الأذان والإقامة للمنفرد في الحضر[جديد]
📌 المدخل إلى المسألة
وهو مذهب الجمهور من الحنفية، واختاره ابن بشير وابن عبد البر من المالكية، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة[1].
ما رواه أحمد وأبو داود، قالا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري، حدثه، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة».
[صحيح][6].
إذا ثبت أن الأذان أحيانًا يكون وظيفة الصلاة، وأن المنفرد في الصحراء الذي لا يرجو أن يجيبه أحد يشرع له الأذان، دل الحديث على مشروعية الأذان للمنفرد في الحضر قياسًا عليه.
بأن حديث عقبة بن عامر ثبت في الصحراء، ومن في الصحراء لا يسمع الأذان ولا الإقامة، فيشرعان في حقه، بخلاف المدن والقرى حيث ينادى بالصلاة فيها.
بأن جماعة المصلين يشرع لهم الأذان، وإن سمعوا أذان غيرهم، فكذلك المنفرد يشرع له الأذان وإن سمع أذان غيره؛ لأن سنة الأذان باقية لكل مُصَلٍّ سواء أكان منفردًا أم جماعة، سمع أذان غيره أم لم يسمعه؛ لأن المشروعية لم تعلق على السماع، ولذلك إذا أذن المؤذن للجماعة أجزأ عن كل من صلى معه، سمعه أو لم يسمعه، وسواء أكان من أهل البلد أم غريبًا قد قدم بعد أذانه، فدل هذا على أن الأذان إنما هو للصلاة، ولم يعلق على السماع.
حكى بعض العلماء الإجماع على أن الأذان لا يجب على المنفرد:
قال الشافعي:
«لم أعلم مخالفًا في أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة، كان له أن يصلي بلا أذان، ولا إقامة»[7].
وقال ابن قدامة:
«وإن صلى مُصَلٍّ بغير أذان ولا إقامة، فالصلاة صحيحة … ولا أعلم أحدًا خالف في ذلك، إلا عطاء، قال: من نسي الإقامة يعيد، والأوزاعي قال مرة: يعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه. وهذا شذوذ، والصحيح قول الجمهور»[8].
روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي عاصم الثقفي، قال: أخبرنا عطاء، قال: دخلت مع علي بن الحسين على جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: فحضرت الصلاة، فأذن وأقام[9].
[صحيح].
روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، عن إسماعيل بن علية، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، أنه دخل المسجد، وقد صلوا. فأمر رجلًا، فأذن، وأقام.
[سنده صحيح، وقد رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم] [10].
أن النصوص الشرعية التي تأمر بالأذان إنما وجهت للجماعة اثنين فأكثر، كحديث مالك بن الحويرث، كقوله ﷺ: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»[11].
ولم أقف على حديث صريح يأمر المنفرد بالأذان والإقامة، وإذا لم يثبت الأمر للمنفرد فقد انتفى حكم الوجوب في حقه؛ لأن الأصل عدمه، وبقي الاستحباب لحديث عقبة بن عامر المتقدم، ولفعل جابر وأنس رضي الله عنهما.
قال ابن حزم في «المحلى»:
«ولا يلزم المنفرد أذان ولا إقامة، فإن أذن، وأقام فحسن؛ لأن النص لم يرد بإيجاب الأذان إلا على اثنين فصاعدًا»[12].
ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وعلقمة، قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان، ولا إقامة…[13].
إذا كان هؤلاء الجماعة قد صلوا في البيوت بلا أذان ولا إقامة، فمن باب أولى أن المنفرد لا يجب عليه أذان، ولا إقامة، فأثر ابن مسعود يدل على أن الأذان والإقامة لا يجبان على من صلى في بيته، جماعة كان أو منفردًا، إذا كان في بلد يؤذن، وتقام الصلاة فيها، وليس فيه نفي مشروعية الأذان والإقامة، لأن الترك دليل على الجواز، ولا يكفي في الجزم بنفي الاستحباب، خاصة إذا قلنا: إن الأذان والإقامة وظيفة الصلاة.
فدل أثر أنس على استحباب فعلهما، ولو كان ذلك في مسجد قد صُلِّيَ فيه وأذن، كما دل أثر جابر المتقدم على استحباب الأذان الإقامة، ولو صلى في بيته، ودل أثر ابن مسعود على عدم وجوبهما، وذلك بتعمد تركهما، والله أعلم.
ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة بن خالد، عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر، أنه كان لا يقيم بأرض تقام فيها الصلاة[14].
[عبد الله بن واقد لم يوثقه إلا ابن حبان، وقد تفرد بهذا عن ابن عمر].
