةِ، وروايةٌ عن الإمامِ مالكٍ، وظاهرُ قولِ الليثِ بنِ سعدٍ[1].
وهذا هوَ المعتمدُ في مذهبِ المالكيةِ والشافعيةِ، واختارَهُ من الحنابلةِ القاضي أبو يعلى وتلميذُهُ أبو الخطابِ والمجدُ ابنُ تيميةَ، وابنُ هبيرةَ.
وأطلقَ الإمامُ أحمدُ النهيَ كما قالَ ابنُ مفلحٍ في «الفروعِ»، فحملَهُ القاضي أبو يعلى على الكراهةِ، ونَسَبَ الكراهةَ للمذهبِ خلافَ ما عليهِ المتأخرونَ[2].
قالَ ابنُ هبيرةَ:
«واتفقُوا: على أنَّهُ يُكْرَهُ لمن أرادَ الأضحيةَ أنْ يأخذَ من شعرِهِ وظفرِهِ في العشرِ إلى أنْ يضحيَ. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يُكْرَهُ»[3].
ولم يذكرْ ابنُ هبيرةَ القولَ بـالتحريمِ، وهذا النقلُ يتفقُ مع نقلِ القاضي أبي يعلى وأبي الخطابِ.
هذانِ قولانِ: الإباحةُ والكراهةُ، يجمعُهُمَا عدمُ التحريمِ، وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وهوَ ظاهرُ كلامِ الأثرمِ من الحنابلةِ، واختارَهُ ابنُ قدامةَ والمتأخرونَ من الحنابلةِ، وهوَ وجهٌ في مذهبِ الشافعيةِ، حكاهُ الماورديُّ في «الحاوي» والرافعيُّ في «شرحِ الوجيزِ»، والنوويُّ في «الروضةِ».
وضعَّفَهُ النوويُّ في «المجموعِ» وحكمَ بشذوذِهِ.
ونُسِبَ القولُ بـالتحريمِ لـالإمامِ إسحاقَ.
والظاهرُ أنَّ المنسوبَ إلى الإمامِ إسحاقَ هوَ حكايةُ النهيِ عن الأخذِ، وليسَ التصريحَ بـالتحريمِ، كقولِ الإمامِ أحمدَ سواءً بسواءٍ.
فإنْ كانَ الحنابلةُ لا يجزمونَ بنسبةِ التحريمِ إلى إمامِهِمْ فالقولُ نفسُهُ يصدقُ على الإمامِ إسحاقَ، وليسَ كلُّ من حكى النهيَ الواردَ في الحديثِ رأى التحريمَ [4].
وقد فرقَ أصحابُ هذ القولِ بينَ وجوبِ الأضحيةِ وبينَ وجوبِ أحكامِهَا !!.
فقالُوا:
الأضحيةُ نفسُهَا لا تجبُ بالنيةِ مطلقاً قبلَ دخولِ العشرِ أو بعدَهَا، فإذا نوى الأضحيةَ ثمَّ بدا لهُ أنْ يدعَ الأضحيةَ فلهُ ذلكَ، ولا تجبُ الأضحيةُ إلا بالتعيينِ: بأنْ يشتريَهَا بنيةِ الأضحيةِ أو يعينَهَا من جملةِ غنمِهِ.
قالُوا:
لأنَّهُ قبلَ تعيينِ الأضحيةِ مجردُ نيةٍ، والأضحيةُ لا تجبُ بمجردِ النيةِ.
وأما أحكامُهَا: من تحريمِ الأخذِ من الشعرِ والظفرِ والبشرةِ:
فـتَحْرُمُ بمجردِ النيةِ ودخولِ العشرِ، ولو قبلَ وجوبِ الأضحيةِ!![5].
هل الأصلُ في النهيِ التحريمُ، أم الأصلُ فيهِ الكراهةُ؛ لأنَّهُ هوَ المتيقنُ، فلا يُصَارُ إلى التحريمِ إلا بقرينةٍ، أم هوَ مشتركٌ بينهما؟
وعلى القولِ بأنَّ الأصلَ في النهيِ التحريمُ، وهوَ قولُ الأكثرِ، فإنَّهُ لا ينبغي أنْ يُتَشَدَّدَ في الصارفِ، فقد يكونُ الصارفُ قرينةً لفظيةً، أو عملَ كثيرٍ من الصحابةِ، أو قرينةً معنويةً مُسْتَنْبَطَةً كأنْ يكونَ الأمرُ والنهيُ من الآدابِ، أو يتعلقُ في صحةِ الإنسانِ.
أليسَ قولُ أبي حنيفةَ بأنَّ الحكمَ على الإباحةِ أضعفُ من قولِ الحنابلةِ؛ لأنَّهُ يلزمُ من القولِ بهِ طرحُ حديثِ أمِّ سلمةَ؟
لأنَّ حجةَ الحنفيةِ أقوى من حجةِ الحنابلةِ؛ لأمرينِ:
الأولُ: أنَّ سعيدَ بنَ المسيبِ والذي عليهِ مدارُ الحديثِ قد صرحَ بأنَّ حديثَ أمِّ سلمةَ قد نُسِيَ وتُرِكَ.
وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ حينَ ذُكِرَ لهُ حديثُ أمِّ سلمةَ: «أكثرُ الناسِ على غيرِ هذا».
فقد روى مسلمٌ في «صحيحِهِ» من طريقِ أبي أسامةَ حمادِ بنِ أسامةَ، قالَ: حدثني محمدُ بنُ عمروٍ، حدثنا عمروُ بنُ مسلمِ بنِ عمارٍ الليثيُّ قالَ: كنَّا في الحمامِ قُبَيْلَ الأضحى، فَاطَّلَى فيهِ ناسٌ، فقالَ بعضُ أهلِ الحمامِ: إنَّ سعيدَ بنَ المسيبِ يكرهُ هذا، أو ينهى عنهُ.
فلقيتُ سعيدَ بنَ المسيبِ، فذكرتُ ذلكَ لهُ، فقالَ: يا ابنَ أخي، هذا حديثٌ قد نُسِيَ وتُرِكَ.
حدثتني أمُّ سلمةَ زوجُ النبيِّ ﷺ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ -بمعنى حديثِ معاذٍ العنبريِّ، عن محمدِ بنِ عمروٍ بهِ مرفوعاً، وكانَ قد ساقَ حديثَ معاذٍ بلفظِ-: «من كانَ لهُ ذبحٌ يذبحُهُ، فإذا أَهَلَّ هلالُ ذي الحجةِ، فلا يأخذَنَّ من شعرِهِ ولا من أظفارِهِ شيئاً حتى يضحيَ».
الثاني: أنَّ حديثَ أمِّ سلمةَ قد رُوِيَ موقوفاً ومرفوعاً، وإذا كانَ موقوفاً لم يكنْ بهِ حجةٌ؛ لأنَّهُ سيكونُ قولاً لـأمِّ سلمةَ معارضاً بقولِ عائشةَ -رضي الله عنها-، ولن يكونَ قولُ أحدِهِمَا بـأرجحَ من قولِ الأخرى، رضيَ اللهُ عن أمهاتِنَا أمهاتِ المسلمينَ.
وقد اختلفَ المحدثونَ بـالراجحِ من القولينِ:
وقد رجحَ إمامُ العللِ الدارقطنيُّ وقفَهُ[6]، وضعَّفَ الرفعَ ابنُ عبدِ البرِّ.
والقولُ بوقفِهِ ليسَ ببعيدٍ من حيثُ الصنعةِ، خاصةً أنَّ قتادةَ حينَ سألَ سعيدَ بنَ المسيبِ عن من؟ -يقصدُ النهيَ عن أخذِ الشعرِ- قالَ:
عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ.
إلا أنَّ تصحيحَ الإمامِ مسلمٍ والترمذيِّ وابنِ حبانَ والحاكمِ والبيهقيِّ للرفعِ جعلني لا أستبعدُ أنْ يكونَ محفوظاً، ولكنْ احتمالُ وقفِهِ قولٌ قويٌّ جداً.
فكانتْ حجةُ الحنفيةِ أقوى من حجةِ الحنابلةِ الذينَ يوجبونَ أحكامَ الأضحيةِ بالنيةِ ولا يوجبونَ الأضحيةَ بالنيةِ، وأخذُوا من روايةِ أمِّ سلمةَ الروايةَ المحتملةَ، وطرحُوا الروايةَ المُفَسِّرَةَ بلا حجةٍ فقهيةٍ، ولا صنعةٍ حديثيةٍ، كما سيأتي بيانُهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى[7].
إذا اشترى الدابةَ بنيةِ الأضحيةِ أو عينَهَا أضحيةً من جملةِ مواشيهِ.
فإذا كانتِ الأضحيةُ نفسُهَا لا تلزمُ بمجردِ النيةِ فكذلكَ أحكامُهَا لا تلزمُ بمجردِ النيةِ.
اختارَ هذا الطحاويُّ من الحنفيةِ مرجحاً لهُ ومصرحاً بأنَّهُ خلافُ قولِ أبي حنيفةَ، وهوَ أحدُ الأقوالِ في مذهبِ المالكيةِ، وأحدُ الوجهينِ في مذهبِ الشافعيةِ، وقالَ بهِ يحيى بنُ يعمرَ، وهوَ بعضُ قولِ الأوزاعيِّ.
وروى قتادةُ عن سعيدِ بنِ المسيبِ:
أنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ كانُوا إذا اشترَوا ضحاياهم، أمسكُوا عن شعورِهِمْ وأظفارِهِمْ، إلى يومِ النحرِ، رواهُ عن قتادةَ أصحابُهُ: هشامٌ الدستوائيُّ وسعيدُ بنُ أبي عروبةَ، وشعبةُ وسندُهُ صحيحٌ في الجملةِ[8].
