موقع الشيخ دبيان الدبيان

هل نية الجمع شرط في جمع التقديم والتأخير؟[جديد]

في اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الجَمْعِ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ

📌 المَدْخَلُ إلى المسألةِ:

شُرُوطُ العِبَادَةِ صِفَةٌ فيها، لا تَثْبُتُ إلا بـنَصٍّ أو إِجْمَاعٍ.
لا يُحْفَظُ في السُّنَّةِ أنَّ النبيَّ ﷺ أو أَحَداً من أَصْحَابِهِ أَمَرَ بنيةِ الجَمْعِ، مع أنَّ أَكْثَرَ المأمومينَ قد يَجْهَلُ نيةَ الإمامِ.
حقيقةُ الجَمْعِ ضَمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخْرَى نَوَى الجَمْعَ أم لا.
رُخْصَةُ الجَمْعِ لا تتعلقُ بالصلاةِ الأُولَى؛ لأنَّهَا فُعِلَتْ في وقتِهَا المشروعِ، فَتَخَلُّفُ نيةِ الجَمْعِ عنها لا يَضُرُّ حُكْمَ الجَمْعِ، والنَّظَرُ إنما هوَ في نيةِ الجَمْعِ قبلَ الصلاةِ الثانيةِ.
نيةُ الصلاةِ الثانيةِ لا تَسْتَلْزِمُ نيةَ الجَمْعِ.
قد يُعَجِّلُ المأمومُ الصلاةَ الثانيةَ متابعةً لإمامِهِ، ويَغْفُلُ عن نيةِ الجَمْعِ، فنيةُ الأَعَمِّ لا تَسْتَلْزِمُ نيةَ الأَخَصِّ.
خرجَ النبيُّ ﷺ في حجةِ الوداعِ فصلى بهِمُ الظهرَ بالمدينةِ أربعاً، وصلى بهِمُ العصرَ بذي الحليفةِ ركعتينِ، وصلى خلفَهُ أُمَمٌ لا يُحْصِي عددَهُم إلا اللهُ، وكثيرٌ منهم لا يَعْرِفُ صلاةَ السفرِ: إما لِحُدُوثِ عهدِهِ بالإسلامِ، وإما لكونِهِ يسافرُ لـأولِ مرةٍ، لا سيما النساءُ، ولم يَأْمُرْهُمْ بنيةِ القصرِ.
جَمَعَ النبيُّ ﷺ بالناسِ في عرفةَ -كما في حديثِ جابرٍ في «مسلمٍ»-، وجَمَعَ بالأبطحِ -كما في حديثِ أبي جحيفةَ [المتفقِ عليهِ]-، وجَمَعَ في أثناءِ استراحتِهِ في طريقِهِ إلى غزوةِ تبوكَ -كما في حديثِ معاذٍ في «مسلمٍ»-، ولم يَأْمُرْهُمْ بنيةِ الجَمْعِ قبلَ إحرامِ الأُولَى، وكانَ يَجْمَعُ معهُ من تَخْفَى عليهِ هذهِ النيةُ، فلو وَجَبَتْ نيةُ الجَمْعِ لَبَيَّنَهَا لهُمْ.
إذا صَحَّ القَصْرُ بلا نيةٍ صَحَّ الجَمْعُ بلا نيةٍ من بابِ أَوْلَى؛ لأنَّ نيةَ القصرِ تُغَيِّرُ بنيةَ الصلاةِ، فلو تَأَخَّرَتْ لَتَأَدَّى بعضُ الصلاةِ على نيةِ الإتمامِ، بخلافِ نيةِ الجَمْعِ فإنَّهَا نيةٌ متعلقةٌ بالصلاتينِ معاً من جهةِ الوقتِ، وهوَ أمرٌ خارجٌ عن كُنْهِ الصلاةِ.
اشْتِرَاطُ الموالاةِ على القولِ بهِ لا يَسْتَلْزِمُ نيةَ الجَمْعِ بدليلِ أفعالِ الصلاةِ، فالموالاةُ بينَهَا شرطٌ، ولا تُشْتَرَطُ نيةٌ خاصةٌ للركوعِ والسجودِ، وقد تَحْصُلُ الموالاةُ بلا نيةِ الجَمْعِ.

📖 ليسَ الكلامُ في مطلقِ اشتراطِ النيةِ للعبادةِ، فإنَّ الفقهاءَ لا يختلفونَ في اشتراطِهَا للعبادةِ، فالصلاةُ لا تَصِحُّ إلا بنيةٍ.

وإنما الخلافُ في نيةِ الجَمْعِ، وهوَ قدرٌ زائدٌ على نيةِ الصلاةِ.

واختلفُوا أيضاً في مَحَلِّهَا:

أَتُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ في بدايةِ الثانيةِ؟

لأنَّ الأُولَى وَقَعَتْ في وقتِهَا.

أم لا بدَّ أنْ تكونَ نيةُ الجَمْعِ مَعْقُودَةً في بدايةِ الأُولَى؟

باعتبارِ أنَّ الصلاتينِ صَارَتَا في حكمِ الصلاةِ الواحدةِ.

أم تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ قبلَ الفراغِ من الأُولَى، وإنْ عَرِيَ أولُ الصلاةِ من نيةِ الجَمْعِ؟

في ذلكَ خلافٌ بينَ فقهائِنَا عليهم رحمةُ اللهِ:

فقِيلَ: تَجِبُ نيةُ الجَمْعِ عندَ إحرامِ الأُولَى.

وهوَ المشهورُ من مذهبِ المالكيةِ، وقولٌ في مذهبِ الشافعيةِ، والصحيحُ من مذهبِ الحنابلةِ [1].

قالَ ابنُ شاسٍ المالكيُّ:
«صفةُ الجَمْعِ، أنْ يُقَدِّمَ الأُولَى منهما، وينويَهُ في أولِهَا، ولا يُجْزِئُهُ أنْ ينويَ في أولِ الثانيةِ، وقِيلَ: يُجْزِئُ» [2].

وقِيلَ: لهُ أنْ ينويَ الجَمْعَ عندَ الإحرامِ بالثانيةِ.

وهوَ قولٌ في مذهبِ المالكيةِ، وقولٌ في مذهبِ الحنابلةِ [3].

قالَ في «جامعِ الأمهاتِ»:
«وينوي الجَمْعَ أولَ الأُولَى، فإنْ أَخَّرَهَا إلى الثانيةِ فقولانِ» [4].

وقِيلَ: إذا نوى الجَمْعَ قبلَ الفراغِ من الأُولَى أَجْزَأَتْهُ.

وهوَ الأصحُّ في مذهبِ الشافعيةِ، ووجهٌ في مذهبِ الحنابلةِ [5].

قالَ النوويُّ:
«ونيةُ الجَمْعِ ومَحَلُّهَا أولُ الأُولَى وتجوزُ في أثنائِهَا» [6].

قالَ الرمليُّ شارحاً:
«وتجوزُ في أثنائِهَا ولو مع تَحَلُّلِهَا؛ إذ لا يَتِمُّ خروجُهُ منها حقيقةً إلا بتمامِ تسليمِهِ» [7].

وقِيلَ: في التفريقِ بينَ المطرِ والسفرِ.

ففي المطرِ: ينوي الجَمْعَ عندَ افتتاحِ الصلاةِ الأُولَى، وفي السفرِ ينوي الجَمْعَ مع التسليمةِ في الصلاةِ الأُولَى أو قبلَهَا.

وهوَ قولٌ في مذهبِ الشافعيةِ [8].

وقِيلَ: لا تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ.

وهوَ ظاهرُ مذهبِ الحنفيةِ.

واختارَهُ المزنيُّ من الشافعيةِ، وأبو بكرٍ من الحنابلةِ، وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ، وقالَ بهِ بعضُ المالكيةِ في جمعِ عرفةَ ومزدلفةَ [9].

قالَ أبو بكرٍ من الحنابلةِ في «كتابِ الخلافِ»:
«الجَمْعُ لا يَفْتَقِرُ إلى نيةِ الجَمْعِ» [10].