على فرض صحته، فإن الجواب عن هذا كالجواب عن أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عباد بن موسى الْخُتَّلِيُّ، حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر، أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرَقِيُّ، عن أبيه، عن جده، عن رِفَاعة بن رافع، أن رسول الله ﷺ: فقص هذا الحديث قال فيه: «فتوضأ كما أمرك الله جل وعز، ثم تشهد، فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله»، وقال فيه: «وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك»[15].
[حسن في الجملة، إلا أن قوله: (ثم تشهد فأقم) تفرد بها يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، وهو مجهول، وقد رواه من هو أوثق منه، ولم يذكر هذا الحرف، كما أن حديث المسيء في صلاته في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وليس فيه هذه الزيادة، فهي زيادة منكرة][16]
الظاهر أن قوله: «تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، ثم كبر» أراد بالتشهد الأذان[17]، لأنه جعل تكبيرة الإحرام بعد التشهد والإقامة، ولأن اللغة لا تمنع من إطلاق البعض على الكل، كالرقبة تطلق، ويراد بها الذات، ومنه إطلاق الإقامة من قوله: «قد قامت الصلاة» وإن كان سائر ألفاظها كبقية ألفاظ الأذان، فلا يمنع من إطلاق التشهد على الأذان باعتبار أن هذه الجملة هي أعظم جملة في الأذان، وإذا أمر المنفرد بالأذان والإقامة، فالأصل في الأمر الوجوب.
بأن زيادة الأمر بالأذان والإقامة تفرد به يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، ولم يُتَابَعْ على ذلك، فهي زيادة منكرة.
استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، ورواه مسلم[18].
إذا ثبت أن الأذان فرض كفاية، فمتى أذن واحد سقط عمن صلى معه مطلقًا سواء أسمعه أم لم يسمعه، أما إذا أراد أن يصلي وحده فلا يقوم أذان غيره وإقامته عن أذانه وإقامته لصلاته، وأصبح الواجب واجبًا عينيًّا عليه حتى لا تكون صلاته بلا أذان ولا إقامة، فإن الأذان والإقامة وظيفة الصلاة، لقوله ﷺ: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم».
قال في «المستوعب»:
«إذا قام بهما ـ يعني الأذان والإقامة ـ واحد أجزأ عن كل من صلى معه، سمعه أو لم يسمعه، وسواء أكان من أهل البلد أم غريبًا قد قدم بعد أذانه؛ لأنه يكون أذانه أذانًا لكل واحد منهم لقول النبي ﷺ: (فإذا حضرت الجماعة فليؤذن لكم أحدكم)، فجعل الأذان من أحدهم لكل واحد منهم، فصار كأنه أذن كل واحد منهم لنفسه، فإن كان ذلك واجبًا سقط بذلك عنه الوجوب، وإن كان سنة حصل له فضيلة المسنون. ونظيره قراءة الإمام لما كانت قراءة لكل واحد من المأمومين سقط بهذا عنه واجبها، وهو الفاتحة، وحصل له فضيلة مسنونها، وهو ما زاد على الفاتحة، كما لو قرأ هو، ولا يجزئ الأذان عمن لم يصل مع المؤذن، سواء أسمعه أم لم يسمعه، واحدًا كان أو جماعة، وسواء أكانت صلاتهم في المسجد الذي صلى المؤذن فيه أم في غيره»[19].
القول بأنه لا يجزئ الأذان عمن لم يُصَلِّ مع المؤذن، سواء أسمعه أم لم يسمعه، واحدًا كان أم جماعة هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليها؟ ولم يحفظ حديث واحد يأمر المنفرد بالأذان ليقال بالوجوب، فلم يَبْقَ إلا الاستحباب.
ما رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: «اكلأ لنا الليل»، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ، فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ – بأبي أنت وأمي يا رسول الله – بنفسك، قال: «اقتادوا»، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي ﴾» [طه: 14][20].
ورواه مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة بنحوه، وليس فيه ذكر للأذان[21].
أن الحديث لم يذكر فيه إلا الإقامة، ولو كان قد أذن لنقل إلينا، وإذا لم يؤذن للجماعة لم يؤذن للمنفرد، وإذا ترك الأذان في السفر الذي لا يؤذن فيه، فالبلد الذي يؤذن فيه من باب أولى.
أن الحديث لم يَنْفِ الأذان، وإنما غايته أنه سكت عنه، وقد جاء التصريح بذكر الأذان في رواية أبي قتادة في «الصحيحين»، وفي حديث عمران فيهما، ومن حَفِظَ حجةٌ على من لم يحفظ.
أن الأذان قد جاء في «سنن أبي داود» من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة إلا أن أبا داود قد أشار إلى شذوذها، والله أعلم[22].
أن الأذان إنما جعل ليدعى به الغائب، وإذا كان كذلك لم يكن لمشروعيته وجه في حق جماعة لا تطلب غيرها كالمنفرد.