وهوَ قولٌ يتفقُ مع الروايةِ الصريحةِ المُفَسِّرَةِ لحديثِ أمِّ سلمةَ في «صحيحِ مسلمٍ» كما سيأتي بيانُهُ، ويتفقُ مع القواعدِ والأصولِ.
تعالَوْا إلى الوقوفِ مع حديثِ أمِّ سلمةَ في النهيِ عن الأخذِ من الشعرِ والظفرِ.
ولن أتعرضَ للاختلافِ في حديثِ أمِّ سلمةَ من حيثُ الوقفِ والرفعِ، فسوفَ أفترضُ القولَ بصحةِ رفعِ الحديثِ.
ومن نظرَ إلى عملِ الإمامِ مسلمٍ في «صحيحِهِ» تبينَ لهُ ضعفُ قولِ الحنابلةِ
حديثُ أمِّ سلمةَ في النهيِ عن الأخذِ من الشعرِ والظفرِ أوردَهُ مسلمٌ من طريقينِ:
سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أمِّ سلمةَ.
رواهُ الإمامُ مسلمٌ عن شيخِهِ ابنِ أبي عمرَ العدنيِّ، عن سفيانَ بهِ بلفظِ: «إذا دخلتِ العشرُ وأرادَ أحدُكُمْ أنْ يضحيَ فلا يَمَسَّ من شعرِهِ وبشرِهِ شيئاً».
ثمَّ أعقبَهُ مسلمٌ فرواهُ عن شيخِهِ إسحاقَ بنِ راهويهِ، عن سفيانَ بهِ، بلفظِ: «إذا دخلَ العشرُ وعندَهُ أضحيةٌ يريدُ أنْ يضحيَ فلَ يأخذَنَّ شَعَراً ولا يقلمَنَّ ظُفُراً».
فـالإمامُ مسلمٌ أرادَ بالروايةِ الثانيةِ أنْ تكونَ مُفَسِّرَةً للروايةِ الأولى وليستْ معارضةً لها؛ لأنَّ الروايتينِ مخرجُهُمَا واحدٌ، وهوَ الإمامُ سفيانُ بنُ عيينةَ.
فلا يسوغُ فقهاً ولا من حيثُ الصنعةِ الحديثيةِ أنْ تأخذَ بالروايةِ المُجْمَلَةِ وتدعَ الروايةَ المُفَسِّرَةَ الواضحةَ، حيثُ كشفتْ روايةُ الإمامِ إسحاقَ أنَّ الإرادةَ مقيدةٌ لمن عندَهُ أضحيةٌ لقولِهِ: «وعندَهُ أضحيةٌ يريدُ أنْ يضحيَ»: فليسَ المرادُ مطلقَ الإرادةِ، بلِ الإرادةُ التي تكونُ فيها الأضحيةُ واجبةً وهوَ امتلاكُ الأضحيةِ حتى تكونَ أحكامُهَا واجبةً، لا أنْ تُوجِبَ أحكامَ الأضحيةِ قبلَ وجوبِ الأضحيةِ.
فالحديثُ واحدٌ، ومخرجُ الإسنادينِ واحدٌ، وهوَ سفيانُ، وكلاهُمَا في «صحيحِ مسلمٍ».
فلو كنَّا أمامَ حديثينِ مختلفينِ لقلنَا: ربما أخذَ الحنابلةُ بأحدِ الحديثينِ لمرجحٍ اقتضى ترجيحَ أحدِ الإسنادينِ على الآخرِ، وأما أنْ يكونَ الحديثُ واحداً، ومخرجُهُمَا واحداً، ثمَّ تأخذَ بالروايةِ المحتملةِ والتي لا تتفقُ مع قواعدِ الفقهِ من إيجابِ أحكامِ الأضحيةِ قبلَ وجوبِهَا.
ولا تتفقُ مع الصنعةِ الحديثيةِ، فالعلماءُ يحملونَ الروايةَ المحتملةَ على الروايةِ الصريحةِ البينةِ، ويحملونَ المتشابهَ على المُحْكَمِ، والمُجْمَلَ على الواضحِ، عكسَ ما صنعَهُ الحنابلةُ حيثُ طَرَحُوا الروايةَ المُفَسِّرَةَ بلا حجةٍ وتمسَّكُوا بالروايةِ المُجْمَلَةِ، وتتابعَ المتأخرونَ على ذلكَ.
وما فعلَهُ مسلمٌ في الطريقِ الأولِ فعلَهُ في الطريقِ الثاني:
عمروُ بنُ مسلمٍ الليثيُّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أمِّ سلمةَ.
رواهُ مسلمٌ من طريقينِ أيضاً:
فرواهُ من طريقِ الإمامِ مالكٍ، عن عمروِ بنِ مسلمٍ بلفظِ: «إذا رأيتُمْ هلالَ ذي الحجةِ وأرادَ أحدُكُمْ أنْ يضحيَ، فليمسكْ عن شعرِهِ وأظفارِهِ». بإطلاقِ الإرادةِ.
