فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
الفَائِدَةُ الأُولَى: وُرُودُ الحُكْمِ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِي انْتِفَاءَهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ إِذَا دَلَّ السِّيَاقُ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ مَا سِيَقَ لِلِاحْتِرَازِ. عَلَّقَ النَّصُّ مشروعية الرهن على وصفين، الأول: السفر، والثاني: عدم وجود الكاتب، وَلَوْ أَعْمَلْنَا مَفْهُومَ الشَّرْطِ بِإِطْلَاقٍ لَقُلْنَا: لاَ يُشْرَعُ الرَّهْنُ فِي الحَضَرِ، وَلاَ فِي السَّفَرِ مَعَ وُجُودِ الكَاتِبِ، وَلَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُسْقَ لِلِاحْتِرَازِ، وَإِنَّمَا لِبَيَانِ حَالٍ تَشْتَدُّ فِيهَا الحَاجَةُ إِلَى الرَّهْنِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَاشُورٍ إِلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ، فَقَالَ: «وَلاَ تُعْتَبَرُ مَفَاهِيمُ القُيُودِ إِلاَّ إِذَا سِيقَتْ مَسَاقَ الِاحْتِرَازِ».
وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ المُسْتَفَادَةُ: وُرُودُ الحُكْمِ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِي انْتِفَاءَهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ إِذَا دَلَّ السِّيَاقُ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ مَا سِيَقَ لِلِاحْتِرَازِ، فَلَيْسَ كُلُّ شَرْطٍ يُرَادُ بِهِ تَقْيِيدُ الحُكْمِ.
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: سُقُوطُ مَفْهُومِ بَعْضِ القُيُودِ لِقَرِينَةٍ لاَ يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ الدَّلاَلَةِ الِاحْتِرَازِيَّةِ لِلْقُيُودِ الأُخْرَى. فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي الآَيَةِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ، (عَلَى سَفَرٍ)، (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا)، (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ السَّفَرَ وَعَدَمَ وُجُودِ الكَاتِبِ لَيْسَا شَرْطَيْنِ لِانْعِقَادِ الرَّهْنِ أَوْ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَلَكِنْ هَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ وَصْفَ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ لَا أَثَرَ لَهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ وَرَدَ مَعَ قَيْدَيْنِ لَا مَفْهُومَ لَهُمَا، الجَوَابُ لَا، فَإِنَّ وَصْفَ الرَّهْنِ بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ لَهُ أَثَرٌ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ الْقَبْضِ، وَهَلْ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ أَوْ لُزُومِهِ؟.
وَالفَائِدَةُ المُسْتَنْبَطَةُ: سُقُوطُ مَفْهُومِ بَعْضِ القُيُودِ لِقَرِينَةٍ لاَ يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ الدَّلاَلَةِ الِاحْتِرَازِيَّةِ لِلْقُيُودِ الأُخْرَى، وَهَذَا أَصْلٌ مُهِمٌّ فِي تَحْرِيرِ دَلَالَاتِ النُّصُوصِ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْلِيقُ بَيَانِ الحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعْلِيقَ أَصْلِ ثُبُوتِ الحُكْمِ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، هَذَا المَفْهُومُ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا، لِأَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ سَوَاءٌ وُجِدَ الِائْتِمَانُ أَمْ لَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَأَمَّلْتَهُ سَابِقًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فَالْأُخُوَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ المُخَالَطَةِ وَعَدَمِهَا، كَمَا أَنَّ وُجُوبَ أَدَاءِ الدَّيْنِ ثَابِتٌ مَعَ الِائْتِمَانِ وَعَدَمِهِ.
وَالقَاعِدَةُ: «تَعْلِيقُ بَيَانِ الحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعْلِيقَ أَصْلِ ثُبُوتِ الحُكْمِ عَلَيْهِ».
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: لَا يَجُوزُ حَمْلُ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى اصْطِلَاحٍ فِقْهِيٍّ خَاصٍّ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحَ هُوَ المُرَادُ فِي مَوْضِعِ الخِطَابِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وَهَذَا يُثِيرُ فَائِدَةً تَتَّصِلُ بِتَحْرِيرِ المُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الأَمَانَةِ يَكُونُ أَمَانَةً بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ الخَاصِّ الَّذِي تَقَرَّرَ فِيهِ عَدَمُ ضَمَانِ الأَمِينِ إِلَّا بِالتَّعَدِّي أَوْ التَّفْرِيطِ، بَلْ قَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الأَمَانَةِ عَلَى مَالٍ مَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ، بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ الوَفَاءِ بِهِ وَقِيَامِ الثِّقَةِ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ الحَقُّ.
وَالقَاعِدَةُ المُسْتَنْبَطَةُ: «لاَ يَجُوزُ حَمْلُ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى اصْطِلَاحٍ فِقْهِيٍّ خَاصٍّ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحَ هُوَ المُرَادُ فِي مَوْضِعِ الخِطَابِ»، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا فِي فِقْهِ المُعَامَلَاتِ، وَخُصُوصًا عِنْدَ تَحْرِيرِ حَقِيقَةِ العُقُودِ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَرَتَّبَ الحُكْمُ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ دُونَ تَحْقِيقِ المَعْنَى الَّذِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ.
الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِسْنَادُ الإِثْمِ إِلَى القَلْبِ مَعَ ظُهُورِ الكِتْمَانِ بِتَرْكِ اللِّسَانِ. فَالشَّاهِدُ الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ ثُمَّ يَمْتَنِعُ عَنْ أَدَائِهَا عِنْدَ وُجُوبِهَا قَدِ اجْتَمَعَ مِنْهُ عَزْمُ القَلْبِ وَتَرْكُ الأَدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