ما معنى القولِ: الجَمْعُ لا يَفْتَقِرُ إلى نيةِ الجَمْعِ؟

أَيَعْنِي هذا النفيُ: أنَّهُ لا تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ عندَ الصلاةِ الأُولَى، بل تَكْفِي نيةُ الجَمْعِ قبلَ الشروعِ في الثانيةِ؟

إنْ حُمِلَ هذا النفيُ على هذا المعنى، رَجَعَ هذا القولُ إلى القولِ الثاني، والقائلِ: يَصِحُّ الجَمْعُ إذا نوى عندَ الإحرامِ بالثانيةِ.

فما الحاجةُ إلى إطلاقِ النفيِ حتى يُوهِمَ أنَّ نيةَ الجَمْعِ ليستْ بشرطٍ؟

وإنْ حُمِلَ النفيُ على أنَّ الجَمْعَ لا يُشْتَرَطُ فيهِ نيةُ الجَمْعِ، بحيثُ لو صلى الصلاةَ الثانيةَ في وقتِ الأُولَى وغَفَلَ عن نيةِ الجَمْعِ، أو تَابَعَ إمامَهُ على الصلاةِ الثانيةِ دونَ نيةِ الجَمْعِ، صَحَّ منهُ ذلكَ إذا وُجِدَ سببُهُ، فنيةُ الصلاةِ تَكْفِي عن نيةِ الجَمْعِ.

إنْ حُمِلَ القولُ على ذلكَ:
فإنَّ مثلَ هذهِ الصورةِ نادرةٌ، فلا يُتَصَوَّرُ نيةُ الفرضِ الثاني في وقتِ الأُولَى إلا وقد قَصَدَ الجَمْعَ.

ظاهرُ كلامِ الشافعيةِ
أنَّهُمْ حَمَلُوا نفيَ المزنيِّ على المعنى الثاني.

جاءَ في «المهذبِ»:
«قالَ المزنيُّ: يجوزُ الجَمْعُ من غيرِ نيةِ الجَمْعِ، وهذا خطأٌ؛ لأنَّهُ جَمْعٌ؛ فلا يجوزُ من غيرِ نيةٍ، كالجَمْعِ في وقتِ الثانيةِ.

ولأنَّ العصرَ قد يُفْعَلُ في وقتِ الظهرِ على وجهِ الخطأِ، فلا بدَّ من نيةِ الجَمْعِ؛ لِيَتَمَيَّزَ التقديمُ المشروعُ من غيرِهِ» [11].

وقالَ النوويُّ شارحاً:
«نيةُ الجَمْعِ شرطٌ لصحةِ الجَمْعِ على المذهبِ.

وقالَ المزنيُّ وبعضُ الأصحابِ:
لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ جَمَعَ، ولم يُنْقَلْ أنَّهُ نوى الجَمْعَ، ولا أَمَرَ بنيتِهِ، وكانَ يَجْمَعُ معهُ من تَخْفَى عليهِ هذهِ النيةُ، فلو وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا. ودليلُ المذهبِ: أنَّ الصلاةَ الثانيةَ قد تُفْعَلُ في وقتِ الأُولَى جَمْعاً، وقد تُفْعَلُ سهواً، فلابدَّ من نيةٍ تُمَيِّزُهَا» [12].

فظاهرُ كلامِ النوويِّ
أنَّ المزنيَّ قَصَدَ بقولِهِ: (لا تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ) أيْ: حتى للصلاةِ الثانيةِ.
فلو كانَ المزنيُّ يَقْصِدُ نفيَ النيةِ عن الصلاةِ الأُولَى لم يَعْتَرِضْ عليهِ الشافعيةُ بقولِهِمْ: إنَّ الصلاةَ الثانيةَ قد تُفْعَلُ في وقتِ الأُولَى جَمْعاً، وقد تُفْعَلُ سهواً، فلابدَّ من نيةٍ تُمَيِّزُهَا.

وقالَ إمامُ الحرمينِ:
«مذهبُ المزنيِّ أنَّ نيةَ الجَمْعِ ليستْ مشروطةً، ولكنْ إذا وَقَعَ الجَمْعُ على شرطِهِ كَفَى، وليسَ كنيةِ القصرِ؛ فإنَّ الأصلَ الإتمامُ، ونيةُ القصرِ تُغَيِّرُ الصلاةَ الواحدةَ، فلا بدَّ من نيةٍ تُزِيلُ أصلَ الصلاةِ، وأما الجَمْعُ؛ فإنَّهُ متعلقٌ بصلاتينِ، فلا معنى لاشتراطِ نيةٍ تتعلقُ بالصلاتينِ» [13].

هذا ما يَخُصُّ تفسيرَ قولِ المزنيِّ.

فما ذا كانَ يَقْصِدُ شيخُ الإسلامِ بقولِهِ: لا تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ؟

جاءَ في «الإنصافِ»:
«وللجَمْعِ في وقتِ الأُولَى ثلاثةُ شروطٍ: نيةُ الجَمْعِ، يعني أحدُهَا: نيةُ الجَمْعِ. وهذا المذهبُ، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ.

وقِيلَ: لا تُشْتَرَطُ النيةُ لالجَمْعِ. اختارَهُ أبو بكرٍ، كما تقدمَ في كلامِ المصنفِ، والشيخُ تقيُّ الدينِ. وقَدَّمَهُ ابنُ رزينٍ» [14].

فظاهرُ قولِهِ:
لا تُشْتَرَطُ النيةُ لالجَمْعِ، أيْ مطلقاً، لا في الأُولَى، ولا في الثانيةِ.
لأنَّ المرداويَّ، وهوَ يَحْكِي الخلافَ، ذَكَرَ الخلافَ على مرحلتينِ:

المرحلةُ الأُولَى: الخلافُ في اشتراطِ نيةِ الجَمْعِ، وجَعَلَ المسألةَ على قولينِ:

الأولُ: أنَّ النيةَ شرطٌ، هكذا بإطلاقٍ، ونَسَبَهُ للمذهبِ، وقَابَلَهُ بضدِّهِ: لا تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ، ونَسَبَهُ لابنِ تيميةَ.

ثمَّ انتقلَ المرداويُّ يُبَيِّنُ الاختلافَ في مَحَلِّهَا على القولِ بأنَّ النيةَ شرطٌ، فَذَكَرَ أنَّ النيةَ شرطٌ عندَ إحرامِ الأُولَى، وقِيلَ: تُجْزِئُهُ النيةُ قبلَ سلامِهَا، وقِيلَ: بعدَ الفراغِ من الأُولَى، وقِيلَ: عندَ إحرامِ الثانيةِ لا قبلَهَا ولا بعدَهَا، ونَسَبَ هذهِ الأقوالَ، ولم يَنْسُبْ أَيّاً منها لابنِ تيميةَ.

فصنيعُ المرداويِّ ظاهرُهُ من نفيِ اشتراطِ النيةِ الإطلاقُ، وأنَّهَا ليستْ بشرطٍ لا عندَ الأُولَى ولا عندَ الثانيةِ، كقولِ المزنيِّ.

وهذا ما فَهِمَهُ الشيخُ عبدُ اللهِ بابطين، فقد سُئِلَ كما في «الدررِ السنيةِ»، عن إعلامِ الإمامِ بنيةِ الجَمْعِ، فأجابَ:
«… أرجو أنَّهُ لا بأسَ أنْ يُعْلِمَهُمْ أنَّهُ نَاوٍ الجَمْعَ؛ ولم أَسْمَعْ في ذلكَ شيئاً عن الصحابةِ؛ كما هوَ حجةُ من لم يَشْتَرِطِ النيةَ لالجَمْعِ، وهوَ اختيارُ الشيخِ تقيِّ الدينِ، لكنَّ الخروجَ من الخلافِ لا بأسَ بهِ» [15].

والذي يَظْهَرُ لي:

أنَّ هذا غيرُ مرادٍ لشيخِ الإسلامِ؛ لأنَّنَا إذا رَجَعْنَا ونَقَلْنَا مذهبَ شيخِ الإسلامِ من كتبِهِ تَبَيَّنَ المرادُ منهُ.