ثمَّ أعقبَهُ مسلمٌ بلفظٍ آخرَ من طريقِ محمدِ بنِ عمروٍ الليثيِّ، عن عمروِ بنِ مسلمٍ بهِ، بلفظِ: «من كانَ لهُ ذبحٌ يذبحُهُ، فإذا أَهَلَّ هلالُ ذي الحجةِ، فلا يأخذَنَّ من شعرِهِ ولا من أظفارِهِ».
فأتبعَ الإمامُ مسلمٌ الروايةَ المُجْمَلَةَ بالروايةِ المُفَسِّرَةِ، وكلاهُمَا مخرجُهُمَا واحدٌ، كما صنعَ في الطريقِ الأولِ.
وبيَّنَ أنَّ المقصودَ بروايةِ: «وأرادَ أحدُكُمْ أنْ يضحيَ» بأنَّ المرادَ: من أرادَ الأضحيةَ وكانَ لهُ ذبحٌ يذبحُهُ.
فالإرادةُ التي تَلْزَمُكَ أحكامَ الأضحيةِ فيها:
هيَ الإرادةُ التي تكونُ فيها الأضحيةُ واجبةً، ولا تجبُ أحكامُ الأضحيةِ قبلَ وجوبِ الأضحيةِ.
فاللفظانِ مخرجُهُمَا واحدٌ، وهوَ عمروُ بنُ مسلمٍ، فتُحْمَلُ الروايةُ المُجْمَلَةُ على الروايةِ المُفَسِّرَةِ.
فما صنعَهُ مسلمٌ بإتباعِ الروايةِ المُجْمَلَةِ بالروايةِ المُفَسِّرَةِ هيَ طريقةٌ مسلوكةٌ عندَ المحدثينَ:
أنْ يحملَ الحديثَ المُجْمَلَ والمحتملَ على الروايةِ المُحْكَمَةِ والمُفَسِّرَةِ.
لا أنْ تُطْرَحَ الروايةُ المُفَسِّرَةُ بلا حجةٍ ويُتَمَسَّكَ بالروايةِ المُجْمَلَةِ، هذا من غريبِ القولِ وشذوذِ الفقهِ.
الخلاصةُ الحديثيةِ: أنَّ صنيعَ الإمامِ مسلمٍ بإلحاقِ الروايةِ المُجْمَلَةِ بالروايةِ المُفَسِّرَةِ (مع وحدةِ المخرجِ) دليلٌ على وجوبِ حملِ المُجْمَلِ على المُحْكَمِ، فالإرادةُ الموجبةُ للإمساكِ هيَ المقيدةُ بملكِ الأضحيةِ أو تعيينِهَا.
وهذا ما تبناهُ الطحاويُّ مصرحاً بأنَّهُ يخالفُ قولَ إمامِهِ أبي حنيفةَ في «شرحِ مشكلِ الآثارِ» على غيرِ عادتِهِ.
قالَ:
الصحيحُ ما رُوِينَاهُ عن أمِّ سلمةَ أنْ يكونَ حديثُ أمِّ سلمةَ على منعِ من أرادَ أنْ يضحيَ ولهُ ما يضحي عن حلقِ شعرِهِ وقصِّ أظفارِهِ.
وقالَ أيضاً:
وقد شَدَّ هذا المعنى الذي ذهبنَا إليهِ في المنعِ من قصِّ الأظفارِ وحلقِ الشعرِ لمن أرادَ أنْ يضحيَ ممن لهُ أنْ يضحيَ بهِ ما قد رُوِيَ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُمْ كانُوا عليهِ في ذلكَ.
ثمَّ ساقَ من طريقِ هشامِ بنِ أبي عبدِ اللهِ، عن قتادةَ أنَّ كثيرَ بنَ أبي كثيرٍ سألَ سعيدَ بنَ المسيبِ: أنَّ يحيى بنَ يعمرَ يفتي بخراسانَ – يعني كانَ يقولُ -: «إذا دخلَ عشرُ ذي الحجةِ، واشترى الرجلُ أضحيتَهُ، فسمَّاهَا، لا يأخذُ من شعرِهِ وأظفارِهِ».
فقالَ سعيدٌ: قد أحسنَ، كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يفعلونَ ذلكَ، -أو- يقولونَ ذلكَ.
فاحتجَّ الطحاويُّ بصحةِ التقييدِ بأنْ يكونَ لهُ ما يضحي بهِ بما رواهُ من طريقِ قتادةَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُمْ كانُوا يفعلونَ ذلكَ أو يقولونَ ذلكَ. واللهُ أعلمُ.
بهذا انتهى المقصودُ من هذا البحثِ.
