فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. جَمَعَتْ هَذِهِ الآَيَةُ الكَرِيمَةُ عِدَّةَ قُيُودٍ وَدَلاَلاَتٍ أُصُولِيَّةٍ مُتَظَاهِرَةٍ:
أَوَّلاً: مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ صِفَةٌ، وَجَاءَتْ دَاخِلَ تَرْكِيبٍ شَرْطِيٍّ ﴿وَإِنْ كُنَّ﴾؛ فَرَبَطَ الحُكْمَ بِتَحَقُّقِ وَصْفِ الحَمْلِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَاجْتِمَاعُ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ فِي المَنُوطِ بِهِ يُقَوِّي دَلاَلَةَ الاِخْتِصَاصِ وَانْتِفَاءِ الحُكْمِ عَمَّنْ لَيْسَتْ حَامِلاً مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ الأُصُولِيَّةِ.
ثَانِيًا: الغَايَةُ مِنَ المُخَصِّصَاتِ المُتَّصِلَةِ: قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ جَعَلَ «حَتَّى» غَايَةً لِلْنَّفَقَةِ المَأْمُورِ بِهَا، وَهَذَا مِثَالٌ نَاصِعٌ لِـ تَخْصِيصِ الحُكْمِ بِالْغَايَةِ، فَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَمَفْهُومُ الغَايَةِ مِنْ أَقْوَى المَفَاهِيمِ ظُهُورًا.
فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: انْتِهَاءُ الحُكْمِ بِانْتِهَاءِ غَايَتِهِ أَوْ زَوَالِ مَنَاطِهِ لاَ يُعَدُّ نَسْخًا؛ لأَنَّ الحُكْمَ لَمْ يُرْفَعْ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ مُقَيَّدًا بِغَايَةٍ أَوْ وَصْفٍ، وَهُوَ فَرْقٌ دَقِيقٌ بَيْنَ بَابِ النَّسْخِ وَبَابِ انْتِهَاءِ الحُكْمِ لِانْتِهَاءِ مَحَلِّهِ.
فَائِدَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ: «الحَمْلُ» وَصْفٌ، وَارِدٌ فِي تَرْكِيبٍ شَرْطِيٍّ، وَمُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ، وَمُحَدَّدٌ بِغَايَةٍ؛ مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ قُوَّةَ الدَّلاَلَةِ قَدْ تَنشَأُ مِنْ تَظَاهُرِ القَرَائِنِ وَالدَّلاَلاَتِ، لاَ مِنْ دَلِيلٍ لَفْظِيٍّ مُنْفَرِدٍ.