وأما الإقامة فوظيفة الصلاة، لهذا كانت سنة عينية في حق المنفرد، وسنة على الكفاية في حق الجماعة.
تخصيصكم الحكم بالسبب كقولكم بتخصيص الأذان للجماعة لأنها سبب مشروعيته هذا لو صح لانطبق أيضًا على الإقامة، فالإقامة هي إعلام الحاضرين ومن قَرُبَ من المسجد بقرب إقامة الصلاة لاستنهاضهم للسعي إليها، والقيام لها، والمنفرد لا يحتاج إلى مثل ذلك.
قال ﷺ: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»[23].
وروى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه»، وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام[24].
فدل على أن الإقامة تسمع من خارج المسجد، وأمر الناس بالسعي إلى الصلاة حين سماعها، فكانت الإقامة تعني الجماعة كما يعنيهم الأذان.
تعليل هذا القول كتعليل القول السابق، وهو أن الأصل في الأذان الإعلام والدعوة إلى الصلاة، وهو في حق المنفرد منتف، لكن إن كان يرجو حضور أحد إلى الصلاة استحب له أن يؤذن للصلاة؛ ليجيبه من يسمعه، وإن لم يَرْجُ أحدًا لم يؤذن، وهذا التعليل ينطبق حتى على الجماعة، بحيث إذا كانت الجماعة مجتمعة في مكان واحد، ولا تطلب غيرها إلى الصلاة لم تؤذن، وإذا كانت الجماعة قد انتشرت وتفرقت في المكان، أو كانت ترجو إجابة غيرها استحب لهم الأذان؛ ليجيب من يسمع الدعوة، والله أعلم.
أنه يستحب الأذان والإقامة للمنفرد، وكون الأذان شرع لدعوة الجماعة للصلاة هذا في أصل مشروعيته، ولا يمنع أن يكون الحكم أعم من سببه، فيغلب على الأذان جانب الذكر، ويصبح ملحقًا بأقوال الصلاة، فيستحب مطلقًا للصلاة المفروضة، سواء أعقدها جماعة أم منفردًا، كما في بعض العبادات التي شرعت على سبب، ثم غلب عليها جانب التعبد فطلبت مطلقًا، كالرمل في الطواف شرع لإغاظة الكفار، واستمر التشريع بعد ذلك، وغسل الجمعة شرع من أجل الروائح التي كانت تنبعث من المصلين حين كان الصحابة عمال أنفسهم، ثم طلب منهم الغسل على وجه الدوام، ولو لم يكن هناك روائح.
وقال في «المحيط البرهاني» (1/350): «إذا صلى الرجل في بيته واكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه من غير كراهة».
واستثنى الحنفية الجماعة، فكرهوا تركه للجماعة إذا كانوا مقيمين؛ لأن أذان الحي يكون أذانًا للأفراد، ولا يكون أذانًا للجماعة. انظر «بدائع الصنائع» (1/153).
وقال الزيلعي في «تبيين الحقائق» (1/92): «والضابط عندنا أن كل فرض كان أداء، أو قضاء يؤذن له، ويقام سواء أأداه منفردًا، أم بجماعة، إلا الظهر يوم الجمعة في المصر، فإن أداءه بأذان وإقامة مكروه».
وانظر قول بعض المالكية في: «منح الجليل» (1/203)، «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» (1/253)، «شرح الخرشي» (1/234)، «التمهيد» (13/280)، «المنتقى» للباجي (1/133).
وقال الشافعي في «الأم»: «وأذان الرجل في بيته، وإقامته سواء كهو في غير بيته في الحكاية، وسواء أسمع المؤذنين حوله، أو لم يسمعهم، ولا أحب له ترك الأذان، ولا الإقامة، وإن دخل مسجدًا أقيمت فيه الصلاة، أحببت له أن يؤذن، ويقيم في نفسه».
وقال النووي في «المجموع» (3/93): «المنفرد في صحراء، أو بلد يؤذن على المذهب، والمنصوص في الجديد والقديم …».
وفي «أسنى المطالب» (1/125): «ويسن الأذان للمنفرد بالصلاة، ولو سمعه من غيره، ويكفي في أذانه إسماع نفسه بخلاف أذان الإعلام». وانظر «الحاوي الكبير» (2/48).
وانظر في مذهب الحنابلة: «المغني» (1/252)، «كشاف القناع» (1/232)، «شرح منتهى الإرادات» (1/131).
وعلق الدسوقي في حاشيته على قوله: «(بل يكره لهم) أي للمنفرد والجماعة التي لم تطلب غيرها».
وقال الخرشي (1/236): «الإقامة للفرض، ولو قضاء سنة للجماعة، والمنفرد».
