فَوَائِـدُ أُصُولِيَّـةٌ مِـنَ القُـرْآنِ الكَرِيـمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
قَالَ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾؛ خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِهَذَا الخِطَابِ، مَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ. وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ المُسْتَفَادَةُ: تَعْلِيقُ الحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ لاَ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الشَّرْطِ، وَلاَ إِمْكَانَ وُقُوعِهِ فِي حَقِّ المُخَاطَبِ. وَالمَقْصُودُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِ الإِشْرَاكِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، مَعَ تَحَقُّقِ عِصْمَتِهِمْ، بَيَانُ عِظَمِ التَّوِحِيدِ وَخُطُورَةِ الشِّرْكِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؛ اجْتَمَعَ فِي الآَيَةِ الشَّرْطُ وَالقَسَمُ وَتَأْكِيدُ الجَوَابِ وَكُلُّ هَذَا لاَ يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ. فَاللاَّمُ فِي ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وَ«إِنْ» شَرْطِيَّةٌ، وَاللاَّمُ فِي ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ لاَمُ جَوَابِ القَسَمِ، وَالفِعْلُ مُؤَكَّدٌ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُ القَسَمِ.
وَالفَائِدَةُ الأُصُولِيَّةُ وَاللُّغَوِيَّةُ: تَوْكِيدُ الجَزَاءِ فِي الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لاَ يَسْتَلْزِمُ تَوْكِيدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ. وَكَمَا قِيلَ هَذَا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءِ: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١-٨٢]؛ فَالْحُكْمُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِالْفِسْقِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ إِمْكَانُ وُقُوعِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الرَّازِيُّ خِلاَفًا فِي المُرَادِ بِأَخْذِ المِيثَاقِ: هَلْ أُخِذَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ أُخِذَ عَلَى أُمَمِهِمْ؟
وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ المَلاَئِكَةِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. وَالأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وَالمَلاَئِكَةُ مَعْصُومُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَلَّقَ اللَّهُ الحُكْمَ عَلَى وُقُوعِ مَا امْتَنَعَ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ. فَلاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ صِحَّةِ فَرْضِ الشَّيْءِ وَإِمْكَانِ وُقُوعِهِ؛ فَقَدْ يُعَلِّقُ الشَّارِعُ حُكْمًا عَلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعِ الوُقُوعِ، لِبَيَانِ حُكْمِهِ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ إِمْكَانَ حُصُولِهِ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾: «هَذَا شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ لاَ يَلْزَمُ وُقُوعُهُ»، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ فَالْوَعِيدُ قَدْ يَرِدُ عَلَى سَبِيلِ الفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، مَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِ مُتَعَلَّقِهِ؛ تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ وَبَيَانًا لِعِظَمِ الجِنَايَةِ. فَإِنْ فُسِّرَتِ الفَاحِشَةُ بِالزِّنَا، فَالآَيَةُ تَدْخُلُ فِي قَاعِدَةِ فَرْضِ المُمْتَنِعِ وَتَعْلِيقِ الحُكْمِ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ أَعْرَاضَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الفَاحِشَةِ، فَالآَيَةُ شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ لاَ يَقْتَضِي الوُقُوعَ، وَإِنْ فُسِّرَتْ بِالنُّشُوزِ، فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
قَالَ البَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآَيَةِ (٦/٣٤٧): قَوْلُهُ عَزَّ وَجَل

