فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
مِنْ دَقَائِقِ القُرْآنِ فِي تَقْرِيرِ القِيَاسِ الصَّحِيحِ وَإِبْطَالِ القِيَاسِ الفَاسِدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨-٧٩].
الفَائِدَةُ الأُولَى: تَضَمَّنَتِ الآَيَتَانِ قِيَاسَيْنِ:
أَحَدُهُمَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ: قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ المُنْكِرِ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الإِحْيَاءِ. وَقَدْ حَلَّلَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا الاِسْتِدْلاَلَ إِلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: الكُبْرَى: لاَ أَحَدَ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، والصُّغْرَى: هَذِهِ العِظَامُ رَمِيمٌ، والنَّتِيجَةُ: لاَ أَحَدَ يُحْيِي هَذِهِ العِظَامَ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ المُقَدِّمَةَ الكُبْرَى بَاطِلَةٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِحْيَائِهَا. فَجَاءَ الجَوَابُ القُرْآنِيُّ بِنَقْضِ أَسَاسِ الاِسْتِدْلاَلِ، لاَ بِمُجَرَّدِ إِنْكَارِ النَّتِيجَةِ. انْظُرْ: دَرْءَ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ (١/٣٣-٣٤). فَاسْتِبْعَادُ إِحْيَاءِ العِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ؛ قِيَاسًا عَلَى عَجْزِ المَخْلُوقِ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ؛ لاِخْتِلاَفِ الأَصْلِ وَالفَرْعِ فِي الوَصْفِ المُؤَثِّرِ.
وَالآخَرُ قِيَاسٌ صَحِيحٌ: وَهُوَ حُجِّيَّةُ قِيَاسِ النَّظِيرِ عَلَى نَظِيرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فَمَنْ قَدَرَ عَلَى إِنْشَاءِ الشَّيْءِ ابْتِدَاءً قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١].
أَحَدُهُمَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ: قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ المُنْكِرِ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الإِحْيَاءِ. وَقَدْ حَلَّلَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا الاِسْتِدْلاَلَ إِلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: الكُبْرَى: لاَ أَحَدَ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، والصُّغْرَى: هَذِهِ العِظَامُ رَمِيمٌ، والنَّتِيجَةُ: لاَ أَحَدَ يُحْيِي هَذِهِ العِظَامَ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ المُقَدِّمَةَ الكُبْرَى بَاطِلَةٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِحْيَائِهَا. فَجَاءَ الجَوَابُ القُرْآنِيُّ بِنَقْضِ أَسَاسِ الاِسْتِدْلاَلِ، لاَ بِمُجَرَّدِ إِنْكَارِ النَّتِيجَةِ. انْظُرْ: دَرْءَ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ (١/٣٣-٣٤). فَاسْتِبْعَادُ إِحْيَاءِ العِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ؛ قِيَاسًا عَلَى عَجْزِ المَخْلُوقِ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ؛ لاِخْتِلاَفِ الأَصْلِ وَالفَرْعِ فِي الوَصْفِ المُؤَثِّرِ.
وَالآخَرُ قِيَاسٌ صَحِيحٌ: وَهُوَ حُجِّيَّةُ قِيَاسِ النَّظِيرِ عَلَى نَظِيرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فَمَنْ قَدَرَ عَلَى إِنْشَاءِ الشَّيْءِ ابْتِدَاءً قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١].
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: انْتَقَلَ القُرْآنُ إِلَى قِيَاسِ الأَوْلَى:
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]. وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ خَلْقُهُمَا، فَإِمْكَانُ خَلْقِ الإِنْسَانِ وَإِعَادَتِهِ أَوْلَى بِالتَّسْلِيمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. وَهَذِهِ الأَوْلَوِيَّةُ هُنَا بِاعْتِبَارِ مَا يَتَصَوَّرُهُ المُخَاطَبُ مِنْ عِظَمِ المَخْلُوقَاتِ وَتَفَاوُتِ الأَعْمَالِ، لاَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَقُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ كَامِلَةٌ لاَ يُعْجِزُهَا شَيْءٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]. وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ خَلْقُهُمَا، فَإِمْكَانُ خَلْقِ الإِنْسَانِ وَإِعَادَتِهِ أَوْلَى بِالتَّسْلِيمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. وَهَذِهِ الأَوْلَوِيَّةُ هُنَا بِاعْتِبَارِ مَا يَتَصَوَّرُهُ المُخَاطَبُ مِنْ عِظَمِ المَخْلُوقَاتِ وَتَفَاوُتِ الأَعْمَالِ، لاَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَقُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ كَامِلَةٌ لاَ يُعْجِزُهَا شَيْءٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وَالفَائِدَةُ الأُصُولِيَّةُ:
لَيْسَ كُلُّ إِلْحَاقٍ قِيَاسًا صَحِيحًا؛ وَإِنَّمَا يَصِحُّ القِيَاسُ بِتَحَقُّقِ الجَامِعِ المُؤَثِّرِ وَانْتِفَاءِ الفَارِقِ، وَيَكُونُ قِيَاسُ الأَوْلَى أَبْلَغَ فِي الدَّلاَلَةِ إِذَا تَحَقَّقَ مَنَاطُ الأَوْلَوِيَّةِ. وَقَدْ جَمَعَ القُرْآنُ فِي هَذِهِ الآَيَاتِ بَيْنَ إِبْطَالِ القِيَاسِ الفَاسِدِ، وَتَقْرِيرِ قِيَاسِ النَّظِيرِ، وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ بِقِيَاسِ الأَوْلَى. قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ». الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ (١٥ / ٥٥).
لَيْسَ كُلُّ إِلْحَاقٍ قِيَاسًا صَحِيحًا؛ وَإِنَّمَا يَصِحُّ القِيَاسُ بِتَحَقُّقِ الجَامِعِ المُؤَثِّرِ وَانْتِفَاءِ الفَارِقِ، وَيَكُونُ قِيَاسُ الأَوْلَى أَبْلَغَ فِي الدَّلاَلَةِ إِذَا تَحَقَّقَ مَنَاطُ الأَوْلَوِيَّةِ. وَقَدْ جَمَعَ القُرْآنُ فِي هَذِهِ الآَيَاتِ بَيْنَ إِبْطَالِ القِيَاسِ الفَاسِدِ، وَتَقْرِيرِ قِيَاسِ النَّظِيرِ، وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ بِقِيَاسِ الأَوْلَى. قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ». الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ (١٥ / ٥٥).