وجاء في «المدونة»: «قال ابن القاسم: وقال مالك فيمن دخل المسجد وقد صلى أهله، قال: لا تجزئه إقامتهم، ولْيِقُم أيضًا لنفسه إذا صلى، قال: ومن صلى في بيته فلا تجزئه إقامة أهل المصر».
وقال القرافي في «الذخيرة» (2/77): «وهذا يدل على تأكد الإقامة، وقال في المبسوط: يقيم أحب إلي».
وقال الحطاب في «مواهب الجليل» (1/467): «قوله: (لا تجزئه إقامتهم) يقتضي أنها متأكدة في حقه».
ولولا كلام القرافي والحطاب وغيرهما لقلت إن نص «المدونة» ظاهر في وجوب الإقامة، وإذا كان المشهور من مذهب المالكية أن الأذان للجماعة سنة، فالإقامة للمنفرد من باب أولى ألا تكون واجبة، والله أعلم.
ولهذا جاء في «الفواكه الدواني» (1/172): «إن لم يكن الفذ، أو الجماعة في فلاة من الأرض فيكره لهم الأذان …. ولما كانت الإقامة تطلب من المنفرد، قال: ولا بد له: أي للرجل في خاصة نفسه من الإقامة على جهة السنية … وهي آكد من الأذان… واعلم أنها سنة عين في حق الذكر المنفرد».
ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في باب فضل صلاة الجماعة، قال البخاري: وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صُلٍّيَ فيه، فأذن وأقام، وصلى جماعة. وصححه ابن حجر في «المطالب العالية».
واختلف على عليِّ بن يحيى هذا في إسناده على طرق منها:
• الطريق الأول: يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة.
رواه إسماعيل بن جعفر، عن يحيى، واختلف على إسماعيل في إسناده، ولفظه،
فهنا قتيبة رواه عن إسماعيل، فأسقط من إسناده علي بن يحيى، وأسقط من إسناده، رفاعة، وذكر لفظة: (ثم تشهد فأقم).
وخالفه الطيالسي، فأخرجه في مسنده (1469)، ومن طريقه البيهقي وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (2714)،
وعباد بن موسى، كما في «سنن أبي داود» (861)، و«سنن البيهقي» (2/380) كلاهما، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة، وذكر الحديث بتمامه، إلا أن الطيالسي لم يذكر فيه الأمر بالتشهد والإقامة، وذكر ذلك عباد بن موسى، وصار الإسناد من رواية جد يحيى (خلاد)، عن رفاعة.
ورواه علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، واختلف على عليِّ بن حجر فيه:
فرواه النسائي في «المجتبى» (667)، وفي «الكبرى» (1631)، وابن خزيمة(545)، عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة. وفيه ذكر التشهد والإقامة. وهي توافق رواية عباد بن موسى إسنادًا، ومتنًا.
ورواه الترمذي (302) عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي ابن يحيى بن خلاد، عن جده رفاعة، وأسقط من إسناده (علي بن يحيى) و (خلادًا)، وهي موافقة لرواية قتيبة بن سعيد السابقة.
وقد طبعت أحاديث إسماعيل بن جعفر من رواية علي بن حجر، وهي وإن وافقت في إسنادها ما رواه النسائي إلا أنها ليس فيها (ثم تشهد فأقم)، انظر ح (441) من كتاب أحاديث إسماعيل بن جعفر، فيكون علي بن جحر قد اختلف عليه أيضًا في روايته عن إسماعيل في إسناده ولفظه.
ورواه الطحاوي في «مشكل الآثار» (2244) من طريق علي بن معبد، قال: قال: حدثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده رفاعة، ولم يذكر لفظه …. وأسقط من إسناده جد يحيى بن علي (خلاد بن رفاعة).
وأظن أن الحمل على يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، فهو تارة يقول: عن جده، عن رفاعة، وتارة يقول: عن جده رفاعة، وتارة يسقط ذكر والده (علي بن يحيى) وتارة يذكره، وهو لا يعرف إلا بهذا الخبر، ومع ذلك لم يضبط إسناده، ولم يسلم لفظه من الزيادة على غيره، ولم يَرْوِ عنه إلا إسماعيل بن جعفر.
قال فيه ابن القطان: «لا يعرف إلا بهذا الخبر، وما علمت فيه ضعفًا». فتعقب ذلك الذهبي، وقال: «لكن فيه جهالة». «ميزان الاعتدال» (4/399).
وقال ابن حجر في «التقريب»: «مقبول». وهي كلمة تنطوي على تليين.
وروى حديثه ابن خزيمة في صحيحه وهو تصحيح ضمني، ولم يخرج حديثه ابن حبان في صحيحه من هذا الطريق، وهو على شرطه، وقد ذكره في ثقاته.
