فَوَائِدُ أُصُولِيَّةٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. المَسْأَلَةُ: لاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الخِطَابِ فِي حَقِّ المُكَلَّفِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إِيَّاهُ؛ فَـ (التَّكْلِيفُ يُنَاطُ بِالْعِلْمِ أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ)، حَيْثُ عَلَّقَتِ الآَيَةُ الإِنْذَارَ بِالْقُرْآنِ عَلَى بُلُوغِهِ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الخِطَابُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ إِنْذَارُهُ، فَلاَ يَثْبُتُ الحُكْمُ فِي حَقِّهِ إِلاَّ بَعْدَ البَلاَغِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ الصَّحَابَةَ بِاسْتِدْرَاكِ مَا فَعَلُوهُ جَهْلاً.
وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرْعِ تُبَيِّنُ أَنَّ التَّكْلِيفَ يُنَاطُ بِالْعِلْمِ، مِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ المُسِيءِ صَلاَتَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، حَيْثُ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ إِعَادَةَ الصَّلَوَاتِ المَاضِيَةِ. وَمِثْلُهُ المُسْتَحَاضَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَوَهَّمُ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ، فَتَرَكَتِ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ، فَبَيَّنَ لَهَا ﷺ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِقَضَاءِ مَا تَرَكَتْهُ. وَمِنْهَا صَلاَةُ عَمَّارٍ حِينَ أَجْنَبَ فَتَمَرَّغَ فِي الترَابِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِالقَضَاءِ. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَهُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّلاَةِ.
وَمِنْهَا صَاحِبُ العِقَالَيْنِ عِنْدَمَا أَكَلَ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُمَا الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالقَضَاءِ. وَتَكَلُُّمُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ فِي صَلاَتِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِالإِعَادَةِ. وَمِنْهَا لَمَّا أَفْطَرَ الصَّحَابَةُ فِي يَوْمِ غَيْمٍ ظَنًّا أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَافْتِتَاحُ الصَّلاَةِ مِنْ أَهْلِ قُبَاءٍ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَحِينَ بَلَغَهُمُ النَّسْخُ تَحَوَّلُوا إِلَى القِبْلَةِ الجَدِيدَةِ وَبَنَوْا عَلَى صَلاَتِهِمْ وَلَمْ يُبْطِلُوهَا.
وَكُلُُّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ قَضَوْا. فَقَصْرُ الحُكْمِ عَلَى هَذِهِ النُّصُوصِ فَقَطْ نَزْعَةٌ ظَاهِرِيَّةٌ وَتَحَكُُّمٌ يَأْبَاهُ العَقْلُ وَالنَّقْلُ، وَتَوَهُُّمُ أَنَّهُمْ رُبَّمَا أُمِرُوا بِالقَضَاءِ وَلَمْ يُنْقَلْ بَعِيدٌ جِدًّا؛ إِذْ لَوْ أُمِرُوا لَنُقِلَ إِلَيْنَا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ الشَّارِعِ لَهَا.

