موقع الشيخ دبيان الدبيان

الفائدة التاسعة عشرة

فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ

قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

الفَائِدَةُ الأُولَى: اخْتِلَافُ المَبَانِي دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِ المَعَانِي عَدَّدَ اللَّهُ مَصَارِفَ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةِ، فَجَرَّ الأَرْبَعَةَ الأُوَلَ بِاللَّامِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ لِأَنَّ العَطْفَ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ العَامِلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِلْفُقَرَاءِ ولِلمَسَاكِينِ ولِلعَامِلِينَ عَلَيْهَا ولِلمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. ثُمَّ عَدَلَ عَنِ اللَّامِ فِي الأَرْبَعَةِ البَاقِيَةِ إِلَى حَرْفٍ آخَرَ مِنْ حُرُوفِ المَعَانِي وَهُوَ (فِي)، فَقَالَ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وَهَذَا العَدُولُ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ يَدْعُو إِلَى البَحْثِ عَنْ نُكْتَةِ تَخْصِيصِ بَعْضِ المَصَارِفِ بِحَرْفٍ دُونَ غَيْرِهِ؛ وَالأَصْلُ فِي التَّخَاطُبِ أَنَّ اخْتِلَافَ المَبْنَى قَرِينَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ المَعْنَى. وَالسُّؤَالُ: لِمَاذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: «وَلِلرِّقَابِ»؟ وَالجَوَابُ: أَنَّ اللَّامَ ظَاهِرَةٌ فِي التَّمْلِيكِ، وَ(فِي) مَوْضُوعَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ؛ فَأَضَافَ اللَّهُ الصَّدَقَاتِ إِلَى الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ الأُوَلِ بِلاَمِ التَّمْلِيكِ، وَخَالَفَ صِيغَةَ اللَّفْظِ فِي الأَرْبَعَةِ الأَخِيرَةِ فَحَذَفَ اللَّامَ وَأَتَى بِـ(فِي)، فَجَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لَهُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَرْبَعَةَ جِهَاتٌ وَمَصَارِفُ يَقَعُ المَالُ فِيهَا، لاَ أَعْيَانٌ يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُهَا. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْسِيمِ لَطِيفَةٌ نَحْوِيَّةٌ: أَنَّ (فِي) تُرِكَسَتْ مَعَ ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ وَأُعِيدَتْ مَعَ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وَإِعَادَتُهَا فِي الرَّابِعِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ ﴿الْغَارِمِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى المَجْرُورِ بِـ(فِي) لاَ عَلَى المَجْرُورِ بِاللَّامِ، إِذْ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى اللَّامِ لَمَا حَسُنَ اسْتِئْنَافُ (فِي) بَعْدَهُ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا: أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ التَّمْلِيكَ فِي هَذِهِ الأَصْنَافِ — وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الحَنَابِلَةِ — أَجَازَ شِرَاءَ الرَّقَبَةِ وَإِعْتَاقَهَا، وَدَفْعَ زَكَاةِ الغَارِمِ إِلَى دَائِنِهِ مُبَاشَرَةً دُونَ تَمْلِيكِ الغَارِمِ المَالَ، وَتَجْهِيزَ الغَازِي بِسِلاَحِهِ وَنَفَقَتِهِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ وُقُوعُ المَالِ فِي الجِهَةِ لاَ تَمْلِيكُهُ لِلشَّخْصِ. وَفِي مُقَابِلِهِ: أَنَّ مَنْ اشْتَرَطَ التَّمْلِيكَ فِي الأَصْنَافِ كُلِّهَا — وَهُوَ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ — فَرَّعَ عَلَيْهِ: أَنَّ الإِبَاحَةَ لاَ تُغْنِي عَنِ التَّمْلِيكِ؛ فَلَوْ قَدَّمَ طَعَامًا وَأَذِنَ لِلْفُقَرَاءِ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ وَلَمْ يَدْفَعْ عَيْنَ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ لَمْ يَصِحَّ زَكَاةً؛ لِأَنَّ هَذَا إِبَاحَةٌ لاَ تَمْلِيكٌ. وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ؛ لِأَنَّ المَيِّتَ لاَ يَمْلِكُ. وَهَذَا التَّفْرِيعُ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ التَّمْلِيكَ، وَأَمَّا عَلَى القَوْلِ بَعْدَم اشتِرَاطِهِ فَمَأْخَذُ المَنْعِ فِي دَيْنِ المَيِّتِ أَنَّ وَصْفَ «الغَارِمِ» إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَنْ تَلْحَقُهُ المَطَالَبَةُ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِالأَدَاءِ.

وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ المُسْتَنْبَطَةُ: اخْتِلَافُ المَبَانِي دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِ المَعَانِي، خَاصَّةً إِذَا كَانَ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ. عَلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ قَرِينَةٌ مُقَوِّيَةٌ لِظُهُورِ المَعْنَى، لاَ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ يُقْطَعُ بِهِ النِّزَاعُ.

فَرْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الجُمْلَةِ: أَنَّ الفَقِيرَ لَوْ وَرِثَ بَعْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ مَا يَجْعَلُهُ غَنِيًّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّ الزَّكَاةِ، بِخِلاَفِ ابْنِ السَّبِيلِ وَالْغَازِي وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا، فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَى أَوْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ رَدَّ مَا فَضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ إِلَى جِهَةِ الزَّكَاةِ. فَلاَ يُقَالُ: إِذَا كَانَ الفَقْرُ وَصْفًا لِاسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ زَوَالَهُ يَقْتَضِي زَوَالَ الاِسْتِحْقَاقِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الحُكْمَ عِنْدَ الدَّفْعِ تَعَلَّقَ بِوَصْفٍ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ وَتَمَّ أَثَرُهُ بِالقَبْضِ وَالتَّمْلِيكِ، بِخِلاَفِ مَنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ لِجِهَةٍ مُقَدَّرَةٍ لَمْ تَسْتَوْفِهَا حَاجَتُهُ. وَالقَاعِدَةُ: أَنَّ الحُكْمَ الَّذِي ثَبَتَ لِوُجُودِ وَصْفٍ مُعْتَبَرٍ لاَ يَنْتَقِضُ بِزَوَالِ ذَلِكَ الوَصْفِ بَعْدَ تَمَامِ سَبَبِهِ وَتَرَتُّبِ أَثَرِهِ. وَسَيَأْتِي فِي انْتِفَاءَ المَنَاطِ يُسْقِطُ الحُكْمَ؛ وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ زَوَالَ الوَصْفِ قَبْلَ تَرَتُّبِ الأَثَرِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً، وَزَوَالَهُ بَعْدَ تَمَامِهِ لاَ يَرْفَعُ مَا مَضَى.

الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحَصْرُ لاَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِيعَابَ جَمِيعِ المَحْصُورِ فِيهِمْ أَفَادَتْ ﴿إِنَّمَا﴾ حَصْرَ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ فِي الأَصْنَافِ المَذْكُورَةِ. لَكِنْ هَلْ يَقْتَضِي هَذَا الحَصْرُ وُجُوبَ صَرْفِهَا إِلَى جَمِيعِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، أَمْ يَكْفِي صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ؟ وَالحَصْرُ هُنَا حَصْرُ جِنْسِ المُسْتَحِقِّينَ فِي هَذِهِ الأَصْنَافِ، لاَ تَوْزِيعُ آحَادِ المَالِ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ. وَمِنْ هُنَا انْبَنَى الخِلاَفُ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى وُجُوبِ الاِسْتِيعَابِ، أَخْذًا بِظَاهِرِ الشَّرِكَةِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا لاَمُ التَّمْلِيكِ مَعَ العَطْفِ بِالوَاوِ؛ وَحَاصِلُ مَذْهَبِهِ وُجُوبُهُ عَلَى الْمَالِكِ إِذَا فَرَّقَ بِنَفْسِهِ، وَعَلَى الإِمَامِ اسْتِيعَابُ الأَصْنَافِ دُونَ آحَادِهَا، وَمَنْ فُقِدَ صِنْفُهُ رُدَّ نَصِيبُهُ عَلَى البَاقِينَ. وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الآيَةَ لِبَيَانِ المَصْرِفِ لاَ لِلتَّشْرِيكِ، فَيُجْزِئُ الدَّفْعُ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ بَلْ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. فَسَبَبُ الخِلاَفِ فِي حَقِيقَتِهِ: هَلِ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ المُشْتَرَكِ أَمْ لِبَيَانِ المَصْرِفِ؟ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ لُغَوِيَّةٌ أُصُولِيَّةٌ أَثْمَرَتْ خِلاَفًا فِقْهِيًّا مُمْتَدًّا. وَالرَّاجِحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وَمِثَالُهُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّمَا هَذَا المَالُ لِطُلَّابِ العِلْمِ، فَهَذَا يُفِيدُ مَنْعَ صَرْفِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَلاَ يَقْتَضِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ طَالِبِ عِلْمٍ نَصِيبًا مِنْهُ.

وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: حَصْرُ الحُكْمِ فِي أَفْرَادٍ مُعَيَّنَةٍ لاَ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ تِلْكَ الأَفْرَادِ بِالحُكْمِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ.

الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأَوْصَافِ المُنَاسِبَةِ قَرِينَةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ لَمْ يَذْكُرْ سُبْحَانَهُ أَشْخَاصًا بِأَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَوْصَافًا تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ: فَالفَقِيرُ يَسْتَحِقُّ لِفَقْرِهِ، وَالعَامِلُ لِعَمَلِهِ، وَالمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ لِمَا يُرْجَى مِنْ تَأْلِيفِهِ. وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ سُؤَالٌ أُصُولِيٌّ: هَلْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الأَوْصَافُ لِمُجَرَّدِ تَعْرِيفِ المُسْتَحِقِّينَ، أَمْ أَنَّ فِيهَا إِيمَاءً إِلَى عِلَلِ الاِسْتِحْقَاقِ؟ وَالجَوَابُ أَنَّ تَعْلِيقَ الاِسْتِحْقَاقِ بِالوَصْفِ المُنَاسِبِ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي الحُكْمِ: فَالفَقْرُ مُنَاسِبٌ لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ الحَاجَةِ، وَالعَمَلُ عَلَيْهَا مُنَاسِبٌ لِمُقَابَلَتِهِ القِيَامَ بِمَصْلَحَةِ الجَمْعِ وَالتَّوْزِيعِ، وَتَأْلِيفُ القَلْبِ مُنَاسِبٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ. لَكِنْ يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ العِلَّةِ وَالحِكْمَةِ؛ فَقَدْ يَكُونُ الوَصْفُ المَذْكُورُ ضَابِطًا لِلاِسْتِحْقَاقِ، وَتَكُونُ المَصْلَحَةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ حِكْمَةَ التَّشْرِيعِ. وَالمَسْلَكُ الأُصُولِيُّ: المُنَاسَبَةُ — وَهُوَ أَنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلَى الوَصْفِ المُنَاسِبِ يُشْعِرُ بِالتَّعْلِيلِ. وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ مَا يَأْتِي فِي الفَائِدَةِ الخَامِسَةِ؛ إِذْ لَوْلاَ أَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ عُلِّقَ بِالوَصْفِ لاَ بِالعَيْنِ لَمَا صَحَّ القَوْلُ بِزَوَالِهِ عِنْدَ زَوَالِ وَصْفِهِ.

وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: تَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلَى الوَصْفِ المُنَاسِبِ يُشْعِرُ بِالتَّعْلِيلِ.