وقد قال أحمد كما في «مسائل عبد الله» (287): «وزاد إسماعيل بن جعفر في حديث رفاعة بن رافع، عن النبي: (فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع) قال عبد الله: قال أبي: وكذلك أقول أنا: إن لم يحسن يقرأ يفعل كما أمره النبي على حديث رفاعة بن رافع».
فهل يقال: إن هذا احتجاج من أحمد بحديث يحيى. وبالتالي تحسين حديثه، ومنه هذه الزيادة؟
لا يظهر لي هذا؛ لأسباب منها:
أولًا: أن العمل بالحديث أوسع من التصحيح، خاصة عند الإمام أحمد، ولو جمع طالب العلم الأحاديث التي يحتج بها أحمد مما لم يختلف العلماء بضعفها لوقع ذلك في كتيب جيد.
ثانيًا: أن الإمام أحمد احتج بقيام التحميد، والتسبيح محل القرآن عند العجز عن القرآن، وهذه قد توبع فيها يحيى بن علي، تابعه عليها شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، ولم يتابع يحيى بن علي على زيادة قوله: (ثم تشهد فأقم)، وما توبع فيه يمكن تمشيته، وما انفرد فيه لم يقبل، فالأئمة كانوا يتوقفون في زيادة الثقة، فكيف بغيره! كما قد أخطأ في إسناده على أكثر من وجه، فتارة يرويه عن جده رفاعة، وتارة عن أبيه، عن جده، عن رفاعة، وكلاهما خطأ، والصواب أن المحفوظ في إسناده: علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة، وكل ما خالف ذلك زيادةً أو نقصًا في إسناده فهو إما شاذ، أو منكر.
إذا علم ذلك نأتي على بقية طريق الحديث.
• الطريق الثاني: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.
أخرجه أبو داود (858) كما في إسناد الباب، والنسائي في «المجتبى» (1136)، وفي «الكبرى» (722)، وابن ماجه (460)، والدارمي (1329)، والبزار في مسنده كما في «البحر الزخار» (3727)، وابن الجارود في «المنتقى» (194)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/35) والطبراني في «الكبير» (5/37) رقم: 4525 والدارقطني في سننه (1/95)، والحاكم (1/241) والبيهقي في «السنن» (1/44) و (2/345) كلهم أخرجوه من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بذكر الوضوء مفصلًا، ولم يتابع أحد همامًا على ذكر الوضوء بالتفصيل.
ورواه حماد بن سلمة، عن إسحاق، وذكر الوضوء مجملًا بلفظ: (… إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء….) وقد اضطرب في إسناده حماد بن سلمة:
فقال مرة: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، ولم يقل فيه: عن أبيه.
أخرجه أبو داود (857) عن موسى بن إسماعيل.
والطبراني في «الكبير» (4526) من طريق حجاج بن منهال، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه أن رجلًا دخل المسجد، فذكر الوضوء مجملًا (لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء) يعني مواضعه.
وقال حماد في أخرى: عن علي بن يحيى بن خلاد، أراه عن أبيه، عن عمه، أن رجلًا.
أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (1977) عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به. مختصرًا، وهذه موافقة لرواية همام في الإسناد.
وقال حماد في إسناد ثالث: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، أن رجلًا… فجعله من مسند يحيى بن خلاد.
أخرجه الحاكم (1/242) من طريق عفان، عن حماد بن سلمة به.
فدل على أن حماد بن سلمة لم يضبطه، وقد حفظه همام بن يحيى، عن إسحاق بما يوافق الروايات الأخرى في إسناده إلا ما كان منه في ذكر الوضوء مفصلًا.
قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/320): «لم يقمه». يعني: إسناد حماد.
وقال الحاكم في «المستدرك»: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين بعد أن أقام همام بن يحيى إسناده، فإنه حافظ ثقة، وكل من أفسد قوله، فالقول قول همام، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا فيه على عبيد الله بن عمر بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وقد روى محمد بن إسماعيل هذا الحديث في التاريخ الكبير، عن حجاج بن منهال، وحكم له بحفظه، ثم قال: لم يقمه حماد بن سلمة». اهـ
وقال أبو زرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (1/82): «وهم حماد». اهـ
• الطريق الثالث: محمد بن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة به.
أخرجه أبو داود (860)، وابن خزيمة (597، 638)، والطبراني في «الكبير» (5/39)ح: 4528، والبيهقي في «السنن» (1/133، 134) وهذا الإسناد موافق لرواية الأكثر، ولم يذكر محمد بن إسحاق الوضوء في لفظه، وقد اختصره أبو داود وابن خزيمة، وأما الطبراني فقد ذكره بتمامه.