قالَ في «مجموعِ الفتاوى»:
«وهكذا اختلفُوا في الجَمْعِ والقصرِ، هل يُشْتَرَطُ لهُ نيةٌ؟

فالجمهورُ: لا يَشْتَرِطُونَ النيةَ، كمالكٍ، وأبي حنيفةَ، وهوَ أحدُ القولينِ في مذهبِ أحمدَ، وهوَ مقتضى نصوصِهِ.

والثاني: تُشْتَرَطُ. كقولِ الشافعيِّ وكثيرٍ من أصحابِ أحمدَ كالخرقيِّ وغيرِهِ. والأولُ أظهرُ، ومن عَمِلَ بأحدِ القولينِ لم يُنْكَرْ عليهِ» [16].

فلو نَسَبَ ابنُ تيميةَ القولَ بنفيِ الاشتراطِ لنفسِهِ لَحُمِلَ على ظاهرِهِ.
أما أنْ يَنْسُبَهُ لالجمهورِ، فالذي وَقَعَ فيهِ الاختلافُ بينَ الأئمةِ: إنما هوَ في اشتراطِ النيةِ عندَ الصلاةِ الأُولَى.
ولم يختلفُوا قطُّ في اشتراطِ النيةِ لالثانيةِ، فضلاً أنْ يكونَ مقتضى نصوصِ الإمامِ أحمدَ عدمَ اشتراطِ النيةِ مطلقاً، فَتَعَيَّنَ حملُ كلامِ ابنِ تيميةَ على نفيِ اشتراطِ النيةِ للصلاةِ الأُولَى. واللهُ أعلمُ.

إذا تَبَيَّنَ ذلكَ نأتي على خلاصةِ الأقوالِ:

قِيلَ: النيةُ شرطٌ لالجَمْعِ.
وقِيلَ: النيةُ ليستْ بشرطٍ، بل تَكْفِي عنها نيةُ الصلاةِ.

والقائلونَ بأنَّ النيةَ شرطٌ اختلفُوا في مَحَلِّهَا:

فقِيلَ: النيةُ شرطٌ عندَ الشروعِ في الصلاةِ الأُولَى.
وقِيلَ: تُجْزِئُهُ النيةُ إذا عَقَدَهَا قبلَ السلامِ من الأُولَى.
وقِيلَ: تُجْزِئُهُ بعدَ السلامِ من الأُولَى وقبلَ إحرامِ الثانيةِ.
وقِيلَ: مَحَلُّ النيةِ: إحرامُ الثانيةِ، لا قبلَهُ، ولا بعدَهُ.
وقِيلَ: في المطرِ ينوي الجَمْعَ عندَ افتتاحِ الصلاةِ الأُولَى، وفي السفرِ ينوي الجَمْعَ مع التسليمةِ في الصلاةِ الأُولَى أو قبلَهَا.
دليلُ من قالَ: نيةُ الجَمْعِ شرطٌ في صحةِ الجَمْعِ:

الصلاةُ عبادةٌ محضةٌ أعن:ي غيرَ معقولةِ المعنى يُقْصَدُ بها القربةُ فقطْ لا تَصِحُّ إلا بنيةٍ، وهذا بالإجماعِ، وإنما يختلفُ الفقهاءُ في النيةِ أهيَ شرطٌ أم ركنٌ؟
وسَبَقَ لنَا الخلافُ.
ونيةُ الجَمْعِ جزءٌ من نيةِ الصلاةِ، فهيَ مركبةٌ من نيتينِ: نيةِ الصلاةِ، ونيةِ الجَمْعِ، كما أنَّ نيةَ الظهرِ مركبةٌ من نيتينِ: نيةِ الصلاةِ، ونيةِ الفريضةِ، والأُولَى جنسٌ، والثانيةُ: نوعٌ، فلو نوى الصلاةَ وحدَهَا، ولم يُعَيِّنْ نوعَهَا لم تَنْعَقِدِ الفريضةُ، فكذلكَ لو نوى الصلاةَ ولم يَنْوِ الجَمْعَ، فكانَ لا بدَّ مع نيةِ الصلاةِ أنْ ينويَ الجَمْعَ؛ لأنَّ حقيقةَ الجَمْعِ ضَمُّ إحداهُمَا إلى الأُخْرَى، وهوَ عملٌ.

وقد قالَ ﷺ في الحديثِ المتفقِ عليهِ من مسندِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- مرفوعاً«إنما الأعمالُ بالنياتِ».

ويُناقش هذا من وجهين:
الوجهُ الأولُ:

أنَّ نيةَ الجَمْعِ ليستْ جزءاً من نيةِ الصلاةِ، فنيةُ الصلاةِ، كلُّ صلاةٍ لها نيةٌ خاصةٌ، ونيةُ الجَمْعِ متعلقةٌ بالصلاتينِ معاً من جهةِ الوقتِ تقديماً أو تأخيراً.

الوجهُ الثاني:

قالَ البلقينيُّ نقلاً من «فتحِ الباري»:
«الجَمْعُ ليسَ بعملٍ، وإنما العملُ الصلاةُ. ويُقَوِّي ذلكَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ جَمَعَ في غزوةِ تبوكَ، ولم يَذْكُرْ ذلكَ للمأمومينَ الذينَ معهُ، ولو كانَ شرطاً لأَعْلَمَهُمْ بهِ.

واسْتُدِلَّ بهِ على أنَّ العملَ إذا كانَ مضافاً إلى سببٍ ويَجْمَعُ مُتَعَدِّدَهُ جنسٌ: أنَّ نيةَ الجنسِ تَكْفِي.
كمن أَعْتَقَ عن كفارةٍ ولم يُعَيِّنْ كونَهَا عن ظهارٍ أو غيرِهِ؛ لأنَّ معنى الحديثِ: أنَّ الأعمالَ بنياتِهَا، والعملُ هنا القيامُ بالذي يُخْرِجُ عن الكفارةِ اللازمةِ وهوَ غيرُ مُحْوِجٍ إلى تعيينِ سببٍ، وعلى هذا لو كانتْ عليهِ كفارةٌ وشَكَّ في سببِهَا أَجْزَأَهُ إخراجُهَا بغيرِ تعيينٍ» [17].

ورُدَّ هذا:

«بأنَّ الجَمْعَ ضَمُّ إحداهُمَا إلى الأُخْرَى، فهوَ عملٌ حقيقةً، بخلافِ التفريقِ؛ فإنَّهُ تركٌ حقيقةً، أو أقربُ إلى التركِ، فاتضحَ ما قالُوهُ، وبَطَلَ ما اختارُوهُ» [18].

ولأنَّ الضمَّ قد يكونُ بنيةِ الجَمْعِ وقد يَقَعُ سهواً، ونيةُ الجَمْعِ هيَ التي تُمَيِّزُ.

ويُجَابُ:

لا جَمْعَ إلا بسببٍ، وإذا جَمَعَ بلا سببٍ لم يَصِحَّ الجَمْعُ، ووجودُ سببِ الجَمْعِ مع نيةِ الصلاةِ كافٍ في التمييزِ، فلا يَحْتَاجُ الأمرُ إلى نيةِ الجَمْعِ.

دليلُ من قالَ: لا تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ:
الدليلُ الأولُ:

الشروطُ توقيفيةٌ، لا تَثْبُتُ إلا بنصٍّ أو إجماعٍ، ولا يُحْفَظُ في السنةِ أنَّ النبيَّ ﷺ أو أَحَداً من أصحابِهِ أَمَرَ بنيةِ الجَمْعِ، مع أنَّ أَكْثَرَ المأمومينَ قد يَجْهَلُ نيةَ الإمامِ.

وقد صلى النبيُّ ﷺ بالناسِ في عرفةَ كما في حديثِ جابرٍ المتفقِ عليهِ، وجَمَعَ بالأبطحِ كما في حديثِ أبي جحيفةَ المتفقِ عليهِ، وجَمَعَ في أثناءِ استراحتِهِ في طريقِهِ إلى غزوةِ تبوكَ كما في حديثِ معاذٍ في مسلمٍ، ولم يَأْمُرْهُمْ بنيةِ الجَمْعِ قبلَ إحرامِ الأُولَى، وكانَ يَجْمَعُ معهُ من تَخْفَى عليهِ هذهِ النيةُ، فلو وَجَبَتْ نيةُ الجَمْعِ لَبَيَّنَهَا لهُمْ.

