فَوَائِدُ أُصُولِيَّةٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨]. قَيَّدَتِ الآَيَةُ الخَيْرِيَّةَ بِإِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الفِعْلَ إِنَّمَا يَكُونُ عِبَادَةً إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّعَبُُّدُ، فَمَنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ لِغَيْرِ التَّعَبُُّدِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِبَادَةً مِنْهُ. وَيُؤْخَذُ مِنْهَا: (لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِنِيَّةٍ).
فَكُلُُّ فِعْلٍ عَلَّقَ الشَّرْعُ خَيْرِيَّتَهُ عَلَى إِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ، فَإِنَّ قَصْدَ وَجْهِ اللَّهِ مُعْتَبَرٌ فِي اتِّصَافِهِ بِالْقُرْبَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي الحُكْمِ؛ فَلَمَّا عُلِّقَتِ الخَيْرِيَّةُ عَلَى إِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ القَصْدَ وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ.
وَالآَيَةُ نَصٌّ فِي فِعْلِ المَأْمُورِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الحُكْمُ فِي تَرْكِ المَحْظُورِ؛ فَمُجَرَّدُ عَدَمِ فِعْلِ المَحْظُورِ لاَ يَقْتَضِي الثَّوَابَ، وَإِنَّمَا يُثَابُ المُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِهِ إِذَا كَانَ التَّرْكُ اخْتِيَارِيًّا مَقْصُودًا بِهِ امْتِثَالُ نَهْيِ الشَّارِعِ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِيمَنْ أَرَادَ السَّيِّئَةَ ثُمَّ تَرَكَهَا: «فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ»، أَيْ: مِنْ أَجْلِي. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ المُحَرَّمُ لِمُجَرَّدِ الغَفْلَةِ عَنْهُ، أَوْ عَدَمِ الدَّاعِي إِلَيْهِ، أَوْ لِمَانِعٍ لاَ يَرْجِعُ إِلَى قَصْدِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ، فَلاَ يَثْبُتُ لَهُ ثَوَابُ امْتِثَالِ النَّهْيِ بِمُجَرَّدِ هَذَا العَدَمِ؛ وَإِنَّمَا يَصِيرُ تَرْكُ المُحَرَّمِ طَاعَةً إِذَا كَانَ كَفًّا اخْتِيَارِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى.
أَمَّا مَنْ عَزَمَ عَلَى المُحَرَّمِ وَسَعَى فِي أَسْبَابِهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْهُ، فَلَيْسَ دَاخِلاً فِي هَذِهِ القَاعِدَةِ، وَقَدْ يُؤَاخَذُ عَلَى عَزْمِهِ وَسَعْيِهِ؛ اسْتِدْلاَلاً بِحَدِيثِ المُتَقَاتِلَيْنِ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
وَيُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ قَاعِدَتَيْنِ: الأُولَى: مُجَرَّدُ العَدَمِ لَيْسَ طَاعَةً، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي التَّرْكِ هِيَ الكَفُّ الاِخْتِيَارِيُّ امْتِثَالاً لِلَّهِ. الثَّانِيَةُ: الثَّوَابُ عَلَى تَرْكِ المَنْهِيِّ عَنْهُ مَنُوطٌ بِقَصْدِ الاِمْتِثَالِ، لاَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ وُقُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهُ. وَالثَّانِيَةُ شَدِيدَةُ القُوَّةِ؛ لأَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ يَكَادُ يَكُونُ نَصًّا فِيهَا: «إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ». فَيَكُونُ تَرْكُ المَعْصِيَةِ لِلَّهِ يُكْتَبُ لَهُ بِذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ لأَنَّ تَرْكَهُ المَعْصِيَةَ بِهَذَا المَقْصِدِ عَمَلٌ صَالِحٌ.
لِهَذَا قَرَّرَ الأُصُولِيُّونَ عِنْدَ الكَلاَمِ عَلَى مُتَعَلَّقِ النَّهْيِ أَنَّ التَّكْلِيفَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِ المَحْضِ؛ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ، وَعَبَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْهُ بِـ كِفِّ النَّفْسِ عَنِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، وَجَعَلُوا الكَفَّ فِعْلاً، وَالمُرَادُ بِالْكَفِّ: التَّرْكُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، أَيْ: فَعَلُوا تَرْكَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]؛ فَقَدْ سَمَّى جَلَّ وَعَلاَ فِي هَذِهِ الآَيَةِ الكَرِيمَةِ تَرْكَهُمُ التَّنَاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ فِعْلاً.

