فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. الضِّغْثُ: مِلْءُ الكَفِّ مِنَ الشَّمَارِيخِ وَالحَشِيشِ وَنَحْوِهِمَا. وَكَانَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَدْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ عَدَدًا مِنَ الضَّرْبِ، فَلَمَّا عُوفيَ أَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ العَدَدَ فِي ضِغْثٍ وَاحِدٍ يَضْرِبُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَقَعُ البَرُّ بِيَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ حِنثٍ، وَمِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِي الإِيلاَمِ.
الفَائِدَةُ الأُولَى: اليَمِينُ تَجْرِي عَلَى مُسَمَّى اللَّفْظِ، فَمَتَى تَحَقَّقَ المُسَمَّى وَقَعَ البَرُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَقْصُودُ الحَالِفِ.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: أَنَّ اليَمِينَ إِنَّمَا انْعَقَدَتْ عَلَى «الضَّرْبِ» مُطْلَقًا، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ لَفْظُهَا تَفْرِيقَ الضَّرَبَاتِ وَلاَ إِصَالَ الأَلَمِ؛ فَلَمَّا جُمِعَتِ الشَّمَارِيخُ وَوَقَعَ بِهَا مُسَمَّى الضَّرْبِ حَصَلَ البَرُّ. وَالمُعْتَبَرُ فِي بَابِ الأَيْمَانِ صِدْقُ الاِسْمِ عَلَى الفِعْلِ، لاَ بُلُوغُ الغَايَةِ الَّتِي قَصَدَهَا الحَالِفُ مِنْ يَمِينِهِ.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: أَنَّ اليَمِينَ إِنَّمَا انْعَقَدَتْ عَلَى «الضَّرْبِ» مُطْلَقًا، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ لَفْظُهَا تَفْرِيقَ الضَّرَبَاتِ وَلاَ إِصَالَ الأَلَمِ؛ فَلَمَّا جُمِعَتِ الشَّمَارِيخُ وَوَقَعَ بِهَا مُسَمَّى الضَّرْبِ حَصَلَ البَرُّ. وَالمُعْتَبَرُ فِي بَابِ الأَيْمَانِ صِدْقُ الاِسْمِ عَلَى الفِعْلِ، لاَ بُلُوغُ الغَايَةِ الَّتِي قَصَدَهَا الحَالِفُ مِنْ يَمِينِهِ.
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَدْ يَفْتَحُ الشَّارِعُ لِلْمُكَلَّفِ مَخْرَجًا مِنَ المَأْزِمِ مِنْ غَيْرِ إِسْقَاطِ أَصْلِ الحُكْمِ.
فَلَمْ يَقُلْ لَهُ: دَعِ الضَّرْبَ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَمْضِ مُقْتَضَى قَصْدِكَ؛ بَلْ دَلَّ عَلَى صُورَةٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا الأَمْرَانِ: بَرُّ اليَمِينِ وَرَفْعُ الأَذَى. وَفِيهِ أَصْلٌ نَافِعٌ: أَنَّ إِعْمَالَ المَصْلَحَتَيْنِ مَعًا مُقَدَّمٌ عَلَى إِهْدَارِ إِحْدَاهُمَا مَا أَمْكَنَ الجَمْعُ.
فَلَمْ يَقُلْ لَهُ: دَعِ الضَّرْبَ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَمْضِ مُقْتَضَى قَصْدِكَ؛ بَلْ دَلَّ عَلَى صُورَةٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا الأَمْرَانِ: بَرُّ اليَمِينِ وَرَفْعُ الأَذَى. وَفِيهِ أَصْلٌ نَافِعٌ: أَنَّ إِعْمَالَ المَصْلَحَتَيْنِ مَعًا مُقَدَّمٌ عَلَى إِهْدَارِ إِحْدَاهُمَا مَا أَمْكَنَ الجَمْعُ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الآَيَةُ أَصْلٌ فِي ضَابِطِ الحِيلَةِ المَشْرُوعَةِ.
فَالْحِيَلُ ضَرْبَانِ: مَا كَانَ تَوَسُّلًا بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ إِلَى مَقْصُودٍ مَشْرُوعٍ، فَهَذَا مِنَ المَخَارِجِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ، وَالآَيَةُ نَصٌّ فِيهِ. وَمَا كَانَ تَوَسُّلًا بِسَبَبٍ ظَاهِرُهُ الجَوَازُ إِلَى إِسْقَاطِ وَاجِبٍ، أَوْ تَحْلِيلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ إِبْطَالِ حَقٍّ، فَهَذَا هُوَ المَذْمُومُ المُنَاقِضُ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ.