الدليلُ الثاني:

الغرضُ من الجَمْعِ، وقوعُ الصلاتينِ في وقتِ إحداهُمَا، نوى الجَمْعَ أو لم يَنْوِ، ونيةُ الصلاةِ تَكْفِي عن نيةِ الجَمْعِ؛ فالمصلي ينوي الصلاةَ الأُولَى، حتى إذا فَرَغَ منها نوى الصلاةَ الثانيةَ، وأما نيةُ الجَمْعِ فهيَ نيةٌ ثالثةٌ زائدةٌ على نيةِ الصلاةِ تتعلقُ بالصلاتينِ معاً، ووجوبُهَا يَحْتَاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ، فلو أنَّهُ تَابَعَ إمامَهُ وغَفَلَ عن نيةِ الجَمْعِ فأينَ الدليلُ على بطلانِ جَمْعِهِ، فَتَكْفِي نيةُ الصلاةِ عن نيةِ الجَمْعِ.

ويُنَاقَشُ:

بأنَّ الإقامةَ للصلاةِ الثانيةِ ومتابعةَ الناسِ للإمامِ للقيامِ لها دليلٌ على أنَّ النيةَ قد أُحْضِرَتْ عندَ إحرامِ الثانيةِ، وهذا يَتَكَرَّرُ فقد يصلي الرجلُ خلفَ الإمامِ، ولا يَعْلَمُ عن نيتِهِ بالجَمْعِ إلا بعدَ أنْ يَنْصَرِفَ من الأُولَى ويَأْمُرَ المؤذنَ بإقامةِ الثانيةِ، فمتابعةُ الإمامِ على الصلاةِ الثانيةِ دليلٌ على أنَّهُ نوى الجَمْعَ قبلَ الشروعِ.

ورُدَّ هذا:

بأنَّ الكلامَ فيما لو غَفَلَ رجلٌ عن نيةِ الجَمْعِ، وتَابَعَ إمامَهُ على فعلِ الصلاةِ ساهياً عن نيةِ الجَمْعِ، مكتفياً بنيةِ الصلاةِ الثانيةِ، فما هوَ الدليلُ على بطلانِ صلاتِهِ؟

فإنْ قلتُمْ: إنَّ نيةَ الصلاةِ الثانيةِ تَكْفِي عن نيةِ الجَمْعِ أَبْطَلْتُمُ القولَ بالشرطيةِ، وإنْ قلتُمْ: إنَّهَا باطلةٌ، فما هوَ الدليلُ على البطلانِ، والأصلُ صحةُ الصلاةِ؟

فكانتْ نيةُ الصلاةِ الثانيةِ كافيةً في تحققِ الجَمْعِ، وهوَ ضَمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخْرَى، ولو لم يَنْوِ الجَمْعَ.

الدليلُ الثالثُ:

قياسُ نيةِ الجَمْعِ على نيةِ القصرِ، فالنبيُّ ﷺ لما خَرَجَ في حجةِ الوداعِ صلى بهِمُ الظهرَ بالمدينةِ أربعاً، وصلى بهِمُ العصرَ بذي الحليفةِ ركعتينِ، وخلفَهُ أُمَمٌ لا يُحْصِي عددَهُم إلا اللهُ: كلُّهُمْ خَرَجُوا يحجونَ معهُ، وكثيرٌ منهم لا يَعْرِفُ صلاةَ السفرِ: إما لِحُدُوثِ عهدِهِ بالإسلامِ، وإما لكونِهِ لم يسافرْ بعدُ، لا سيما النساءُ، فهؤلاءِ صلوا معهُ، ولم يَأْمُرْهُمْ بنيةِ القصرِ.

وإذا صَحَّ القصرُ بلا نيةِ القصرِ صَحَّ الجَمْعُ بلا نيةٍ من بابِ أَوْلَى؛ لأنَّ نيةَ القصرِ تُغَيِّرُ أصلَ الصلاةِ، فلو تأخرتْ لَتَأَدَّى بعضُ الصلاةِ على نيةِ التمامِ، وهذا يَمْنَعُ من القصرِ عندَ من يَشْتَرِطُ النيةَ للقصرِ، بخلافِ نيةِ الجَمْعِ فإنَّهَا نيةٌ متعلقةٌ بالصلاتينِ معاً من جهةِ الوقتِ، وهوَ أمرٌ خارجٌ عن كُنْهِ الصلاةِ [19].

الدليلُ الرابعُ:

القياسُ على التمتعِ في النسكِ، فإنَّ حقيقتَهُ جَمْعُ النسكينِ بسفرةٍ واحدةٍ، ولا تُشْتَرَطُ نيةُ التمتعِ، فإذا أَحْرَمَ بالعمرةِ، وتَحَلَّلَ منها، ثمَّ أَحْرَمَ بالحجِّ في سفرةٍ واحدةٍ فقد حَصَلَ التمتعُ، نوى التمتعَ أو لم يَنْوِ، فكذلكَ الجَمْعُ، إذا صلى الصلاتينِ في وقتِ الأُولَى، فقد حَصَلَ لهُ الجَمْعُ، نوى الجَمْعَ أو لم يَنْوِ.

فإنْ قِيلَ: هل يُتَصَوَّرُ أنْ يُعَجِّلَ الثانيةَ دونَ أنْ ينويَ الجَمْعَ؟
الجوابُ:

نعمْ يُتَصَوَّرُ، خاصةً في حقِّ المأمومِ فقد يَقَعُ منهُ متابعةٌ لإمامِهِ، فينوي الصلاةَ الثانيةَ، ويَغْفُلُ عن نيةِ الجَمْعِ، فنيةُ الأَعَمِّ لا تَسْتَلْزِمُ نيةَ الأَخَصِّ، فنيةُ الصلاةِ الثانيةِ لا تَسْتَلْزِمُ نيةَ الجَمْعِ، كما لو أرادَ أنْ يصليَ الوترَ لا تَكْفِيهِ نيةُ الصلاةِ حتى ينويَ الوترَ، فكذلكَ هنا، فلولا أنَّهُ مُتَصَوَّرٌ لما جَعَلْتُمْ نيةَ الجَمْعِ شرطاً.

دليلُ من قالَ: مَحَلُّ النيةِ قبلَ الشروعِ في الصلاةِ الأُولَى:
الدليلُ الأولُ:

كلُّ عبادةٍ اشْتُرِطَتْ فيها النيةُ اعْتُبِرَتْ في أولِهَا، كـ(نيةِ الصلاةِ).

وأُجِيبَ:

قولُهُمْ: (كلُّ عبادةٍ اشْتُرِطَتْ فيها النيةُ) إنْ قُصِدَ بذلكَ نيةُ الصلاةِ فهذا لا نزاعَ فيهِ، وإنْ قُصِدَ نيةُ الجَمْعِ فهذهِ دعوى في مَحَلِّ النزاعِ، فهناكَ من لا يرى نيةَ الجَمْعِ شرطاً مطلقاً، وهناكَ من يرى جوازَ تأخيرِ نيةِ الجَمْعِ إلى قبلِ تحريمةِ الصلاةِ الثانيةِ.

ولأنَّ الرخصةَ لا تتعلقُ بالصلاةِ الأُولَى؛ لأنَّهَا فُعِلَتْ في وقتِهَا المشروعِ، فَتَخَلُّفُ نيةِ الجَمْعِ عنها لا يَضُرُّ حكمَ الجَمْعِ.

الدليلُ الثاني:

وجوبُ النيةِ في الصلاةِ الأُولَى مُسْتَفَادٌ من أمرينِ:

الأولُ: من معنى الجَمْعِ، فإنَّ الجَمْعَ هوَ الضمُّ، أيْ ضَمُّ الثانيةِ إلى الأُولَى، ولا بدَّ أنْ يكونَ الضمُّ مشتملاً لجميعِ الصلاةِ حتى تكونَ الصلاتانِ كالصلاةِ الواحدةِ.