كما أخرجه الحاكم في «المستدرك» (1/243) من طريق محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: عن علي بن يحيى بن خلاد، حدثني زريق، عن أبيه، عن عمه رفاعة، واختصر الحديث، وهو خطأ فزريق نسب لعلي بن يحيى بن خلاد، وانظر «إتحاف المهرة» (4/512).
• الطريق الرابع: داود بن قيس الفراء، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه به.
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (3739)، والنسائي في «المجتبى» (1314)، وفي «الكبرى» (1237)، والطبراني في «الكبير» (4520) والحاكم في «المستدرك» (1/242، 243) ولم يختلف على داود في ذكر والد علي بن يحيى بن خلاد في إسناده، وذكر الوضوء بلفظ: (إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك).
• الطريق الخامس: محمد بن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد.
واختلف على محمد بن عجلان،
فأخرجه أحمد في «المسند» (4/340) والطبراني في «الكبير» (4523)، وابن حبان (1787) عن يحيى بن سعيد.
وأخرجه النسائي في «المجتبى» من «السنن» (1313) والطبراني في «الكبير» (4522) من طريق الليث بن سعد.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (4521) من طريق سليمان بن بلال.
وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (1976) والطبراني في «الكبير» (4524) من طريق أبي خالد الأحمر.
وأخرجه النسائي (1053) والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/372) من طريق بكر بن مضر. كلهم رووه عن ابن عجلان، عن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رافع. وهذا هو المحفوظ كرواية الأكثر عن علي بن يحيى بن خلاد.
وذكروا الوضوء بلفظ داود بن قيس (فَأَحْسِنْ وضوءك) ولم يفصل الوضوء إلا ابن أبي عاصم فلم يذكر الوضوء.
وخالفهم النضر بن عبد الجبار، فرواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (1594) من طريقه، قال: أخبرنا ابن لهيعة والليث، عن محمد بن عجلان، عمن أخبره عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، وساقه مختصرًا.
فزاد في الإسناد رجلًا مبهمًا بين ابن عجلان وبين علي بن يحيى بن خلاد.
وأخرجه البخاري في «القراءة خلف الإمام» (112) من طريق بكير بن الأشج، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة، ولم يقل: عن أبيه.
والمحفوظ أن علي بن يحيى بن خلاد يرويه عن أبيه، عن رفاعة.
• الطريق السادس: عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. بإسقاط يحيى بن خلاد.
رواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو: اختلف على يزيد فيه:
فرواه أحمد في مسنده (4/340) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي ابن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. ولم يقل: عن أبيه فأسقط (يحيى بن خلاد).
ورواه ابن حبان (1787) من طريق أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون به إلا أنه قال: عن علي بن يحيى بن خلاد أحسبه عن أبيه. فلم يجزم بكونه عن أبيه.
وخالفه خالد بن عبد الله، فرواه أبو داود (859) من طريقه، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، كرواية إسحاق من رواية همام عنه، بذكر (يحيى ابن خلاد) والد علي بن يحيى، جازمًا. ولم يذكر الوضوء.
فأخشى أن يكون إسناد خالد بن عبد الله بذكر (عن أبيه) مزيدة في الإسناد، وليست منه خاصة أن «تحفة الأشراف» (3/169) ح 3604، ذكر إسناده ونص على أنه لم يقل (عن أبيه) كرواية يزيد بن هارون، وكذلك نسخة «سنن أبي داود» في «شرح عون المعبود» (844)، و«المسند الجامع» (3730)، والله أعلم.
• الطريق السابع: شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى بن خلاد.
أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (2243) وفي «شرح معاني الآثار» (1/232) عنه، عن علي بن يحيى به، بإسقاط كلمة (أبيه)، واختصر الحديث فلم يذكر فيه الوضوء.
• الطريق الثامن: عن عبد الله بن عون، عن علي بن يحيى بن خلاد.
أخرجه الطبراني في «الكبير» (4530) من طريق شريك، عن عبد الله بن عون به، بإسقاط كلمة عن أبيه، ولم يذكر الوضوء.
فتبين لنا في خلاصة هذا البحث، أمور منها:
الأول: أن حديث المسيء في صلاته رواه أبو هريرة في «الصحيحين»، ورواه رفاعة بن رافع خارج «الصحيحين»، وهي قصة واحدة؛ لوجود التطابق بين أحداث القصة.
الثاني: أن المحفوظ في إسناده: علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة، وكل ما خالف ذلك زيادة أو نقصًا في إسناده فهو إما شاذ أو منكر، وقد روى البخاري في صحيحه حديثًا من رواية علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، انظر (ح 799)، وإنما تجنب البخاري إخراج هذا الحديث في صحيحه للاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ألفاظه، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، مما يجعل الباحث لا يجزم بكونها محفوظة في الحديث إلا ما وافق منها حديث أبي هريرة في «الصحيحين»، وما انفرد فيه حديث رفاعة مما اختلف عليه في ذكره ففي النفس منه شيء؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه، وسأذكرها إن شاء الله عند الكلام على صفة الصلاة.