فَالْحِيَلُ ضَرْبَانِ: مَا كَانَ تَوَسُّلًا بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ إِلَى مَقْصُودٍ مَشْرُوعٍ، فَهَذَا مِنَ المَخَارِجِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ، وَالآَيَةُ نَصٌّ فِيهِ. وَمَا كَانَ تَوَسُّلًا بِسَبَبٍ ظَاهِرُهُ الجَوَازُ إِلَى إِسْقَاطِ وَاجِبٍ، أَوْ تَحْلِيلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ إِبْطَالِ حَقٍّ، فَهَذَا هُوَ المَذْمُومُ المُنَاقِضُ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ.
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ أَدَقُّهَا، أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الأَصْلِ بَابُ الأَيْمَانِ، وَلاَ يَطْرِدُ فِي كُلِّ بَابٍ.
لِأَنَّ الأَيْمَانَ مَبْنَاهَا عَلَى الأَلْفَاظِ، وَالعُقُودَ مَبْنَاهَا عَلَى المَعَانِي وَالمَقَاصِدِ. فَمَنْ جَمَعَ الشَّمَارِيخَ بَرَّ؛ لِأَنَّ الحِنثَ مُتَعَلِّقٌ بِالاِسْمِ، وَمَنْ نَصَبَ صُورَةَ بَيْعٍ يَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى الرِّبَا لَمْ تَنْفَعْهُ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ الرِّبَا مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِيقَةِ. وَبِهَذَا التَّفْرِيقِ يَنْدَفِعُ الاِسْتِدْلاَلُ بِالآَيَةِ عَلَى تَجْوِيزِ الحِيَلِ الرَّبَوِيَّةِ وَنَحْوِهَا.
لِأَنَّ الأَيْمَانَ مَبْنَاهَا عَلَى الأَلْفَاظِ، وَالعُقُودَ مَبْنَاهَا عَلَى المَعَانِي وَالمَقَاصِدِ. فَمَنْ جَمَعَ الشَّمَارِيخَ بَرَّ؛ لِأَنَّ الحِنثَ مُتَعَلِّقٌ بِالاِسْمِ، وَمَنْ نَصَبَ صُورَةَ بَيْعٍ يَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى الرِّبَا لَمْ تَنْفَعْهُ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ الرِّبَا مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِيقَةِ. وَبِهَذَا التَّفْرِيقِ يَنْدَفِعُ الاِسْتِدْلاَلُ بِالآَيَةِ عَلَى تَجْوِيزِ الحِيَلِ الرَّبَوِيَّةِ وَنَحْوِهَا.
الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ اليَمِينِ وَبَقَاءِ مُوجِبِهَا.
إِذْ لَوْ كَانَ تَرْكُ الضَّرْبِ بِالْكُلِّيَّةِ سائِغًا لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنِ الحِنثِ مَعْنًى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ الكَفَّارَةَ لَيْسَتْ هِيَ المَخْرَجَ الأَوْحَدَ، وَأَنَّ البَرَّ بِأَدْنَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الاِسْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الحِنثِ وَالتَّكْفِيرِ.
إِذْ لَوْ كَانَ تَرْكُ الضَّرْبِ بِالْكُلِّيَّةِ سائِغًا لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنِ الحِنثِ مَعْنًى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ الكَفَّارَةَ لَيْسَتْ هِيَ المَخْرَجَ الأَوْحَدَ، وَأَنَّ البَرَّ بِأَدْنَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الاِسْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الحِنثِ وَالتَّكْفِيرِ.
الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فِي كَوْنِ الحُكْمِ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.
وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ: فَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ القَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَصَائِصِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمْ تَصِحُّ التَّعْدِيَةُ. وَيُقَوِّي الأَوَّلَ: أَنَّ شَرْعَنَا جَاءَ بِمِثْلِهِ فِي حَدِّ المَرِيضِ الَّذِي لاَ يُطِيقُ الضَّرْبَ، فَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فِي الزَّانِي الضَّعِيفِ أَنْ يُؤْخَذَ لَهُ عِثْكَالٌ فِيهِ شَمَارِيخُ فَيُضْرَبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي العِلَلِ إِرْسَالَهُ وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ لَهُ رُؤْيَةٌ، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ صَالِحٌ لِلْاِحْتِجَاجِ؛ وَلِجَرَيَانِ العَمَلِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ. فَيَكُونُ المَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآَيَةُ مُقَرَّرًا فِي شَرِيعَتِنَا، لاَ مَرْفُوعًا عَنْهَا.
وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ: فَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ القَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَصَائِصِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمْ تَصِحُّ التَّعْدِيَةُ. وَيُقَوِّي الأَوَّلَ: أَنَّ شَرْعَنَا جَاءَ بِمِثْلِهِ فِي حَدِّ المَرِيضِ الَّذِي لاَ يُطِيقُ الضَّرْبَ، فَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فِي الزَّانِي الضَّعِيفِ أَنْ يُؤْخَذَ لَهُ عِثْكَالٌ فِيهِ شَمَارِيخُ فَيُضْرَبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي العِلَلِ إِرْسَالَهُ وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ لَهُ رُؤْيَةٌ، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ صَالِحٌ لِلْاِحْتِجَاجِ؛ وَلِجَرَيَانِ العَمَلِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ. فَيَكُونُ المَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآَيَةُ مُقَرَّرًا فِي شَرِيعَتِنَا، لاَ مَرْفُوعًا عَنْهَا.
الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الاِسْتِثْنَاءُ فِي اليَمِينِ لاَ يَرْفَعُ مُوجِبَهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَوَقَعَ الحَرَجُ فِي إِمْضَائِهَا، لَمْ يُرْشَدْ إِلَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ فَيَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ مُوجِبُ اليَمِينِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَإِنَّمَا أُرْشِدَ إِلَى الضَّغْثِ. وَلَوْ كَانَ الاِسْتِثْنَاءُ المُتَرَاخِي رَافِعًا لِحُكْمِ اليَمِينِ لَكَانَ هُوَ المَخْرَجَ الأَيْسَرَ وَالأَوْلَى بِالدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ؛ فَالْعَدُولُ عَنْهُ إِلَى الضَّغْثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ مَتَى انْعَقَدَتْ لَمْ يَرْفَعْهَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا. وَقَدِ اشْتَهَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَجْوِيزُ الاِسْتِثْنَاءِ وَإِنْ تَرَاخَى، وَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أَيْ: إِذَا نَسِيتَ الاِسْتِثْنَاءَ فَاسْتَثْنِ مَتَى ذَكَرْتَ. وَالأَثَرُ عَنْهُ رَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ، بَيْنَهُمَا اللَّيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ حُصَيْنٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ عَنْهُ. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إِلاَّ مُتَّصِلًا، وَعَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ فَمَحْمَلُهُ عَلَى تَعْلِيقِ المَشِيئَةِ وَرَدِّ الأَمْرِ إِلَى اللَّهِ، لاَ عَلَى رَفْعِ الحِنثِ وَإِسْقَاطِ الكَفَّارَةِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَيُجَابُ عَنْ أَصْلِ الاِحْتِجَاجِ بِالآَيَةِ: أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي الإِخْبَارِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ وَالوَعْدِ بِهِ، لاَ فِي اليَمِينِ المُنْعَقِدَةِ. وَأَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ الأَيْمَانِ وَالعُقُودِ جُمْلَةً؛ إِذْ مَا مِنْ حَالِفٍ وَلاَ مُعَاقِدٍ إِلاَّ وَيُمْكِنُهُ الاِسْتِثْنَاءُ بَعْدَ حِينٍ، وَلاَ يَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ وَلاَ لِآيَاتِ الكَفَّارَةِ مَعْنًى.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَوَقَعَ الحَرَجُ فِي إِمْضَائِهَا، لَمْ يُرْشَدْ إِلَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ فَيَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ مُوجِبُ اليَمِينِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَإِنَّمَا أُرْشِدَ إِلَى الضَّغْثِ. وَلَوْ كَانَ الاِسْتِثْنَاءُ المُتَرَاخِي رَافِعًا لِحُكْمِ اليَمِينِ لَكَانَ هُوَ المَخْرَجَ الأَيْسَرَ وَالأَوْلَى بِالدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ؛ فَالْعَدُولُ عَنْهُ إِلَى الضَّغْثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ مَتَى انْعَقَدَتْ لَمْ يَرْفَعْهَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا. وَقَدِ اشْتَهَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَجْوِيزُ الاِسْتِثْنَاءِ وَإِنْ تَرَاخَى، وَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أَيْ: إِذَا نَسِيتَ الاِسْتِثْنَاءَ فَاسْتَثْنِ مَتَى ذَكَرْتَ. وَالأَثَرُ عَنْهُ رَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ، بَيْنَهُمَا اللَّيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ حُصَيْنٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ عَنْهُ. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إِلاَّ مُتَّصِلًا، وَعَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ فَمَحْمَلُهُ عَلَى تَعْلِيقِ المَشِيئَةِ وَرَدِّ الأَمْرِ إِلَى اللَّهِ، لاَ عَلَى رَفْعِ الحِنثِ وَإِسْقَاطِ الكَفَّارَةِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَيُجَابُ عَنْ أَصْلِ الاِحْتِجَاجِ بِالآَيَةِ: أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي الإِخْبَارِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ وَالوَعْدِ بِهِ، لاَ فِي اليَمِينِ المُنْعَقِدَةِ. وَأَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ الأَيْمَانِ وَالعُقُودِ جُمْلَةً؛ إِذْ مَا مِنْ حَالِفٍ وَلاَ مُعَاقِدٍ إِلاَّ وَيُمْكِنُهُ الاِسْتِثْنَاءُ بَعْدَ حِينٍ، وَلاَ يَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ وَلاَ لِآيَاتِ الكَفَّارَةِ مَعْنًى.