الثاني: أنَّ سببَ وجوبِ الصلاةِ هوَ الوقتُ، ولهذا تَتَكَرَّرُ الصلاةُ بتكررِ الوقتِ، فلما كانَ وقتُ الصلاتينِ المجموعتينِ وقتاً واحداً، كانَتَا في حكمِ الصلاةِ الواحدةِ في بابِ النيةِ، والصلاةُ الواحدةُ لابدَّ من وجودِ النيةِ في ابتدائِهَا، فكذلكَ نيةُ الجَمْعِ، وبدلالةِ أنَّهُ إذا طَالَ الفصلُ بينهما لم يَجُزِ الجَمْعُ على أحدِ القولينِ.

وأُجِيبَ:

قولُكُمْ: (الصلاتانِ المجموعتانِ في حكمِ الصلاةِ الواحدةِ)
هذا بالنسبةِ للوقتِ، وإلا فكلُّ صلاةٍ مستقلةٌ عن الأُخْرَى لها تحريمٌ وتحللٌ مستقلٌّ، ولها أركانٌ وشروطٌ مستقلةٌ عن الأُخْرَى، وفسادُ الثانيةِ لا يَسْرِي إلى الأُولَى، والسهوُ في الأُولَى لا يُوجِبُ سجودَ السهوِ في الثانيةِ.

والاستدلالُ بوجوبِ الموالاةِ على اشتراطِ النيةِ في ابتداءِ الصلاةِ فيهِ نظرٌ من جهتينِ:

الجهةُ الأُولَى: الأصحُّ في الموالاةِ أنَّهَا ليستْ بشرطٍ، ولا دليلَ على الشرطيةِ، وسوفَ أَتَعَرَّضُ لبحثِ هذهِ المسألةِ على وجهِ الاستقلالِ.

الجهةُ الثانيةُ: على فرضِ أنَّ الموالاةَ شرطٌ، فذلكَ يتعلقُ بالصلاةِ الثانيةِ، ولا تَسْتَلْزِمُ اشتراطَ النيةِ، وإنما تَسْتَلْزِمُ ألا يُوجَدَ فاصلٌ طويلٌ بينَ الصلاتينِ، فلو صلى الصلاةَ الثانيةَ على التوالي، ولم يَنْوِ الجَمْعَ تَحَقَّقَتِ الموالاةُ مع تَخَلُّفِ نيةِ الجَمْعِ، وليستِ الموالاةُ بينَ الصلاتينِ بأشدَّ من الموالاةِ بينَ أفعالِ الصلاةِ، وهيَ شرطٌ لصحتِهَا، ومعَ ذلكَ لا تُشْتَرَطُ نيةٌ خاصةٌ لأفعالِ الصلاةِ من ركوعٍ وسجودٍ وقعودٍ؛ حتى لو ذَهِلَ عن النيةِ لم تَنْقَطِعِ الموالاةُ حكماً، فكذلكَ الموالاةُ بينَ الصلاتينِ لا تَسْتَلْزِمُ نيةَ الجَمْعِ.

الدليلُ الثالثُ:

لا تجوزُ الصلاةُ قبلَ وقتِهَا باتفاقِ أهلِ العلمِ إلا بنيةِ الجَمْعِ، كما أنَّهُ لا يجوزُ تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِهَا مع إمكانِ فعلِهَا إلا بنيةِ الجَمْعِ، لهذا كانتْ نيةُ الجَمْعِ هوَ ما يُبِيحُ تقديمَ الصلاةِ عن وقتِهَا أو تأخيرَهَا، فكانتْ شرطاً لصحةِ الجَمْعِ.

ويُجَابُ:

فيهِ فرقٌ بينَ نيةِ التقديمِ والتأخيرِ وبينَ نيةِ الجَمْعِ المقارنةِ للعبادةِ.

فالرجلُ إذا خَرَجَ من بيتِهِ متجهاً إلى مكةَ، فهوَ يريدُ النسكَ، ولكنْ هذهِ النيةُ لا تُدْخِلُهُ في النسكِ، ولا يَلْزَمُهُ أحكامُ النسكِ، حتى يَقْصِدَ بنيتِهِ التلبسَ بالنسكِ، فَيَحْرُمُ عليهِ ما كانَ حلالاً، فنيةُ تأخيرِ الصلاةِ من أجلِ الجَمْعِ يُبِيحُ لهُ التأخيرَ، ولكنْ هذهِ النيةُ غيرُ نيةِ الجَمْعِ التي يَعْقِدُهَا عندَ الشروعِ في الجَمْعِ، وتكونُ مقارنةً للتحريمةِ، فلو أنَّ الرجلَ عندما سَمِعَ أذانَ الظهرِ نوى تأخيرَ الظهرِ إلى العصرِ بنيةِ الجَمْعِ، فهذهِ النيةُ تُبِيحُ لهُ تأخيرَ الصلاةِ عن وقتِهَا، ولا تَجْعَلُهَا قضاءً، فهل هذهِ النيةُ تَكْفِيهِ عن نيةِ الجَمْعِ إذا دخلَ وقتُ العصرِ، وأرادَ الصلاةَ مع وجودِ هذا الفاصلِ الطويلِ؟

فالذينَ يُوجِبُونَ نيةَ الجَمْعِ لا يَكْتَفُونَ بهذهِ النيةِ، فلا يَصِحُّ الاحتجاجُ بالنيةِ التي تُبِيحُ التقديمَ والتأخيرَ على نيةِ الجَمْعِ التي تُقَارِنُ الشروعَ في الصلاةِ، وتكونُ شرطاً عندَ من يراهَا شرطاً لصحةِ الجَمْعِ.

دليلُ من قالَ: يجوزُ أنْ تكونَ نيةُ الجَمْعِ قبلَ الشروعِ في الثانيةِ:
الدليلُ الأولُ:

لو كانتْ نيةُ الجَمْعِ واجبةً في الصلاةِ الأُولَى لكانَ النبيُّ ﷺ ذَكَرَهَا لأصحابِهِ قبلَ أنْ يصليَ الظهرَ في عرفةَ، وفي الأبطحِ، وفي غزوةِ تبوكَ؛ لأنَّ أَكْثَرَ من صلى معهُ لا يَعْلَمُ شيئاً عن نيةِ النبيِّ ﷺ، ولم يُخْبِرْهُمُ النبيُّ ﷺ أنَّهُ سَيَجْمَعُ الصلاةَ الثانيةَ معها، فالظاهرُ أنَّهُمْ لم يَعْلَمُوا بالجَمْعِ إلا عندما أقامَ بلالٌ للصلاةِ الثانيةِ، وهذا دليلٌ على أنَّ نيةَ الجَمْعِ لا تُشْتَرَطُ للصلاةِ الأُولَى.

الدليلُ الثاني:

أنَّ الرخصةَ لا تتعلقُ بالأُولَى لوقوعِهَا في وقتِهَا، فَتَكْفِيهَا نيةُ الصلاةِ، وإنما تتعلقُ الرخصةُ بتعجيلِ الصلاةِ الثانيةِ، فاعْتُبِرَتْ نيةُ الجَمْعِ قبلَ الشروعِ فيها.

ولأنَّ حقيقةَ الجَمْعِ هوَ ضَمُّ الثانيةِ إلى الأُولَى، فاعْتُبِرَتِ النيةُ عندَ افتتاحِ الثانيةِ.

دليلُ من فَرَّقَ بينَ المطرِ والسفرِ:

لما كانتِ استدامةُ سببِ الجَمْعِ في السفرِ شرطاً كَفَى وجودُهُ عن اشتراطِ النيةِ من أولِهَا، بخلافِ المطرِ، فيُشْتَرَطُ وجودُهُ أولَ الصلاةِ دونَ دوامِهِ، فاحْتَاجَ إلى اشتراطِ النيةِ من أولِ الصلاةِ.