ويُجَابُ عن هذا بأكثرَ من جوابٍ:الأولُ: الحجةُ في البابِ حديثُ أمِّ سلمةَ، وهوَ حديثٌ واحدٌ، رواهُ مسلمٌ بالروايةِ المُجْمَلَةِ «إذا دخلتِ العشرُ وأرادَ أحدُكُمْ أنْ يضحيَ»، ثمَّ أتبعَهَا بالروايةِ المُفَسِّرَةِ «إذا دخلَ العشرُ وعندَهُ أضحيةٌ يريدُ أنْ يضحيَ»، والمخرجُ واحدٌ، هل يصحُّ أنْ تُطْرَحَ السنةُ المُفَسِّرَةُ بحجةِ أنَّ هذا القولَ مهجورٌ، وتُؤْخَذَ بالروايةِ المُجْمَلَةِ، والحديثُ واحدٌ، ومخرجُهُ واحدٌ؟
ثانياً: دعوى أنَّ القولَ مهجورٌ، يُسْأَلُ: مهجورٌ عندَ مَن؟ عندَ الحنابلةِ، هل يكونُ مهجوراً عندَ عامةِ المسلمينَ؟
ثالثاً: لو سلمنَا أنَّ هذا القولَ مهجورٌ، ألا يدخلُ في إحياءِ سنةٍ مهجورةٍ، خاصةً أنَّ هذا القولَ يستندُ إلى نفسِ حديثِ أمِّ سلمةَ؟
رابعاً: لو طُرِحَ القولُ بدعوى تركِ الناسِ لهُ لَطُرِحَتِ المسألةُ كلُّهَا: أعني القولَ بالمنعِ من أخذِ الشعرِ، فإنَّ سعيدَ بنَ المسيبِ، وهوَ راوي حديثِ أمِّ سلمةَ قد صرحَ لمن سألَهُ عن كراهتِهِ للطلاءِ في عشرِ ذي الحجةِ لكونِهِ يلزمُ منهُ أخذُ الشعرِ، فقالَ:
هذا حديثٌ قد نُسِيَ وتُرِكَ، حدثتني أمُّ سلمةَ … فذكرَ الحديثَ.
وحاولَ بعضُ العلماءِ: أنْ يحملَ قولَ سعيدِ بنِ المسيبِ على من لم يُرِدْ أنْ يضحيَ.
ولا يساعدُ عليهِ اللفظُ، فإنَّهُ يشيرُ إلى أنَّ التركَ كانَ متوجهاً لحديثِ أمِّ سلمةَ؛ لقولِهِ: «هذا حديثٌ قد نُسِيَ وتُرِكَ».
وهذا في عصرِ التابعينَ، وليسَ في عصرِنَا هذا، ومن سعيدُ بنُ المسيبِ راويةُ الحديثِ.
وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ: قد جاءَ هذا، وأكثرُ الناسِ على غيرِهِ.
وقد نقلتُ كلَّ ذلكَ في صلبِ البحثِ.
وقد تركَ الإمامُ مالكٌ الحديثَ بعدَ أنْ رواهُ، حتى قالَ: هذا ليسَ من حديثي.
فهؤلاءِ ثلاثةُ أئمةٍ تركُوا الحديثَ.
فهلا قلتُمْ بتركِ المنعِ مطلقاً بدلاً من التوجهِ بالقولِ بأنَّ اشتراطَ امتلاكِ الأضحيةِ لوجوبِ أحكامِهَا قولٌ مهجورٌ؟
ولم يأتِ القولُ بأنَّهُ مهجورٌ عن عالمٍ سابقٍ، كما جاءَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ.
خامساً: أنَّ القولَ بتقييدِ الإرادةِ لمن كانَ لهُ أضحيةٌ قولٌ محفوظٌ عندَ الحنفيةِ، قالَ بهِ الطحاويُّ، ومحفوظٌ عندَ المالكيةِ، وأحدُ الأوجهِ عندَ الشافعيةِ، فاستغرابُهُ من بعضِ طلبةِ العلمِ إنما جاءَ لقصورِهِمْ في البحثِ والقراءةِ، واكتفائِهِمْ بقولِ الحنابلةِ.
ومُسْتَمْسَكُ الحنابلةِ قولُهُ: «إذا دخلَ أحدُكُمْ العشرَ وأرادَ أنْ يضحيَ»
فعلَّقُوا الحكمَ بمطلقِ الإرادةِ، وهوَ استنباطٌ ضعيفٌ حتى لو صرفنَا النظرَ عن الروايةِ المُفَسِّرَةِ:
فكلُّ العباداتِ لا تترتبُ أحكامُهَا بمجردِ النيةِ.
فقد جاءَ في أحاديثِ المواقيتِ من حديثِ ابنِ عباسٍ المتفقِ عليهِ: «هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غيرِهِنَّ ممن أرادَ الحجَّ والعمرةَ».
