موقع الشيخ دبيان الدبيان

الفائدة السابعة عشرة

فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].

الفَائِدَةُ الأُولَى: لاَ يُعْمَلُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الحُكْمَ ثَابِتٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَبَعْدَهُ.
تَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾؛ فَقَدْ عُلِّقَتِ الأُخُوَّةُ فِي ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ عَلَى المُخَالَطَةِ، مَعَ أَنَّ الأُخُوَّةَ فِي الدِّينِ ثَابِتَةٌ قَبْلَ المُخَالَطَةِ وَبَعْدَهَا، وَهَذَا يَجْعَلُ الشَّرْطَ لاَ مَفْهُومَ لَهُ. وَقَدْ تَنَبَّهَ الطَّبَرِيُّ إِلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ، فَقَالَ: «أَيْتَامُ المُؤْمِنِينَ إِخْوَانُ المُؤْمِنِينَ، خَالَطَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَوْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ». اهـ. لأَنَّ المَقْصُودَ بِالشَّرْطِ لَيْسَ إِثْبَاتَ الأُخُوَّةِ بِالمُخَالَطَةِ، وَإِنَّمَا الاِسْتِدْلاَلُ بِالأُخُوَّةِ الثَّابِتَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ المُخَالَطَةِ.
وَقَدْ يَأْتِي الشَّرْطُ لاَ مَفْهُومَ لَهُ فِي آَيَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ ذَلِكَ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] بِالتَّرْكِيبِ نَفْسِهِ وَاللَّفْظِ نَفْسِهِ، وَالأُخُوَّةُ الدِّينِيَّةُ ثَابِتَةٌ لَهُمْ قَطْعًا، عُلِمَ آبَاؤُهُمْ أَمْ لَمْ يُعْلَمُوا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الشورى: ٤٨]، وَنَفْيُ الحِفْظِ عَنْهُ ﷺ ثَابِتٌ قَبْلَ إِعْرَاضِهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]، وَكَفُورِيَّةُ جِنْسِ الإِنْسَانِ ثَابِتَةٌ قَبْلَ إِصَابَةِ السَّيِّئَةِ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢]، وَحَصْرُ وَظِيفَتِهِ فِي البَلاَغِ ثَابِتٌ قَبْلَ تَوَلِّيهِمْ.
وَقَوْلُنَا: الشَّرْطُ هُنَا لاَ مَفْهُومَ لَهُ أَولَى مِنَ القَوْلِ بِأَنَّ لَهُ مَفْهُومًا لَكِنَّهُ عُطِّلَ بِمُعَارِضٍ أَقْوَى، وَهُوَ عُمُومُ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ لأَنَّ المُعَارَضَةَ فَرْعُ انْعِقَادِ الدَّلاَلَةِ، وَالدَّلاَلَةُ لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا.
وَكَمَا يَقَعُ فِي القُرْآنِ يَقَعُ ذَلِكَ فِي السُُّنَّةِ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَهَذَا الشَّرْطُ لاَ مَفْهُومَ لَهُ، إِذِ البَارِي عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَلَوْ وَقَعَ الصَّائِمُ فِي الزُُّورِ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالقَاعِدَةُ الجَامِعَةُ: إِذَا كَانَ جَوَابُ الشَّرْطِ ثَابِتًا قَبْلَ الشَّرْطِ وَبَعْدَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّرْطِ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ فِي ذَلِكَ الجَوَابِ.

الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ثُبُوتُ الإِسْلاَمِ لِلصَّغِيرِ فِي أَحْكَامِ الدُُّنْيَا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِخِطَابِ التَّكْلِيفِ.
فَإِنَّ حُكْمَهُ بِالإِسْلاَمِ قَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالاِعْتِقَادِ وَالعَمَلِ تَكْلِيفَ البَالِغِ. وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ اليَتَامَى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، وَقَالَ فِي آَيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. فَاسْتَدَلَّ الجَصَّاصُ مِنْ ضَمِّ الآَيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ أَطْفَالَ المُسْلِمِينَ مَحْكُومٌ لَهُمْ بِالإِسْلاَمِ؛ لأَنَّ اللَّهَ وَصَفَهُمْ بِالأُخُوَّةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
وَالقَاعِدَةُ المُسْتَنْبَطَةُ: انْتِفَاءُ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ لاَ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الأَحْكَامِ الوَضْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِ المُكَلَّفِ.

الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اعْتِبَارُ مَآلاَتِ الأَفْعَالِ فِي تَنْزِيلِ الأَحْكَامِ.
تَأَمَّلْ كَيْفَ خَافَ الصَّحَابَةُ مِنَ الوُقُوعِ فِي أَكْلِ أَمْوَالِ اليَتَامَى، فَعَزَلَ بَعْضُهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَطَعَامَهُمْ عَنْ أَمْوَالِ الأَيْتَامِ وَطَعَامِهِمْ، وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّ بَعْضَ الطَّعَامِ يَفْسُدُ، وَأَنَّ العَزْلَ يُوقِعُ مَشَقَّةً. فَجَاءَ البَيَانُ القُرْآنِيُّ مُقَرِّرًا أَنَّ الإِصْلاَحَ هُوَ المُعْتَبَرُ، لاَ مُجَرَّدَ الفَصْلِ بَيْنَ الأَمْوَالِ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَخْرِجُ: أَنَّ الفِعْلَ قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي أَصْلِهِ، وَلَكِنَّ المُبَالَغَةَ فِي الاِحْتِيَاطِ لَهُ قَدْ تُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ المَقْصُودِ مِنْهُ.

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الإِمْكَانِ وَالوُقُوعِ فِي التَّكْلِيفِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وَمِنْ دَقَائِقِ الاِسْتِنْبَاطِ أَنَّ الآَيَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الإِمْكَانِ وَالوُقُوعِ؛ فَالْتَّكْلِيفُ بِمَا فِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ مُمِكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشْرَعِ الإِعْنَاتَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، تَفَضُّلاً مِنْهُ وَرَحْمَةً. فَقَدْ عَلَّقَ سُبْحَانَهُ الإِعْنَاتَ عَلَى مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِاسْمَيْهِ ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فَدَلَّ الأَوَّلُ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّ تَشْرِيعَهُ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ.
فَتَأَمَّلِ الجَمْعَ بَيْنَ الاِسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ:
• عَزِيزٌ: يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ وَالْغَلَبَةِ، فَلاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَمِنْهُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.
• حَكِيمٌ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَشْرِيعَهُ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الحِكْمَةِ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ مَا يُوقِعُهُمْ فِي العَنَتِ.
وَقَدْ تَنَبَّهَ ابْنُ عَاشُورٍ إِلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَالِبٌ قَادِرٌ فَلَوْ شَاءَ لَكَلَّفَكُمُ العَنَتَ، لَكِنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ الأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا فَلِذَا لَمْ يُكَلِّفْكُمُوهُ».
وَرَفْعُ الحَرَجِ أَصْلٌ كُلِّيٌّ فِي الشَّرِيعَةِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ دَلاَلَةِ هَذِهِ الآَيَةِ بِمُفْرَدِهَا وَدَلاَلَةِ مَجْمُوعِ النُّصُوصِ. فَالآَيَةُ فِي أَصْلِ سِيَاقِهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ رَفْعِ الحَرَجِ فِي مُخَالَطَةِ أَمْوَالِ اليَتَامَى. أَمَّا كُلِّيَّةُ رَفْعِ الحَرَجِ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَتَثْبُتُ بِمَجْمُوعِ الأَدِلَّةِ، وَمِنْهَا:
• ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
• ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨].
وَلَكِنَّ هَذَا الأَصْلَ لاَ يَنْفِي المَشَقَّةَ المُعْتَادَةَ المُلاَزِمَةَ لِلْتَّكَالِيفِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
وَمَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ تَحْقِيقُ المَصَالِحِ وَدَفْعُ المَفَاسِدِ، فَإِنْ تَبِعَ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ فَهِيَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً؛ وَإِنْ أُثِيبَ عَلَيْهَا؛ لأَنَّ المَشَقَّةَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرَخُّصِ، لاَ التَّكْلِيفِ. وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقْصِدَ المَشَقَّةَ فِي التَّكْلِيفِ نَظَرًا إِلَى عِظَمِ الأَجْرِ، فَلاَ يَتَقَصَّدُ الحَجَّ مَاشِيًا، وَلاَ يُشْرَعُ التَّعَرُّضُ لِلرَّمْضَاءِ طَلَبًا لِلأَجْرِ، وَلاَ قَصْدُ الظُّلْمَةِ فِي المَشْيِ إِلَى العِبَادَةِ إِذَا تَيَسَّرَتِ الإِضَاءَةُ، وَلاَ الصِّيَامُ بِلاَ تَكْيِيفٍ إِذَا تَيَسَّرَ التَّكْيِيفُ، وَكَذَا سَائِرُ العِبَادَاتِ، وَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ العَمَلَ الَّذِي يَعْظُمُ أَجْرُهُ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَمَلٌ، فَإِنْ قَصَدَ المَشَقَّةَ فَقَدْ خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ؛ لأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ بِالتَّكْلِيفِ المَشَقَّةَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].
وَقَدْ حَرَّرَ الشَّاطِبِيُّ الفَرْقَ بَيْنَ المَشَقَّةِ المُعْتَادَةِ وَغَيْرِ المُعْتَادَةِ، وَقَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ لاَ يَقْصِدُ المَشَقَّةَ لِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ المَصَالِحَ الَّتِي شُرِعَتِ التَّكَالِيفُ لِتَحْقِيقِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*