الراجحُ:

الأصلُ أنَّ العاقلَ لا يَفْعَلُ فِعْلاً مخالفاً للعادةِ إلا وقد قَصَدَهُ، وهذا حقيقةُ النيةِ، وهوَ قصدُ الفعلِ، فإذا تُصُوِّرَ أنَّ هناكَ مصلياً جَمَعَ بينَ الصلاتينِ جمعَ تقديمٍ، وهوَ غافلٌ عن نيةِ الجَمْعِ، وكانَ سببُ الجَمْعِ قائماً كالسفرِ، فصلاتُهُ صحيحةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالى قياساً على القصرِ.
فلو شَرَعَ المسافرُ في الصلاةِ ولم يَنْوِ القصرَ، ثمَّ تَفَطَّنَ لذلكَ أثناءَ الصلاةِ، فَقَصَرَ الصلاةَ صَحَّتْ صلاتُهُ؛ لأنَّ عددَ الركعاتِ لا يَجِبُ على المصلي أنْ يَعْقِدَ لها نيةً خاصةً على الصحيحِ فكذلكَ الجَمْعُ.

وقد يَعْتَرِضُ أحدُهُمْ بأنَّ المسافرَ السنةُ في صلاتِهِ القصرُ، وهناكَ من أهلِ العلمِ من يرى وجوبَ القصرِ بخلافِ الجَمْعِ فإنَّهُ رخصةٌ.

ويُقَالُ في دفعِ مثلِ هذا:
أنَّ هذا فرقٌ غيرُ مؤثرٍ في مَحَلِّ الحكمِ، فالرخصةُ قد تكونُ سنةً، وقد تكونُ مباحةً، وقد تكونُ واجبةً، والأصحُّ في القصرِ أنَّهُ ليسَ بواجبٍ ولو كانَ واجباً لكانَ إتمامُ المسافرِ خلفَ المقيمِ زيادةً في صلاتِهِ، واللهُ أعلمُ.

فإذا تَحَقَّقَ سببُ الجَمْعِ المبيحُ لالجَمْعِ، وصلى الصلاتينِ بوقتِ الأُولَى، فقد تَحَقَّقَ الجَمْعُ، نوى الجَمْعَ أو لم يَنْوِ.

وقد يَطْرَأُ سببُ الجَمْعِ بعدَ الصلاةِ الأُولَى، مثلَ أنْ يُحْدِثَ الإنسانُ قصدَ السفرِ بعدَ فراغِهِ من الصلاةِ الأُولَى، وبعدَ مضيِّ زمنٍ لا تَتَحَقَّقُ فيهِ الموالاةُ، فإنَّ لهُ أنْ يَجْمَعَ كذلكَ بَعْد أنْ يُفارِقَ العِمرانَ، لما تَرَجَّحَ من عدمِ اشتراطِ النيةِ ولا الموالاةِ في جمعِ التقديمِ.

في اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الجَمْعِ في جَمْعِ التَّأْخِيرِ

📌 المَدْخَلُ إلى المسألةِ:

لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَمَرَ أصحابَهُ بـنيةِ جمعِ التأخيرِ ليلةَ مزدلفةَ، وقد كانَ معهُ من يَخْفَى عليهِ حكمُ ذلكَ.
تَوَقَّفَ النبيُّ ﷺ بالشِّعْبِ لِيَتَوَضَّأَ، وهوَ في طريقِهِ إلى مزدلفةَ، فقالَ لهُ أسامةُ: الصلاةَ يا رسولَ اللهِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ: «الصلاةُ أمامَكَ»، فلم يَكُنْ أحدٌ يَعْلَمُ متى يصلي النبيُّ ﷺ المغربَ، ولم يَأْمُرْهُمُ النبيُّ ﷺ بـنيةِ التأخيرِ.
تحريمُ تأخيرِ الصلاةِ حتى يَضِيقَ الوقتُ عن فعلِهَا إلا لِنَاوٍ الجَمْعَ حكمٌ تكليفيٌّ، وإبطالُ نيةِ الجَمْعِ إذا ضَاقَ وقتُ الأُولَى عن فعلِهَا حكمٌ وضعيٌّ، وقد يَجْتَمِعَانِ، وقد يَفْتَرِقَانِ.
ما المانعُ من صحةِ نيةِ التأخيرِ ما دامَ أنَّ العصرَ لم يَدْخُلْ، وإنْ كانَ يَسْتَحِقُّ الإثمَ بالتأخيرِ حتى ضَاقَ الوقتُ عن فعلِهَا؟
المكلفُ ليسَ بحاجةٍ إلى أنْ يكونَ الوقتُ الأولُ يَسَعُ فِعْلَ الصلاةِ ما دامَ أنَّ الصلاةَ لن تُفْعَلَ في الوقتِ الأولِ، بلْ سَتُفْعَلُ في الوقتِ الثاني والذي لم يَدْخُلْ بعدُ.
حقيقةُ الجَمْعِ ضَمُّ أحدِ الوقتينِ إلى الثاني لِيَكُونَا وقتاً واحداً، والوقتُ الثاني لم يُحْكَمْ بدخولِهِ، فما المانعُ من صحةِ ضَمِّ ما بَقِيَ من الوقتِ إلى الوقتِ الثاني؟.

إذا نوى جمعَ التأخيرِ، فهل تُشْتَرَطُ نيةُ الجَمْعِ؟

قِيل: إذا جَمَعَ في وقتِ الثانيةِ فلا بدَّ من نيةِ الجَمْعِ في وقتِ الأُولَى.
وموضعُهَا في وقتِ الأُولَى: من أولِهِ إلى أنْ يَبْقَى منهُ قَدْرُ ما يُصَلِّيهَا.

وهوَ قولُ الشافعيةُ والحنابلةُ [20].

قالَ في «المقنعِ»:
«وإنْ جَمَعَ في وقتِ الثانيةِ كَفَاهُ نيةُ الجَمْعِ في وقتِ الأُولَى ما لم يَضِقْ عن فعلِهَا» [21].

وقِيلَ: تَكْفِيهِ نيةُ الجَمْعِ ما لم يَبْقَ من الوقتِ أقلُّ من مقدارِ ركعةٍ.

وهوَ قولٌ في مذهبِ الحنابلةِ [22].

وقِيلَ: لهُ أنْ يُؤَخِّرَ إلى أنْ يَبْقَى من الوقتِ مقدارُ تكبيرةِ الإحرامِ.

وهوَ قولٌ في مذهبِ الحنابلةِ [23].

وتَكْفِيهِ هذهِ النيةُ عن نيةِ الجَمْعِ حالَ الصلاةِ.

وقالَ النوويُّ:
«فلو جَمَعَ في وقتِ الثانيةِ لم يُشْتَرَطِ الترتيبُ، ولا الموالاةُ، ولا نيةُ الجَمْعِ حالَ الصلاةِ على الصحيحِ» [24].

وقالَ ابنُ قدامةَ:
«وإنْ جَمَعَ في وقتِ الثانيةِ، كَفَاهُ نيةُ الجَمْعِ في وقتِ الأُولَى» [25].

ويُفْهَمُ منهُ:
أنَّهُ لا تُشْتَرَطُ في جمعِ التأخيرِ نيتُهُ عندَ الإحرامِ بالجَمْعِ، اكتفاءً بالتأخيرِ بنيةِ الجَمْعِ في وقتِ الأُولَى، ولم يَعُدُّوا طُولَ الفاصلِ قاطعاً للنيةِ، مما يَدُلُّ على ضعفِ مَأْخَذِ اشتراطِ نيةِ الجَمْعِ.

واحْتَجُّوا لقولِهِمْ:

الدليلُ الأولُ:

الأصلُ وجوبُ الصلاةِ في وقتِهَا، قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساءُ: 103).

وتقديمُ الصلاةِ على الوقتِ، أو تأخيرُهَا عنهُ الأصلُ فيهِ التحريمُ، جَازَ التأخيرُ إذا قَصَدَ الجَمْعَ بسببٍ يُبِيحُهُ، فلو أَخَّرَ الظهرَ إلى العصرِ من غيرِ نيةِ الجَمْعِ كانَ بمنزلةِ من أَخَّرَ العصرَ إلى المغربِ واللهُ أعلمُ.

قالَ الإمامُ الشافعيُّ:
«لو أَخَّرَ الظهرَ عامداً، لا يريدُ بها الجَمْعَ إلى وقتِ العصرِ فهوَ آثمٌ في تأخيرِهَا» [26].

