موقع الشيخ دبيان الدبيان

الفائدة الحادية عشرة

فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
الآَيَةُ أَصْلٌ فِي فُرُوضِ الكِفَايَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. وَمِنْهَا تُصَاغُ القَاعِدَةُ: مَا كَانَ المَقْصُودُ مِنَ الأَمْرِ حُصُولَ مَصْلَحَتِهِ، لاَ مُبَاشَرَةَ كُلِّ مُكَلَّفٍ لَهُ، فَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، وَالتَّعْلِيمُ، وَالإِنْذَارُ، وَالْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ بِهَا مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الكِفَايَةُ سَقَطَ الحَرَجُ عَنِ البَاقِينَ.
وَمَعَ عِظَمِ شَأْنِ الجِهَادِ لَمْ يُؤْذَنْ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا، لأَنَّ الأُمَّةَ مُحْتَاجَةٌ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ العِلْمَ وَيَتَفَقَّهُ فِيهِ. وَفُرُوضُ الكِفَايَاتِ مُتَكَامِلَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِيعَابُ الطَّاقَاتِ فِي كِفَايَةٍ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ كِفَايَةٌ أُخْرَى لاَ تَقُومُ مَصْلَحَةُ الأُمَّةِ إِلاَّ بِهَا. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ وَاسِعَةٌ جِدًّا فِي فِقْهِ المَوَازَنَاتِ وَالتَّخَصُّصَاتِ.
وَالآَيَةُ أَصْلٌ فِي التَّخَصُّصِ وَتَقْسِيمِ وَظَائِفِ الأَعْمَالِ؛ قَالَ: ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، فَلَمْ يُطْلَبْ مِنَ الجَمِيعِ مُمَارَسَةُ الوَظِيفَةِ العِلْمِيَّةِ نَفْسِهَا، بَلْ خُصَّتْ بِهَا طَائِفَةٌ. وَمِنْ أُصُولِ ذَلِكَ: قِيَامُ مَصَالِحِ الأُمَّةِ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ الوَظَائِفِ وَالتَّخَصُّصَ فِيهَا، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْدٍ قَائِمًا بِكُلِّ مَصْلَحَةٍ، وَهَذَا أَصْلٌ شَرْعِيٌّ بَدِيعٌ لِفِكْرَةِ التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ.
وَمِنَ الفَوَائِدِ: أَنَّ طَلَبَ العِلْمِ وَسِيلَةٌ، وَالْعَمَلَ وَالتَّعْلِيمَ غَايَتُهُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾، فَلَمْ يَجْعَلْ غَايَةَ التَّفَقُّهِ مُجَرَّدَ تَحْصِيلِ المَعْلُومَاتِ، وَإِنَّمَا رَتَّبَ عَلَيْهِ وَظِيفَةً أُخْرَى: الإِنْذَارَ وَالتَّعْلِيمَ. فَتُصَاغُ فَائِدَةٌ: أَنَّ العِلْمَ الشَّرْعِيَّ مِنْ مَقَاصِدِهِ العَمَلُ بِهِ وَتَبْلِيغُهُ وَتَعْلِيمُ النَّاسِ.
وَيُؤْخَذُ مِنَ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّفَقُّهَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ العِلْمِ؛ فَلَمْ يَقُلْ: (لِيَتَعَلَّمُوا الدِّينَ)، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، وَالتَّفَقُّهُ يَتَضَمَّنُ فَهْمَ المَعَانِي، وَإِدْرَاكَ المَآخِذِ، وَرَبْطَ الأَحْكَامِ بِأَدِلَّتِهَا، وَالقُدْرَةَ عَلَى تَنْزِيلِهَا. وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ صِيَاغَةُ: أَنَّ المَطْلُوبَ فِي العِلْمِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظِ النُّصُوصِ، بَلْ فَهْمُ دَلاَلاَتِهَا وَمَآخِذِ أَحْكَامِهَا.
وَيُؤْخَذُ مِنَ الآَيَةِ أَنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ لأَنَّ الإِنْذَارَ المَطْلُوبَ فِي الآَيَةِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ إِلاَّ بَعْدَ التَّفَقُّهِ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا… وَلِيُنْذِرُوا﴾، فَإِذَا وَجَبَ الإِنْذَارُ، وَتَوَقَّفَ عَلَى العِلْمِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الإِنْذَارُ، لَزِمَ تَحْصِيلُ هَذَا العِلْمِ.
يُسْتَفَادُ مِنَ الآَيَةِ: حُجِّيَّةُ خَبَرِ الوَاحِدِ، وَهَذِهِ مِنْ أَشْهَرِ وَأَدَقِّ فَوَائِدِ الآَيَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ… لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَدَبَ طَائِفَةً إِلَى التَّفَقُّهِ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِهَا وَإِنْذَارِهِمْ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَحْذَرَ القَوْمُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ لَمَا كَانَ لِلإنْذَارِ ثُمَّ الحَذَرِ مَعْنًى.
تَرْتِيبُ الآَيَةِ بَدِيعٌ:
١. تَحْصِيلُ العِلْمِ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾.
٢. نَقْلُ العِلْمِ: ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾.
٣. أَثَرُ العِلْمِ فِي السُُّلُوكِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وَمِنْهَا قَاعِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ أُصُولِيَّةٌ جَلِيلَةٌ: كَمَالُ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ بِاجْتِمَاعِ الفِقْهِ وَالبَلاَغِ وَالاِمْتِثَالِ.

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*