وقد تكلم على هذا الاختلاف أبو داود في «السنن» (858، 860، 861)، وابن أبي حاتم في «العلل» (1/82، 83)، والحاكم في «المستدرك» (1/242، 243)، والبيهقي في «السنن» (2/373).
الثالث: انفرد يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بقوله: (ثم تشهد فأقم) وهو رجل مجهول.
كما تفرد همام بن يحيى عن إسحاق بذكر الوضوء على وجه التفصيل، وذلك بذكر غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، والرجلين.
وقد رواه حماد بن سلمة عن إسحاق كما في «سنن أبي داود» بلفظ: (حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه). فأجمل الوضوء ولم يفصله.
كما رواه ابن عجلان وداود بن قيس بذكر الوضوء مجملًا بلفظ: (إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك).
ورواه يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله) فهؤلاء أربعة ممن روى الحديث بذكر الوضوء لم يفصلوا الوضوء كما ذكره همام.
وروايتهم موافقة في المعنى لرواية أبي هريرة في «الصحيحين» في قصة المسيء صلاته، فقد أخرجه البخاري (6251) ومسلم (397) بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء). ولم يذكر الوضوء مفصلًا، والقصة واحدة، لهذا أجدني ميالًا إلى أن ذكر الوضوء مفصلًا ليس محفوظًا من حديث رفاعة، وأن المحفوظ هو رواية ابن عجلان، وداود بن قيس، ويحيى بن علي بن خلاد، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من رواية حماد بن سلمة، والله أعلم.
انظر لمراجعة بعض طرق هذا الحديث: «أطراف المسند» (2/344)، «تحفة الأشراف» (3604)، «إتحاف المهرة» (4582).
وقد رواه عبد الرزاق وابن المبارك، ويزيد بن زريع عن معمر مرسلًا دون ذكر الأذان، وعبد الرزاق مقدم في معمر على غيره فكيف إذا توبع.
كما رواه يونس ومالك وابن عيينة وهم من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، وكذلك محمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، خمستهم رووه عن ابن شهاب على اختلاف بينهم في وصله وإرساله، ولم يذكر أحد منهم الأذان في الحديث، وهؤلاء مقدمون على الأوزاعي في ابن شهاب خاصة يونس ومالك وابن عيينة.
كما رواه أبو حازم عن أبي هريرة عند مسلم وغيره بذكر الإقامة دون ذكر الأذان، لهذا أشار أبو داود في سننه إلى شذوذ ذكر الأذان في حديث أبي هريرة.
قال أبو داود في سننه: «رواه مالك وسفيان بن عيينة، والأوزاعي -يعني عن ابن شهاب- وعبد الرزاق عن معمر، وابن إسحاق لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري، ولم يسنده أحد منهم إلا الأوزاعي، وأبان العطار، عن معمر».
هذا الكلام من حيث الإجمال، وإليك التفصيل:
• الطريق الأول: يونس، عن ابن شهاب.
رواه مسلم (680)، وأبو داود (435)، وابن ماجه (697)، والنسائي مختصرًا (619)، وأبو عوانة (2096)، وابن حبان (2096)، والبيهقي (3176) من طرق عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة بذكر الإقامة فقط.
• الطريق الثاني: صالح بن أبي الأخضر، عن ابن شهاب موصولًا بنحو رواية يونس كما في «سنن الترمذي» (3163) بذكر الإقامة فقط.
• الطريق الثالث: محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب موصولًا ومرسلًا.
رواه ابن إسحاق واختلف عليه فيه:
فرواه يعلى بن عبيد الطنافسي كما في «سنن النسائي» (618) مختصرًا، و«التمهيد» لابن عبد البر مطولًا (6/386) عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة موصولًا، ولم يذكر أذانًا ولا إقامة.
ورواه سلمة بن الفضل الأبرش، صاحب مغازي محمد بن إسحاق كما في «تاريخ الطبري» (3/16، 17).
وزياد البكائي كما في «سيرة ابن هشام» (2/340) كلاهما عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، بذكر الإقامة دون الأذان.
• الطريق الرابع: مالك، عن ابن شهاب مرسلًا.
رواه مالك كما في «الموطأ» (25) عن ابن شهاب، عن ابن المسيب مرسلًا.
وقد وافق مالك يونس في لفظه بذكر الإقامة فقط، وخالفه في إسناده، حيث رواه مرسلًا.
• الطريق الخامس: رواه معمر، عن ابن شهاب موصولًا بذكر الأذان والإقامة، وذلك من حديثه بالبصرة، ورواه مرسلًا دون ذكر الأذان، وذلك من حديثه باليمن، وحديثه باليمن أصح.