الدليلُ الثاني:

إذا كانَ تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِهَا من غيرِ نيةِ الجَمْعِ محرماً، فإنَّ الرخصَ لا تُنَاطُ بالمعاصي.

ولأنَّ التأخيرَ إلى هذا الحَدِّ يُفَوِّتُ فائدةَ الجَمْعِ، وهوَ التخفيفُ بالمقارنةِ بينَ الصلاتينِ.

قالَ في «المبدعِ»:
«لأنَّهُ متى أَخَّرَهَا عن ذلكَ بغيرِ نيةٍ صَارَتْ قضاءً، لا جَمْعاً» [27].

الدليلُ الثالثُ:

ولأنَّ التأخيرَ قد يكونُ بنيةِ الجَمْعِ، وقد يَقَعُ سهواً أو تفريطاً، فلا بدَّ من نيةٍ يَتَمَيَّزُ بها التأخيرُ المشروعُ عن غيرِهِ.

وتُنَاقَشُ هذهِ الأدلةُ من وجهينِ:
الوجهُ الأولُ:

اشتراطُ نيةِ الجَمْعِ في وقتِ الأُولَى دليلُهُ ظاهرٌ، ولكنْ يُشْكِلُ عليهِ أنَّهُ لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَمَرَهُمْ بنيةِ جمعِ التأخيرِ ليلةَ مزدلفةَ، وقد كانَ معهُ من يَخْفَى عليهِ ذلكَ، ولذلكَ كانَ أسامةُ بنُ زيدٍ رديفَ النبيِّ ﷺ حينَ أَفَاضَ من عرفاتٍ، وحينَ تَوَقَّفَ النبيُّ ﷺ بالشِّعْبِ لِيَبُولَ، وهوَ في طريقِهِ إلى مزدلفةَ، قالَ لهُ أسامةُ: الصلاةَ يا رسولَ اللهِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ:
«الصلاةُ أمامَكَ» [28].

فلم يَكُنْ أحدٌ يَعْلَمُ متى يصلي النبيُّ ﷺ المغربَ، ولم يَأْمُرْهُمُ النبيُّ ﷺ بنيةِ التأخيرِ، وهذا يَنْطَبِقُ على كثيرٍ من المسلمينَ مِمَّنْ كانُوا مع النبيِّ ﷺ في ذلكَ المشهدِ.

الثاني:

كونُهُ لا يجوزُ لهُ تأخيرُ الصلاةِ حتى يَضِيقَ الوقتُ عن فعلِهَا على أحدِ القولينِ، أو حتى يَبْقَى من الوقتِ مقدارُ ركعةٍ على القولِ الآخرِ، إلا بنيةِ الجَمْعِ، هذا يَجْعَلُهُ آثماً بتأخيرِ الصلاةِ بلا نيةِ الجَمْعِ وهذا من أحكامِ التكليفِ.

ولكنَّ الصحةَ والإبطالَ من أحكامِ الوضعِ، وقد يَفْتَرِقُ الحكمُ التكليفيُّ عن الوضعيِّ، فإبطالُ نيةِ تأخيرِ الصلاةِ قبلَ دخولِ وقتِ العصرِ من قبيلِ الحكمِ الوضعيِّ.

والسؤالُ: ما المانعُ من صحةِ نيةِ التأخيرِ ما دامَ أنَّ العصرَ لم يَدْخُلْ، وإنْ كانَ يَسْتَحِقُّ الإثمَ بالتأخيرِ؟

لأنَّ حقيقةَ الجَمْعِ ضَمُّ أحدِ الوقتينِ إلى الثاني لِيَكُونَا وقتاً واحداً، والوقتُ الثاني لم يُحْكَمْ بدخولِهِ.

ولأنَّ المكلفَ ليسَ بحاجةٍ إلى أنْ يكونَ الوقتُ الأولُ يَسَعُ فعلَ الصلاةِ ما دامَ أنَّ الصلاةَ لن تُفْعَلَ في الوقتِ الأولِ؛ لأنَّ الكلامَ على جمعِ التأخيرِ، فالوقتُ الثاني لم يَدْخُلْ بعدُ.

ولأنَّهُ لو كانَ تركُهُ لنيةِ التأخيرِ عن ذهولٍ منهُ صَحَّتْ منهُ نيةُ التأخيرِ، ولو ضَاقَ الوقتُ عن فعلِ الصلاةِ الأُولَى، ما دامَ أنَّ الوقتَ الثاني لم يَدْخُلْ، فكذلكَ هنا؛ لأنَّ التفريقَ بينَ المعذورِ وغيرِهِ من جهةِ الإثمِ، لا من جهةِ الوضعِ، فلا فرقَ في الحكمِ الوضعيِّ بينَ المعذورِ وغيرِهِ.

 

وأما القولُ: بأنَّ الرخصَ لا تُنَاطُ بالمعاصي.

 

فهذا قولٌ مرجوحٌ.

والصوابُ:
أنَّ الرخصَ تجوزُ مطلقاً للعاصي وغيرِهِ، وسَبَقَ بحثُ هذهِ المسألةِ في أولِ مسائلِ الجَمْعِ.

فما دامَ أنَّ وقتَ الصلاةِ الثانيةِ لم يَدْخُلْ، والجَمْعُ يُرَادُ بهِ التأخيرُ، أيْ ضَمُّ وقتِ الصلاةِ الأُولَى إلى وقتِ الثانيةِ، لا أرى مانعاً من صحةِ التأخيرِ بنيةِ الجَمْعِ، والذينَ كانُوا مع النبيِّ ﷺ في الدفعِ من عرفةَ لم يَكُنْ أحدٌ منهم يَعْلَمُ متى يصلي المغربَ، وربما تَضَايَقَ وقتُ الأُولَى عن فعلِهَا، واللهُ أعلمُ.

الحواشي والمراجع

[1] فَرَّقَ المالكيةُ في المشهورِ بينَ مسألتينِ:

الأُولَى: إنْ حَدَثَ سببُ الجَمْعِ بعدَ الفراغِ من الأُولَى لم يَجْمَعُوا، عزاهُ في «النوادرِ»: لابنِ القاسمِ.

والمسألةُ الثانيةُ: إنْ صلى المغربَ في بيتِهِ، ثمَّ أتى المسجدَ فَوَجَدَهُمْ في العشاءِ ليلةَ الجَمْعِ فلهُ الدخولُ معهم، اكتفاءً بنيةِ الإمامِ، وإنْ وَجَدَهُمْ قد فَرَغُوا من الجَمْعِ، فلا يصلي العشاءَ إلا بعدَ مغيبِ الشفقِ، إلا أنْ يكونَ في مسجدِ مكةَ والمدينةِ، فيصليَهَا بعدَ الجماعةِ، وقبلَ مغيبِ الشفقِ؛ لأنَّ الصلاةَ فيهما أفضلُ من الجماعةِ.

فمقتضى التعليلِ: أنَّ المانعَ لا يعودُ إلى اشتراطِ نيةِ الجَمْعِ، بل تقديمُ فضلِ الجماعةِ، فإذا فَاتَ فضلُ الجماعةِ لم يَجْمَعْ دَرَكاً لفضيلةِ الوقتِ إلا أنْ يكونَ في الحرمينِ فَيَجْمَعُ إذا كانَ سَيُغَادِرُ الحرمَ دَرَكاً لفضيلةِ الصلاةِ فيهما، وأَلْحَقَ خليلٌ المسجدَ الأقصى بالحرمينِ، وما نَقَلَهُ الباجيُّ، وابنُ يونسَ، عن مالكٍ لم يَذْكُرُوا فيهِ بيتَ المقدسِ، واللهُ أعلمُ.

انظرْ: «شرحَ زروقٍ على الرسالةِ» (1/324)، و«جامعَ الأمهاتِ» (ص: 121)، و«القوانينَ الفقهيةَ» (ص: 57)، و«تحبيرَ المختصرِ» (1/485)، و«شرحَ الخرشيِّ» (2/71)، و«التاجَ والإكليلَ» (2/517)، و«الشاملَ في فقهِ الإمامِ مالكٍ» (1/132)، و«المجموعَ» (4/374).

