فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. هَذِهِ الآَيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا وَأَنَّ الحَقَّ وَاحِدٌ، أَصَابَهُ سُلَيْمَانُ وَأَخْطَأَهُ دَاوُدُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا ثُبُوتُ أَصْلِ الاِجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ القَضِيَّةَ كَانَتْ مَحَلَّ نَظَرٍ وَاسْتِنْبَاطٍ، لاَ مُجَرَّدَ نَقْلِ حُكْمٍ مَحْفُوظٍ.
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الاِجْتِهَادِ لِلأَنْبِيَاءِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ وَحْيٌ خَاصٌّ.
وَفِيهَا أَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِكُ المُجْتَهِدَانِ فِي العِلْمِ وَالأَهْلِيَّةِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الفَهْمِ، وَأَنَّ العِلْمَ غَيْرُ الفَهْمِ. فَلَمْ يَكُنِ اخْتِلاَفُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ نَاشِئًا عَنْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا عَالِمًا وَالآخَرِ جَاهِلاً، بَلِ اشْتَرَكَا فِي أَصْلِ العِلْمِ وَالحُكْمِ، ثُمَّ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِمَزِيدِ فَهْمٍ فِي الوَاقِعَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، وَقَدْ قَالَ قَبْلَهَا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، فَقَدْ يَحْفَظُ اثْنَانِ الأَدِلَّةَ وَالقَوَاعِدَ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَدَقَّ فِي الجَمْعِ بَيْنَهَا وَتَنْزِيلِهَا عَلَى الوَاقِعَةِ.
وَأَنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الصَّوَابِ مَعَ كَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ الحُكْمَ وَالعِلْمَ، وَمَعَ ذَلِكَ خَصَّ سُلَيْمَانَ بِفَهْمِ القَضِيَّةِ. فَكَمَالُ أَهْلِيَّةِ المُجْتَهِدِ لاَ يَسْتَلْزِمُ إِصَابَتَهُ فِي كُلِّ جُزْئِيَّةٍ.
وَأَنَّ المُجْتَهِدَ المُسْتَكْمِلَ لآَلَةِ الاِجْتِهَادِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ خَطَئِهِ الذَّمُّ. فَبَعْدَ أَنْ خَصَّ اللَّهُ سُلَيْمَانَ بِالفَهْمِ أَثْنَى عَلَيْهِ وَعَلَى سُلَيْمَانَ مَعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
وَأَنَّ اخْتِلاَفَ المُجْتَهِدِينَ لاَ يَسْتَلْزِمُ الطَّعْنَ فِي عِلْمِ أَحَدِهِمَا. وَأَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الفِقْهِ لاَ يُنَافِي الاِشْتِرَاكَ فِي العِلْمِ؛ فَالْفَضْلُ الخَاصُّ فِي مَسْأَلَةٍ لاَ يَسْتَلْزِمُ الأَفْضَلِيَّةَ المُطْلَقَةَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ العِلْمِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ نَافِعَةٌ جِدًّا عِنْدَ المَفَاضَلَةِ بَيْنَ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ.