فرواه موصولًا أبان بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، فوافق يونس في وصله، وخالفه في لفظه حيث زاد عليه ذكر الأذان مع الإقامة، كما في «سنن أبي داود» (436)، و«مشكل الآثار» للطحاوي (3988)، و«مستخرج أبي عوانة» (2097)، و«التوحيد» لابن منده (136)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (1894).
ولم يذكر أحد الأذان ممن رواه عن معمر إلا أبان العطار.
ورواه عبد الله بن المبارك، عن معمر موصولًا كما في «سنن النسائي» (620) إلا أنه رواه مختصرًا بحكم من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ولم يتعرض لنوم النبي وأصحابه.
وخالف هؤلاء عبد الرزاق، كما في «المصنف» مطولًا (2237)، وأعاده مختصرًا (2245)، ولم يذكر أذاناً ولا إقامة.
ويزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة كما ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (7/279)، ثلاثتهم (عبد الرزاق، وابن زريع، وابن أبي عروبة) رووه عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب مرسلًا، وهو الصواب.
وإذا كان ذكر الأذان لم يَأْتِ إلا في الرواية الموصولة من رواية أبان العطار، والأوزاعي عن معمر، فالذي يظهر أنها وهم حيث حَدَّثَ معمر بهذا الحديث بالبصرة، وروايته متكلم فيها حيث حَدَّثَ من حفظه ولم تكن معه كتبه، فوقعت له أوهام، بخلاف رواية عبد الرزاق عن معمر، فإنه حدثه به باليمن حيث كتبه.
جاء في «تاريخ دمشق» (59/415) عن يعقوب بن شيبة، قال: سمعت عليًّا يعني ابن المديني يقول: حدثهم معمر بالبصرة بأحاديث على خلاف ما هي عندهم …. حدثهم بالبصرة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة (من نسي صلاة) وحدثهم به باليمن مرسلًا عن سعيد بن المسيب ….».
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (6/386): «عبد الرزاق أثبت في معمر من أبان العطار».
• الطريق السادس: الأوزاعي، عن ابن شهاب.
ذكره المزي في «تحفة الأشراف» (10/64)، قال: حدثنا مؤمل (يعني: ابن الفضل الحراني)، قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي -يعني عن الزهري به- وأشار إلى ذلك أبو داود في سننه، وذكر أنه رواه بذكر الأذان، وهذه متابعة لمعمر من رواية أبان عنه، والأوزاعي وإن كان ثقة إلا أن في حديثه عن الزهري شيئًا.
• الطريق السابع: ابن عيينة، عن الزهري، روي مرسلًا، وموصولًا، والمرسل أصح.
رواه ابن عيينة، واختلف عليه فيه:
فرواه السراج في مسنده (1357) حدثنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن سعيد، وقال مرة: عن سعيد، عن أبي هريرة، ولم يقل فيها حدثنا، قال: كان رسول الله – ﷺ -في سفر، فعرس ذات ليلة، وذكر نحو رواية يونس.
فهنا عبد الجبار رواه مرة مرسلًا، ومرة موصولًا، والرواية الموصولة ليس فيها التصريح بالسماع.
قال الدارقطني كما في «أطراف الغرائب والأفراد» (5052): «الحديث. غريب من حديث ابن عيينة عنه، تفرد به عبد الجبار بن العلاء عنه متصلًا، ووهم، ورواه جماعة عن ابن عيينة لم يذكروا فيه أبا هريرة».
وقال في «العلل» (7/279): «وخالفه الحميدي، وسعيد بن منصور، وأبو عبيد الله المخزومي رووه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسل».
وإذا عرفنا أن المحفوظ من حديث الزهري، عن ابن المسيب عدم ذكر الأذان، فما هو المحفوظ من الاختلاف في حديثه، الوصل، أو الإرسال؟
فرواه موصولًا يونس بن يزيد، والأوزاعي، وصالح بن أبي الأخضر.
ورواه مرسلًا مالك.
واختلف على معمر وابن عيينة، والراجح عنهم الإرسال، ليكون من أرسل الحديث مالك ومعمر، وابن عيينة.
واختلف العلماء في ترجيح الوصل أم الإرسال.
فروى الوصل مسلم في صحيحه.
وقال أبو زرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (2/578): الصحيح هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي . اهـ
ويشهد للموصول رواية أبي حازم عن أبي هريرة في مسلم.
قال ابن رجب في «شرح البخاري» (3/329): «صحح أبو زرعة ومسلم وصله، وصحح الترمذي والدارقطني إرساله».
قال الترمذي: «هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، أن النبي، ولم يذكروا فيه: عن أبي هريرة».
وقال الدارقطني: «والمحفوظ هو المرسل».