وقالَ المرداويُّ في «الإنصافِ» (2/341):
«الصحيحُ من المذهبِ: أنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ يأتيَ بالنيةِ عندَ إحرامِ الصلاةِ الأُولَى، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ».

وانظرْ: «المقنعَ» (ص: 65)، و«شرحَ الزركشيِّ» (2/153).

[2] «عقدُ الجواهرِ الثمينةِ» (1/157).
[3] «عقدُ الجواهرِ الثمينةِ» (1/157)، و«جامعُ الأمهاتِ» (ص: 121)، و«التوضيحُ لخليلٍ» (2/44)، و«حاشيةُ العدويِّ على كفايةِ الطالبِ» (1/335، 336).

[4] «جامعُ الأمهاتِ» (ص: 121).

قالَ ابنُ عرفةَ:
هذا الخلافُ ذَكَرَهُ ابنُ بشيرٍ وابنُ شاسٍ وابنُ عطاءِ اللهِ، ولم يَعْزُهُ واحدٌ منهم. اهـ

قالَ زروقٌ:
وقولُ ابنِ الحاجبِ في تأخيرِ نيةِ الجَمْعِ لالثانيةِ قولانِ، لا أَعْرِفُهُ يعني نصاً، وإلا فقد أَشَارَ خليلٌ للتخريجِ، وكذلكَ هوَ المفهومُ من نقلِ المازريِّ، واللهُ أعلمُ.

انظرْ: «شرحَ زروقٍ على الرسالةِ» (1/324).

[5] «فتحُ العزيزِ» (4/475)، و«روضةُ الطالبينَ» (1/396)، و«المجموعُ» (4/374)، و«تحريرُ الفتاوى» (1/368)، و«تحفةُ المحتاجِ» (2/395)، و«مغني المحتاجِ» (1/530)، و«نهايةُ المحتاجِ» (2/275)، و«الإنصافُ» (2/341)، و«الهدايةُ على مذهبِ الإمامِ أحمدَ» (ص: 105).
[6] «المنهاجُ» (ص: 46).
[7] «نهايةُ المحتاجِ» (2/275).
[8] «التعليقةُ» لالقاضي حسينٍ (2/1127).

[9] الحنفيةُ لا يَرَوْنَ الجَمْعَ إلا في عرفةَ ومزدلفةَ، وفي مراجعةِ متونِهِمُ الفقهيةِ لا يَذْكُرُونَ من شروطِ هذا الجَمْعِ نيةَ الجَمْعِ، فظاهرُ مذهبِهِمْ أنَّ نيةَ الجَمْعِ عندَ الأُولَى ليستْ بشرطٍ، خاصةً أنَّ الجَمْعَ سُمُّوٌ في ذلكَ الموضعِ، وأنَّ النبيَّ ﷺ حينَ صلى بالناسِ في عرفةَ لم يَذْكُرْ لهُمْ: نيةَ الجَمْعِ قبلَ إحرامِ الأُولَى، وهم لا يَعْلَمُونَ عن نيةِ النبيِّ ﷺ فالظاهرُ أنَّ النيةَ حَصَلَتْ لهُمْ مع إقامةِ الصلاةِ الثانيةِ.

وانظرْ قولَ المالكيةِ: في «حاشيةِ العدويِّ» (1/336).

وانظرْ قولَ أبي بكرٍ من الحنابلةِ: في «المغني» (2/206)، و«الإنصافِ» (2/341).

[10] «التعليقةُ الكبرى» (3/86).
[11] «المهذبُ في فقهِ الإمامِ الشافعيِّ» (1/197).
[12] «المجموعُ شرحُ المهذبِ» (4/374).
[13] «نهايةُ المطلبِ» (2/469).

[14] «الإنصافُ» (2/341).

وبقيةُ كلامِ المرداويِّ:
«قولُهُ (عندَ إحرامِهَا) الصحيحُ من المذهبِ: أنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ يأتيَ بالنيةِ عندَ إحرامِ الصلاةِ الأُولَى، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ.

(ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْزِئَهُ النيةُ قبلَ سلامِهَا) وهوَ وجهٌ، اختارَهُ بعضُ الأصحابِ.

قالَ في «المذهبِ»:
وفي وقتِ نيةِ الجَمْعِ هذهِ وجهانِ، أصحُّهُمَا: أنَّهُ ينوي الجَمْعَ في أيِّ جزءٍ من الصلاةِ الأُولَى، من حينِ تكبيرةِ الإحرامِ إلى أنْ يُسَلِّمَ. وأَطْلَقَهُمَا في «المستوعبِ».

وقِيلَ: تُجْزِئُهُ النيةُ بعدَ السلامِ منها، وقبلَ إحرامِ الثانيةِ.

ذَكَرَهُ ابنُ تميمٍ عن أبي الحسينِ.

وقِيلَ: تُجْزِئُهُ النيةُ عندَ إحرامِ الثانيةِ، اختارَهُ في «الفائقِ».
وقِيلَ: مَحَلُّ النيةِ إحرامُ الثانيةِ، لا قبلَهُ ولا بعدَهُ.

ذَكَرَهُ ابنُ عقيلٍ. وجَزَمَ في «الترغيبِ» باشتراطِ النيةِ عندَ إحرامِ الأُولَى وإحرامِ الثانيةِ أيضاً». اهـ

فَجَعَلَ القولَ بأنَّ مَحَلَّ النيةِ إحرامُ الثانيةِ لا قبلَهُ، ولا بعدَهُ، أو تُجْزِئُهُ النيةُ عندَ إحرامِ الثانيةِ، لم يَنْسُبْ هذينِ القولينِ لابنِ تيميةَ ولا لأبي بكرٍ، مما يُرَجِّحُ أنَّ المرداويَّ فَهِمَ أنَّ القولَ بأنَّ النيةَ لا تُشْتَرَطُ في الجَمْعِ نفيُ اشتراطِهَا مطلقاً، لا في الأُولَى ولا في الثانيةِ.

[15] «الدررُ السنيةُ» (4/435).
[16] «مجموعُ الفتاوى» (24/16).
[17] «فتحُ الباري» (1/18).
[18] «الفتحُ المبينُ بشرحِ الأربعينَ» (ص: 125).
[19] انظرْ: «مجموعَ الفتاوى» (24/104-105).
[20] «الأمُّ» (1/85)، و«المهذبُ» (1/197)، و«التهذيبُ» لالبغويِّ (2/315)، و«فتحُ الوهابِ بشرحِ منهجِ الطلابِ» (1/85)، و«روضةُ الطالبينَ» (1/398)، و«أسنى المطالبِ» (1/244)، و«الإقناعُ في حلِّ ألفاظِ أبي شجاعٍ» (1/175)، و«المحررُ» لأبي البركاتِ (1/135)، و«الإنصافُ» (2/345)، و«المغني» (2/206)، و«الهدايةُ على مذهبِ الإمامِ أحمدَ» (ص: 105)، و«المقنعُ» (ص: 66)، و«عمدةُ الحازمِ» (ص: 107)، و«الكافي» (1/313)، و«المبدعُ» (2/130)، و«الإقناعُ» (1/185)، و«كشافُ القناعِ»، ط العدلِ (3/296)، و«الممتعُ في شرحِ المقنعِ» (1/516)، و«المنهجُ الصحيحُ في الجمعِ بينَ ما في المقنعِ والتنقيحِ» (1/388)، و«دقائقُ أولي النهى» (1/300).
[21] «المقنعُ» (ص: 66).
[22] «الإنصافُ» (2/345)، وساقَهُ ابنُ قدامةَ «المغني» احتمالاً (2/206).
[23] انظرْ: الإحالاتِ السابقةَ.
[24] «روضةُ الطالبينَ» (1/397).
[25] «عمدةُ الحازمِ» (ص: 107).
[26] «الأمُّ» (1/98).
[27] «المبدعُ» (2/130).
[28] «صحيحُ البخاريِّ» (139)، و«صحيحُ مسلمٍ» (266-1280).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*