فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. هَذِهِ الآَيَةُ فِيهَا بَعْضُ الفَوَائِدِ الأُصُولِيَّةِ، المُتَعَلِّقَةِ بِدَلاَلاَتِ الأَلْفَاظِ، وَمَسَالِكِ التَّعْلِيلِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى العُرْفِ، وَالاِجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ.
الفَائِدَةُ الأُولَى: الإِيمَاءُ إِلَى العِلَّةِ بِالْعَدُولِ عَنِ الاِسْمِ إِلَى الوَصْفِ المُنَاسِبِ لِلْحُكْمِ.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: لَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ: (وعلى الوالد رزقهن)، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾. وَفِي العَدُولِ عَنْ لَفْظِ الوَالِدِ إِلَى وَصْفِ «المَوْلُودِ لَهُ» إِيمَاءٌ إِلَى المُنَاسَبَةِ بَيْنَ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِلْأَبِ وَبَيْنَ تَحَمُّلِهِ مَؤُونَةَ الوَلَدِ وَمَا يَتَصِلُ بِهَا مِنْ نَفَقَةِ الرَّضَاعِ. فَالابْنُ لِأَبِيهِ، وَالأُمُّ المُطَلَّقَةُ إِنْ أَرْضَعَتْهُ اسْتَحَقَّتِ الأُجْرَةَ عَلَى الرَّضَاعَةِ، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا الإِرْضَاعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: «وَعَبَّرَ عَنِ الوَالِدِ بِالمَوْلُودِ لَهُ، إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ الحَقِيقُ بِهَذَا الحُكْمِ».
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: لَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ: (وعلى الوالد رزقهن)، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾. وَفِي العَدُولِ عَنْ لَفْظِ الوَالِدِ إِلَى وَصْفِ «المَوْلُودِ لَهُ» إِيمَاءٌ إِلَى المُنَاسَبَةِ بَيْنَ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِلْأَبِ وَبَيْنَ تَحَمُّلِهِ مَؤُونَةَ الوَلَدِ وَمَا يَتَصِلُ بِهَا مِنْ نَفَقَةِ الرَّضَاعِ. فَالابْنُ لِأَبِيهِ، وَالأُمُّ المُطَلَّقَةُ إِنْ أَرْضَعَتْهُ اسْتَحَقَّتِ الأُجْرَةَ عَلَى الرَّضَاعَةِ، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا الإِرْضَاعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: «وَعَبَّرَ عَنِ الوَالِدِ بِالمَوْلُودِ لَهُ، إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ الحَقِيقُ بِهَذَا الحُكْمِ».
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ثُبُوتُ الوُجُوبِ بِغَيْرِ صِيغَةِ الأَمْرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ دَلَالَةَ الوُجُوبِ أَعَمُّ مِنْ دَلَالَةِ صِيغَةِ «افْعَلْ»، وَأَنَّ الحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ قَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تَرِدْ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ الصَّرِيحِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ دَلَالَةَ الوُجُوبِ أَعَمُّ مِنْ دَلَالَةِ صِيغَةِ «افْعَلْ»، وَأَنَّ الحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ قَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تَرِدْ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ الصَّرِيحِ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ النَّصَّ قَدْ يَكُونُ قَاطِعًا فِي أَصْلِ الإِلْزَامِ، مَعَ تَرْكِ تَقْدِيرِ الوَاجِبِ لِلْاِجْتِهَادِ وَالعُرْفِ.
فَأَوْجَبَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَالْكِسْوَةَ، وَأَحَالَ تَقْدِيرَهُمَا إِلَى العُرْفِ. فَلَيْسَ كُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ بِالنَّصِّ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ تَفَاصِيلِهِ مُقَدَّرَةً بِالنَّصِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَصْلُهُ تَوْقِيفِيًّا وَتَقْدِيرُهُ اجْتِهَادِيًّا.
فَأَوْجَبَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَالْكِسْوَةَ، وَأَحَالَ تَقْدِيرَهُمَا إِلَى العُرْفِ. فَلَيْسَ كُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ بِالنَّصِّ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ تَفَاصِيلِهِ مُقَدَّرَةً بِالنَّصِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَصْلُهُ تَوْقِيفِيًّا وَتَقْدِيرُهُ اجْتِهَادِيًّا.
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الاِسْتِطَاعَةُ قَيْدٌ فِي التَّكْلِيفِ.
قَالَ تَعَالَى عَقِبَ إِيجَابِ النَّفَقَةِ: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فَوُقُوعُ النَّكِرَةِ (نَفْسٌ) فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ، وَهِيَ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي سِيَاقِ النَّفَقَةِ فَإِنَّ لَفْظَهَا يُفِيدُ أَصْلًا عَامًّا فِي التَّكْلِيفِ.
قَالَ تَعَالَى عَقِبَ إِيجَابِ النَّفَقَةِ: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فَوُقُوعُ النَّكِرَةِ (نَفْسٌ) فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ، وَهِيَ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي سِيَاقِ النَّفَقَةِ فَإِنَّ لَفْظَهَا يُفِيدُ أَصْلًا عَامًّا فِي التَّكْلِيفِ.

