فَوَائِدُ أُصُولِيَّةٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وَصَفَهُمْ بِاليُتْمِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وَ(العَلِيمُ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، وَوَصَفَهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ. وَمِنَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأُسْلُوبَيْنِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُ فَوَائِدَ أُصُولِيَّةٍ نَافِعَةٍ:
أَوَّلاً: أَنَّ إِطْلاَقَ الأَسْمَاءِ فِي خِطَابِ الشَّارِعِ لاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ حَالِ المُخَاطَبِ وَقْتَ التَّلَفُّظِ فَقَطْ؛ بَلْ قَدْ يُرَاعَى حَالُهُ السَّابِقَةُ (اعْتِبَارُ مَا كَانَ)، أَوْ حَالُهُ المُسْتَقْبَلَةُ (اعْتِبَارُ مَا سَيَكُونُ أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهِ). وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ بِنَاءِ الأَحْكَامِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّزَامُنِ بَيْنَ الاِسْمِ وَالوَصْفِ دُونَ مُلاَحَظَةِ السِّيَاقِ.
ثَانِيًا: قَاعِدَةٌ نَافِعَةٌ فِي تَفْسِيرِ النُّصُوصِ: قَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ سَابِقٍ زَالَ عَنْهُ، أَوْ وَصْفٍ مُسْتَقْبَلٍ سَيَؤُولُ إِلَيْهِ، وَتَعْيِينُ المُرَادِ تَابِعٌ لِلْقَرِينَةِ وَالسِّيَاقِ. وَهَذِهِ أَوْسَعُ مِنْ مُجَرَّدِ مَسْأَلَةٍ بَلاَغِيَّةٍ؛ لأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي تَحْرِيرِ مَدْلُولاَتِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ.
ثَالِثًا: أَنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ فِي النَّصِّ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ لاَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اليُتْمَ عِلَّةٌ لاِسْتِحْقَاقِ دَفْعِ المَالِ؛ فَإِنَّ الدَّفْعَ يَقَعُ بَعْدَ زَوَالِ اليُتْمِ، وَإِنَّمَا العِبْرَةُ بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ فِي بَابِ المُنَاسَبَةِ وَالإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ: مُجَرَّدُ اقْتِرَانِ الحُكْمِ بِوَصْفٍ لاَ يَقْتَضِي عِلِّيَّتَهُ، حَتَّى يُنْظَرَ فِي بَقَاءِ الوَصْفِ عِنْدَ ثُبُوتِ الحُكْمِ وَفِي مُنَاسَبَةِ السِّيَاقِ، مِمَّا يُعَدُّ أَصْلاً فِي نَقْدِ بَعْضِ دَعَاوَى التَّعْلِيلِ.
رَابِعًا: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (اسْمِ الشَّخْصِ) وَ(الوَصْفِ المُؤَثِّرِ فِي الحُكْمِ). قَدْ يَبْقَى الاِسْمُ فِي العِبَارَةِ القُرْآنِيَّةِ عَلَى جِهَةِ الاِسْتِصْحَابِ اللُّغَوِيِّ أَوْ مُلاَحَظَةِ الحَالِ السَّابِقَةِ، مَعَ أَنَّ مَنَاطَ الحُكْمِ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى وَصْفٍ آخَرَ (مِنَ اليُتْمِ إِلَى البُلُوغِ وَالرُّشْدِ). وَمِنْ هُنَا تُصَاغُ قَاعِدَةٌ: لاَ يَلْزَمُ مِنْ بَقَاءِ الاِسْمِ فِي الخِطَابِ بَقَاءُ حُكْمِ الوَصْفِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الاِسْمُ.
خَامِسًا: السِّيَاقُ مِنْ أَقْوَى القَرَائِنِ فِي تَعْيِينِ زَمَنِ الوَصْفِ. فَلَوْلاَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ لأَمْكَنَ أَنْ يَقَعَ إِشْكَالٌ فِي النَّصِّ، وَلَكِنَّ السِّيَاقَ بَيَّنَ أَنَّ المُرَادَ مَنْ كَانَ يَتِيمًا ثُمَّ بَلَغَ وَرَشَدَ. فَيُسْتَفَادُ أَنَّ الأَوْصَافَ الزَّمَنِيَّةَ لاَ تُفْهَمُ مُنْعَزِلَةً عَنْ سِبَاقِ الكَلاَمِ وَلِحَاقِهِ؛ وَهَذَا مِنْ تَطْبِيقَاتِ دَلاَلَةِ السِّيَاقِ.
سَادِسًا وَسَابِعًا: اعْتِبَارُ المَآلاَتِ مَرْكُوزٌ فِي أُسْلُوبِ الشَّرِيعَةِ، فَإِطْلاَقُ ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ شَاهِدٌ لُغَوِيٌّ وَتَمْهِيدٌ دَلاَلِيٌّ لِقَاعِدَةِ اعْتِبَارِ مَآلاَتِ الأَفْعَالِ. وَأَنَّ الأَحْكَامَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِالحَالِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ مَعَ التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِصِيغَةِ الحَاضِرِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا، فَلاَ يَجُوزُ دَائِمًا اشْتِرَاطُ تَحَقُّقِ الوَصْفِ زَمَنَ الخِطَابِ، بَلْ عِنْدَ زَمَنِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ.
ثَامِنًا وَتَاسِعًا: هَذَا البَابُ أَصْلٌ فِي دَفْعِ بَعْضِ الاِسْتِدْلاَلاَتِ بِـ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَالوَصْفِ، فَإِذَا أُطْلِقَ الاِسْمُ بِاعْتِبَارِ المَاضِي أَوْ المُسْتَقْبَلِ ضَعُفَ الاِحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِ الحُكْمِ حَالاً. وَهَذَا مِنْ سَعَةِ العَرَبِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوْ مَا سَيَكُونُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾.
وَخُلاَصَةُ القَوَاعِدِ المُسْتَخْرَجَةِ: الأَسْمَاءُ وَالأَوْصَافُ فِي خِطَابِ الشَّارِعِ قَدْ تُرَاعَى فِيهَا أَحْوَالُ المُسَمَّى المَاضِيَةُ أَوْ المُسْتَقْبَلَةُ، فَلاَ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى اتِّصَافِهِ بِالوَصْفِ زَمَنَ الخِطَابِ إِلاَّ بِقَرِينَةٍ. وَقَاعِدَةٌ أَدَقُّ: تَخَلُّفُ الوَصْفِ المَذْكُورِ عَنْ زَمَنِ ثُبُوتِ الحُكْمِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ لِلتَّعْرِيفِ أَوْ بِاعْتِبَارِ حَالٍ سَابِقَةٍ أَوْ لاَحِقَةٍ، لاَ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَصْفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