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: العُمُومُ اللُّغَوِيُّ لاَ يَسْتَلْزِمُ العُمُومَ الشَّرْعِيَّ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِنْ حَيْثُ أَصْلُ اللُّغَةِ يَشْمَلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ، وَلِأَنَّ «سَبِيلَ اللَّهِ» نَكِرَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ، وَالنَّكِرَةُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَةٍ عَمَّتْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾، فَـ(نِعْمَةَ) مُفْرَدٌ أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ فَعَمَّ كُلَّ نِعْمَةٍ. لَكِنْ هَلْ يُرَادُ بِهِ هُنَا جَمِيعُ وُجُوهِ الخَيْرِ، أَمِ الجِهَادُ خَاصَّةً؟ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ تَتَّصِلُ بِمَبْحَثٍ أُصُولِيٍّ: هَلْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ اللُّغَوِيِّ أَوْ عَلَى مَعْنَاهُ العُرْفِيِّ الشَّرْعِيِّ بِحَسَبِ السِّيَاقِ؟ فَمُجَرَّدُ كَوْنِ «سَبِيلِ اللَّهِ» فِي اللُّغَةِ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ لاَ يَكْفِي لِإِدْخَالِ جَمِيعِ أَعْمَالِ البِرِّ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ لَهُ اسْتِعْمَالٌ غَالِبٌ أَوْ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ أَوْ قَرَائِنُ سِيَاقِيَّةٌ تُحَدِّدُ المُرَادَ. وَ«سَبِيلُ اللَّهِ» إِذَا أُطْلِقَ لَمْ يُرَدْ بِهِ إِلاَّ الجِهَادُ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُهُ: أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ مُسْتَخْدِمًا أَدَاةَ الحَصْرِ؛ فَلَوْ حُمِلَ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَلَى وُجُوهِ الخَيْرِ لَدَخَلَتِ الأَصْنَافُ السَّبْعَةُ وَغَيْرُهَا مِمَّا لَمْ تَذْكُرْهُ الآيَةُ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ، فَلَمْ تَبْقَ فَائِدَةٌ لِذِكْرِ السَّبْعَةِ وَلاَ لِأَدَاةِ الحَصْرِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لَوْ صُرِفَتِ الزَّكَاةُ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ لَاسْتَفَادَ مِنْهَا الأَغْنِيَاءُ، وَلاَ حَظَّ لَهُمْ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنَ العَامِلِينَ عَلَيْهَا أَوْ مِنَ الغَارِمِينَ لِإِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ أَوْ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّمَا حَظُّهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ؛ وَمَا الفَرْقُ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالفَيْءِ إِذَا اسْتَوَى فِيهِمَا الأَغْنِيَاءُ وَالفُقَرَاءُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». وَأَمَّا مَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلتَّعْمِيمِ مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالحَسَنِ: «مَا أَعْطَيْتَ فِي الجُسُورِ وَالطُّرُقِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مَاضِيَةٌ» — أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الأَمْوَالِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمَالِكٌ فِي المُدَوَّنَةِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَيْهِمَا — فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَلَفْظُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «مَا أُخِذَ مِنْكَ عَلَى الجُسُورِ وَالقَنَاطِيرِ فَتِلْكَ زَكَاةٌ مَاضِيَةٌ»، وَ(عَلَى) ظَرْفُ مَكَانِ الأَخْذِ لاَ مَصْرِفِ الصَّرْفِ، فَالْمُرَادُ مَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ مِنَ التَّاجِرِ عِنْدَ الْمَعَابِرِ. وَيَشْهَدُ لَهُ أَمْرَانِ: تَرْجَمَةُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ لَهُ فِي بَابِ «مَنْ قَالَ يُحْتَسَبُ بِمَا أَخَذَ الْعَاشِرُ»، وَزِيَادَةُ الحَسَنِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: «مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَحْبِسَهَا عَنْهُمْ حَتَّى تَضَعَهَا حَيْثُ أَمَرَكَ اللَّهُ فَافْعَلْ» — وَهِيَ نَصٌّ فِي أَنَّهُ لاَ يَرَاهَا مَصْرِفًا يُقْصَدُ ابْتِدَاءً. فَالْقَوْلُ بِالتَّعْمِيمِ بَاقٍ بِلاَ سَلَفٍ صَحِيحٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ القَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ — فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الرَّازِيُّ — عَنْ بَعْضِ الفُقَهَاءِ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ.

وَالقَاعِدَةُ المُسْتَفَادَةُ: العُمُومُ اللُّغَوِيُّ لاَ يَسْتَلْزِمُ العُمُومَ الشَّرْعِيَّ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَخْصِيصِ المُرَادِ أَوْ تَقْيِيدِهِ.

الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الحُكْمُ إِذَا عُلِّقَ بِوَصْفٍ فَلاَ يَلْزَمُ بَقَاؤُهُ بَعْدَ زَوَالِ الوَصْفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ بَحْثٌ مُهِمٌّ فِي أَثَرِ زَوَالِ العِلَّةِ عَلَى الحُكْمِ: فَهَلْ يَنْتَهِي إِعْطَاءُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ إِذَا زَالَتِ الحَاجَةُ إِلَى التَّأْلِيفِ؟ وَالجَوَابُ أَنَّهُ إِذَا انْتَفَتِ المَصْلَحَةُ المُعْتَبَرَةُ مِنَ التَّأْلِيفِ فِي شَخْصٍ أَوْ حَالٍ انْتَفَى الاِسْتِحْقَاقُ فِي تِلْكَ الحَالِ، دُونَ أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ نَسْخَ المَصْرِفِ؛ فَالمَصْرِفُ ثَابِتٌ فِي الآيَةِ، وَالمُنْتَفِي تَحَقُّقُ مَنَاطِهِ.

وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: انْتِفَاءُ الحُكْمِ لِانْتِفَاءِ مَنَاطِهِ لَيْسَ نَسْخًا لِلْحُكْمِ.

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*