فذكرَ الإرادةَ هنا، فهل يتعلقُ الحكمُ بمجردِ النيةِ؟
فالإحرامُ في الحجِّ وفي العمرةِ، مع أنَّ الإنسانَ يدخلُ فيهِ بمجردِ النيةِ، ومعَ ذلكَ ما لم يَنْوِ الشروعَ في النسكِ لا تترتبُ أحكامُ الإحرامِ، فلو لبسَ إحرامَهُ، وركبَ سيارتَهُ أو طائرتَهُ، وتجردَ من ثيابِهِ ولبسَ الإحرامَ ومرَّ بالمواقيتِ فإنَّ أحكامَ الإحرامِ لا تترتبُ عليهِ بالمرورِ بالمواقيتِ ومطلقِ النيةِ حتى ينويَ الشروعَ في النسكِ.
وادعى بعضُ طلبةِ العلمِ:
بأنَّ الاستدلالَ على القولِ باشتراطِ تعيينِ الأضحيةِ من بابِ الاستدلالِ بالقواعدِ، وليسَ بالسنةِ.
وهذا القولُ لا يحتاجُ إلى التعليقِ عليهِ.
[1]قال ابن رشد في «البيان والتحصيل» (17/315):«…وإلى ما ذهب إليه مالك من أنه لا بأس بـحلق الرأس، وقص الأظفار والشارب وحلق العانة من عشر ذي الحجة ذهب أبو حنيفة».
ولولا أن ابن رشد حمل رأي الإمام مالك على رأي أبي حنيفة لقلت: إن نفي البأس قد يتوجه لنفي التحريم.
وهو المشهور عند المالكية.
وابن رشد أعلم برأي الإمام مالك.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (11/76):
«ومذهب مالك: أنه لا بأس بـحلق الرأس، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، في عشر ذي الحجة، وهو مذهب سائر الفقهاء أيضاً بـالمدينة، والكوفة».
وجاء في «التمهيد» لـابن عبد البر:
«قال الليث بن سعد – وقد ذُكِرَ له حديث سعيد بن المسيب، عن أم سلمة -رضي الله عنها-، أن النبي ﷺ قال: «من أهل عليه منكم هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره وأظفاره، حتى يضحي» – فقال الليث: قد رُوِيَ هذا، والناس على غير هذا».
«وهذا نهي، والنهي إذا لم يَقْتَضِ التحريم حُمِلَ على الكراهة. ودليلنا على نفي الوجوب حديث عائشة -رضي الله عنها- المتقدم في «كتاب الحج»: فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم بعثت مع أبي فلم يُحَرِّمْ علي رسول الله ﷺ شيئاً أحله الله له. ولا خلاف أن النبي ﷺ ضحى في ذلك العام».وانظر: «مواهب الجليل» (3/244)، «شرح الزرقاني» (3/66)، «التاج والإكليل» (4/372)، «المنتقى» لـالباجي (3/92).قال القاضي أبو يعلى في «التعليقة الكبرى» (2/322):
«إذا دخل عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي، كُرِهَ له أن يأخذ من شعره وظفره، وقد أطلق أحمد القول في رواية المروزي وابن القاسم والأثرم، فقال: من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً إلى يوم النحر إذا أهل هلال ذي الحجة، وهذا محمول على الكراهة دون التحريم، ومن أصحابنا من يحمله على التحريم، والمذهب على أنه على الكراهة».وقال أبو الخطاب في «الهداية» (ص: 206):
«ويُكْرَهُ لمن أراد أن يضحي إذا دخل عليه عشر ذي الحجة أن يقلم ظفره أو يحلق شعره. ومن أصحابنا من قال: يَحْرُمُ عليه جميع ذلك».فانظر كيف جزم بـالكراهة، ونسب القول بـالتحريم لبعض أصحابه.وكذلك فعل المجد ابن تيمية في «المحرر» (1/251)، فقال:
«ويُكْرَهُ لمن أراد أن يضحي أن يأخذ في العشر من ذي الحجة من شعره أو بشرته
فتأمل كيف جزم بـالكراهة وصاغ القول بـالتحريم بصيغة التمريض.
وحكى ابن قدامة في «كتاب المقنع» وجهين في المسألة: التحريم والكراهة، ولم يَنْسُبِ التحريم رواية عن الإمام أحمد، قال في «المقنع» (ص: 135):
«ومن أراد أن يضحي ودخل العَشْرُ فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئاً. وهل ذلك حرام؟ على وجهين».
وقال ابن قدامة في «المغني» (9/436):
«ومن أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً.
تحريم قص الشعر.
وهو قول بعض أصحابنا. وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب. وقال القاضي، وجماعة من أصحابنا: هو مكروه، غير محرم».
فانظر إلى دقة النقل من ابن قدامة حيث لم يَنْسُبْ إلى الإمام أحمد القول بـالتحريم، بل نسبه لبعض أصحابه من الحنابلة، ونقل القول بـالتحريم عن الإمام أحمد بما نسبه له ابن المنذر، وهو شافعي.
وإذا احتاج الحنبلي لينقل عن إمامه إلى غير أصحاب الإمام أحمد، فاعلم أنه لم يَثْبُتْ عنده التحريم عن أحمد عن أحد من أصحابه. ولهذا لم يَنْسُبِ التحريم لـالإمام أحمد.
وقال ابن مفلح في «الفروع» (6/103):
«ويَحْرُمُ على من يضحي أو يُضَحَّى عنه في ظاهر كلام الأثرم وغيره أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته في العشر. وقال القاضي وغيره: يُكْرَهُ، وأطلق أحمد النهي».
وكذلك فعل ابن هبيرة.
أن الإمام أحمد ليس عنه نص في تحريم الأخذ من الشعر والظفر، وإنما حكى النهي عن الأخذ وأطلق، وأصحابه توقفوا في نسبة التحريم لـأحمد، واختلفوا في حكم المسألة فيما بينهم على وجهين: القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب والمجد وابن هبيرة على الكراهة، وابن قدامة والمتأخرون من الحنابلة على التحريم.
ولعل السبب أن الإمام أحمد لم يُنْقَلْ عنه القول الصريح بـالتحريم؛ لأن هذه المسألة كانت محل تردد عند الإمام فكان يسأل شيوخه عنها.
جاء في «مسائل أحمد» رواية أبي الفضل (871):
«قال أبي: سألت عبد الرحمن بن مهدي عما يُرْوَى عن ﷺ أنه كان إذا بعث بالهدي، لم يمسك عن شيء يمسك عنه المحرم. وعن قوله: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من بشره؟
فلم يجبني عبد الرحمن بشيء، وسكت، فسألت يحيى بن سعيد، فقال: لهذا وجه، ولهذا وجه، قال: ولهذا أمثال وأشباه في السنن نهى النبي ﷺ حكيماً أن يبيع ما ليس عنده، وأذن في السلم، والسلم بيع مضمون إلى أجل، فلو رُدَّ أحد الحديثين بالآخر، فيقول: قد نهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عندك، والسلم بيع ما ليس عندك، فهو مردود، لم يجز ذلك، ويُعْطَى هذا وجهه، وذلك وجهه، فيـجوز السلم، ولا يـجوز أن يبيع ما ليس عنده..».. إلخ جوابه.
فكان أحمد يرى حديث أم سلمة -رضي الله عنها- صحيحاً، فكان يحكي النهي، ويطلق.
كما قال، والأمصار في ذلك سواء.وجاء في «التمهيد» لـابن عبد البر (11/76):
«ذكر الأثرم، أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بحديث أم سلمة». وليس هذا القول بنص في التحريم.وفي «الإشراف» لـابن المنذر (3/412):
«كان مالك، والشافعي، يـرخصان: في أخذ الشعر والأظفار… ورخص فيه الزهري بغير الحاج، ورخص فيه النعمان، وأصحابه، وأبو ثور، وإن أراد المرء أن يضحي، وممن قال بظاهر هذا الخبر ابن المسيب، وأحمد، وإسحاق». وانظر: «المغني» (9/437).
[6]جاء في «تهذيب السنن» لـابن القيم (7/346):«قال الدارقطني في «كتاب العلل»: ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي ويحيى القطان وأبو ضمرة، عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد ووقفه عقيل على سعيد قوله.
ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها.
ووقفه ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قولها.
ووقفه عبد الرحمن بن حرملة، وقتادة، وصالح بن حسان، عن سعيد قوله.
والمحفوظ عن مالك موقوف. قال الدارقطني والصحيح عندي قول من وقفه.
فـصححوا رفعه، منهم مسلم بن الحجاج، ورواه في صحيحه مرفوعاً، ومنهم أبو عيسى الترمذي، قال: هذا حديث [حسن صحيح].
ومنهم ابن حبان خرجه في صحيحه». اهـ
[7]جميع الطرق التي رُوِيَ فيها حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قد اختلف في أسانيدها وقفاً ورفعاً.وأقتصر هنا فقط على الطريقين التي رواهما مسلم في صحيحه:
• الطريق الأول: طريق عبد الرحمن بن حميد المدني، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة -رضي الله عنها-.
رواه سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن حميد به مرفوعاً ولم يختلف عليه في ذلك.
يحيى بن سعيد القطان، وأنس بن عياض المدني، فروياه عن عبد الرحمن بن حميد به موقوفاً. ويحيى بن سعيد القطان أقوى من سفيان بن عيينة، قال حنبل، عن أحمد:
ما رأيت أقل خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث»….
وقد تَرَجَّحَ برواية أنس بن عياض، وهو من بلد شيخه عبد الرحمن بن حميد، وهذه قرينة يُسْتَأْنَسُ بها للترجيح بين يحيى بن سعيد القطان وبين سفيان. والله أعلم.
• الطريق الثاني: عند مسلم: عن عمرو بن مسلم الليثي، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة -رضي الله عنها-.
رواه محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، وسعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن مسلم به مرفوعاً، ولم يختلف عليهما في رفعه.
ورواه مالك بن أنس، عن عمرو بن مسلم، واختلف على مالك فيه:
فرواه شعبة، عن مالك بن أنس به مرفوعاً.
عبد الله بن وهب، فرواه عن مالك به موقوفاً، وعبد الله بن وهب مقدم في أصحاب مالك من شعبة؛ لأن شعبة من أقران مالك، وعبد الله بن وهب من تلاميذه المكثرين وقد أطال صحبة مالك، حتى صحبه نحواً من ثلاثين سنة حتى توفي الإمام مالك، وقد سمع من مالك قبل عبد الرحمن بن القاسم ببضع عشرة سنة.
وكان مالك يكتب إليه إذا كتب في المسائل: إلى عبد الله بن وهب المفتي، ولم يكن يفعل هذا مع غيره. وانظر: «وفيات الأعيان» (3/36).
وفي «تهذيب الكمال» (16/ 283) «قال يونس بن عبد الأعلى عن هارون بن عبد الله الزهري:
كان الناس يختلفون في الشيء عن مالك، فينتظرون قدوم ابن وهب حتى يسألوه عنه».
وقال أبو زرعة كما في «الجرح والتعديل» (1/335):
«نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وفي غير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثاً لا أصل له».
فلا شك عندي:
أن ابن وهب مقدم في مالك على شعبة؛ لأن التلميذ أكثر عناية برواية شيخه من غيره.
وقد رواه عن مالك غيرهما إلا أن الطرق إليهم لا تخلو من مقال.
قال الطحاوي كما في «مختصر اختلاف العلماء» لـالجصاص (3/231):
«حديث أم سلمة -رضي الله عنها- هذا رواية مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة:
رواه ابن وهب وعثمان بن عمر، عن مالك موقوفاً على أم سلمة ورواه شعبة عن مالك، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة عن النبي ﷺ فلم يرفعه عن مالك أحد غير شعبة».
وسوف أبسط البحث الحديثي إن شاء الله تعالى في مشروعي الموسوعي بلغنا الله «كتاب الأضاحي» بمنه وكرمه، وما زلت الآن أكتب في «موسوعة أحكام الزكاة». وإنما أهدف من هذا البحث مخاطبة شريحة أكبر من طلبة العلم غير المتخصصين في السنة، ولمناسبة قرب عشر ذي الحجة رأيت أن يكون هذا البحث موجزاً ليستفيد منه شريحة أكبر، والحمد لله على فضله.
[8]قال الطحاوي من الحنفية في «شرح مشكل الآثار» (14/141): «المعنى الذي ذهبنا إليه في المنع من قص الأظفار، ومن حلق الشعر لمن أراد أن يضحي ممن له ما يضحي به في أيام العشر».وقال قبل ذلك بأسطر (14/141): «تصحيح ما رويناه عن أم سلمة -رضي الله عنها-، وما رويناه عن عائشة -رضي الله عنها-: أن يكون حديث أم سلمة على منع من أراد أن يضحي، وله ما يضحي، عن حلق شعره، وقص أظفاره في أيام العشر حتى يضحي»….
وقال الماوردي في «الحاوي الكبير» (15/75): «واختلف أصحابنا في أول زمان الكراهة لأخذ شعره وبشره بعد استهلال ذي الحجة على وجهين:
وحكى الرافعي وجهاً في «العزيز شرح الوجيز» ط: العلمية (12/91):
«أن الحلق والقلم لا يُكْرَهَانِ باستهلال ذي الحجة، وإنما يُكْرَهَانِ إذا دخل العشر واشترى أضحية أو عين واحدة من مواشيه للتضحية».
وفي «روضة الطالبين» (3/210):
«وحُكِيَ وجه: أن الحلق والقلم، لا يُكْرَهَانِ إلا إذا دخل العشر واشترى ضحية، أو عين شاة من مواشيه للتضحية».
وضعَّفَ النووي هذا الوجه وحكم بـشذوذه، وهذا من حيث تحرير المذهب لا من حيث قوة القول واتساقه مع الأدلة والقواعد كما سيأتي، فكم من قول ضعيف في مذهب من المذاهب وهو الراجح في حقيقة الأمر.
قال النووي في «المجموع» (8/391):
«وحكى الرافعي وجهاً ضعيفاً شاذاً أن الحلق والقلم لا يُكْرَهَانِ إلا إذا دخل العشر واشترى أضحية أو عين شاة أو غيرها من مواشيه للتضحية ….
فالحاصل في المسألة أوجه:
في «البيان والتحصيل» (17/315):
«قال الأوزاعي: إذا اشترى أضحية بعدما دخل العشر فإنه يكف عن ذلك حتى يضحي، وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر فلا بأس».
وانظر: «التمهيد» لـابن عبد البر (11/76).
